صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ مجتمع متوتر…وتمكّن مظاهر العنف الخطير: الحلول موجودة والتطبيق مفقود

slama
كتب: نوفل سلامة

مؤشرات خطيرة موجودة على أرض الواقع تنبئ بأن المجتمع التونسي دخل مرحلة خطيرة من الانخرام السلوكي وحالة من الاستسهال في ارتكاب أبشع الجرائم، وحالة من التوتر الحادة قد يصعب معالجتها مع تمكن الجريمة الخطيرة بكل أنواعها وصورها من قتل وسرقة و’براكاجات’ واعتداءات جنسية..

بالاضافة إلى تفشي هذه الاعتداءات على نطاق واسع داخل المجتمع وتمدّدها وتحوُلها إلى وضعية مستعصية قد لا تجد لها أجهزة الدولة علاجا لو تواصلت الظاهرة على هذا النسق من البشاعة والانفلات، وتواصل الاعتماد على نفس المقاربات القديمة والحلول الكلاسيكية بعد أن خرجت الظاهرة عن السيطرة وحوّلت من مظهرها القديم الذي كان حكرا على المنحرفين وأصحاب السوابق والفتوات والمتمردين على القانون لتصبح سلوكا شائعا عند أغلبية أفراد الشعب بكل أطيافه وشرائحه العمرية…

ومع هذا التحول أصبح القتل البشع والاعتداء بالعنف مسألة عادية تمارس بكل بساطة و يعلن عنها بشكل عادي واعتيادي.

نسق متصاعد

تواتر الجرائم وتضخمها وتصاعد نسقها يثبت أن التعامل معها لم يعد يتوقف فقط على الجانب الأمني القضائي، وعلى توفر قوانين صارمة ووضع ترسانة من التشريعات الرادعة، وإنما الأهم من كل ذلك توفر حلول جذرية تبحث عن الأسباب الحقيقية التي جعلت كل فرد في المجتمع مؤهلا إلى أن يتحول إلى مجرم وقاتل وأن يرتكب بكل سهولة جريمة بشعة لأي سبب من الأسباب حتى وإن كان تافها يُظهر أن مجتمعنا يعرف خللا في أسسه ومأزقا في كيانه..

شخصية عنيفة

ويطرح السؤال حول دور الأسرة والتنشئة الأولى والتربية العائلية في بناء هذه الشخصية غير المتوازنة العنيفة التي فقدت نماذج إرشادها ويطرح السؤال كيف ولماذا تحول الفرد التونسي إلى فرد عنيف جدا يرتكب أبشع جرائم القتل حتى مع أقرب أقربائه ؟
اليوم ظاهرة القتل قد تكاثرت بشكل لافت في المجتمع وأسبابها ودوافعها باتت ظاهرة ومعروفة وقد تعرضت لها العديد من الدراسات والكثير من التقارير أعدتها منظمات متخصصة ومؤسسات حكومية وغير حكومية ومنظمات المجتمع المدني وانتهت جميعها إلى تحديد جملة من العوامل أدت إلى تفشي الجريمة والعنف الخطير والقتل البشع في مجتمعنا منها الخلل الأسري الذي عليه الكثير من العلاقات الزوجية نتيجة تفكك الروابط والعلاقات بين الزوجين واستقالة الأولياء عن مرافقة أبنائهم…
وهي أمراض نتج عنها ارتفاع منسوب الانحراف لدى الشباب وخاصة فئة تلاميذ المدارس الفضاء الذي تؤكد كل الدراسات أنه من أكثر الفضاءات التي ينتشر فيها العنف وأكثر الفضاءات الحاضنة لتعاطي المخدرات وتناول الكحول والإدمان على السجائر ما جعل من المدرسة التونسية في عمومها تشهد حالة من التلوث والانفلات وتتحول إلى بؤرة لتوليد كل أشكال العنف.

العامل الأسري أيضا

والعامل الأسري هو عامل مهم ومركزي وحاسم في معالجة ظاهرة ارتفاع منسوب العنف والجريمة أدى إلى وجود فجوة في التأطير والتوجيه، بعد أن استقالت العائلة وفقدت دورها وتخلت عن مسؤولياتها تحت وقع تسارع نسق الحياة اليومية حيث اكتفت بتوفير مستلزمات الحياة وضرورات العيش وغياب الأبوين عن المنزل لساعات عديدة كامل اليوم لم نجد من يعوض هذا الدور للأسرة في المراقبة والإرشاد والتوجيه…
وهو وضع مع الوقت أدى وانتج حالة من الهشاشة النفسية بين الأبناء والآباء وحتى بين الأزواج أنفسهم .
تأطير وتوجيه

هذه الفجوة التأطيرية كبرت تعمقت وزادت خطورتها مع تخلي المدرسة عن مسؤوليتها وفقدت دورها الأول الذي من أجله تأسست بعد أن فكت المنظومة التربوية والسياسة التعليمية الارتباط بين التربية والتعليم لتكتفي المدرسة بمهمة التدريس والتحصيل العلمي لا غير مما جعل المعلم والمدرس لا يتدخل في مسألة التربية، ولم يعد له دور في عملية التوجيه وهو يواجه تلاميذ سنهم يؤهلهم الى الانحراف ويحتاجون إلى تأطير وتوجيه ودعم نفسي مستمر.

التفاهة تسيطر

من تداعيات ونتائج هذه الفجوة النفسية واستقالة الأسرة والمدرسة أن تحكمت عوالم أخرى بديلة أخذت مكان الولي والمدرس وتحولت إلى قدوات ونماذج إرشاد وتحول الفضاء الافتراضي وعوالم الفيسبوك ومنصات وشبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الرديء المروج للتفاهة ومجموعات الفن المنفلت وغناء الراب هي المرشد والموجه و النموذج الذي تتبعه هذه الفئات الهشة من الشباب وبها يرسمون نمط حياتهم وتصرفاتهم.

ضغط نفسي رهيب

من العوامل الأخرى المؤثرة بقوة في انتشار الجريمة الخطيرة في بلادنا ضياع القيّم وفقدان المبادئ عند الكثير من أبناء الشعب نتيجة الشعور بالضياع الاجتماعي وما يتولد عنه من ضغط نفسي رهيب جراء غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية وعدم القدرة على مجاراة نسق ارتفاع الأسعار، وعدم القدرة على تلبية حاجيات العائلة نتج عنها حالة من العجز والشعور بالقلق والغضب واليأس من المستقبل وفقدان الأمل في تحسن الأحوال والشعور بأن كل الظروف توحي بأن الوضع لن يتحسن ولا توجد مؤشرات تنبئ بتحسنه.
هذه الحالة النفسية لدى الكثير من أفراد الشعب المتولدة عن الوضع الاقتصادي الصعب وفقدان مواطن الشغل وغياب فرص العمل والخوف من التحول من وضعية العجز الوقتي إلى وضعية الفقر الدائم تولد عنها عند هؤلاء حالة من القلق والضياع والتيه وحالة من التحلل من كل القيم الأخلاقية وحالة من النقمة وحالة من الغضب على ما آلت إليه الأوضاع، وأدت بهم إلى اختيار الخلاص الفردي في غياب الحل الجماعي والذهاب الى حل مشاكلهم بطريقتهم الخاصة وأسهل طريقة وأيسر حل للتخلص من وضعية الهشاشة وحالة العجز كالتعدي على ممتلكات الغير واستعمال العنف سواء لحل خلافات جانبية أو لافتكاك ما عند الآخر باستعمال كل الوسائل حتى وإن لزم الأمر ارتكاب أبشع أنواع القتل.

قضية مركبّة والحلول قائمة

ما أردنا قوله هو أن العنف الخطير وانتشار القتل بين صفوف الشعب ذكورا وإناثا لم يعد مجرد ظاهرة تحتاج أن ندرسها وننظم من أجلها الملتقيات، وإنما أصبحت وضعا طبيعيا وحالة متحكمة في المجتمع مداخلها معلومة وغير مخفية عن أحد، وهي قضية مركبة يؤثر فيها انتشار المخدرات بكيفية غير مفهومة حوّلت تونس إلى سوق لاستهلاك المخدرات وارتفاع نسبة الانقطاع المدرسي لدى شريحة كبيرة من التلاميذ في سن المراهقة من دون أن يجدوا مرافقة من الدولة ويؤثر فيها ارتفاع نسبة الفقر والبطالة واستقالة العائلة عن لعب دورها التقليدي في التوجيه والرعاية النفسية وتخلي المدرسة عن مهمتها الأساسية واكتفائها بدور التعليم لا غير…
ويؤثر فيها القلق والغضب من الوضع الاجتماعي المتردي وفقدان الأمل في المستقبل نتيجة انسداد الأفق وعدم وضوح الرؤية وكل هذه العوامل لم تعد تحتاج اليوم الى دراسات وبيانات وتقرير لتشخيصها وإنما ضرورة الانكباب على معالجة كل المداخل التي يتسلل منها هذا المارد..
ما ينقص هو التطبيق الفعلي لكل الحلول التي تم إقرارها في مختلف الدراسات والتقارير التي أجريت حول هذه الظاهرة.
المشكل الكبير في كل ما أتينا عليه ونحن نرصد انتشار ظاهرة القتل البشع وتمدده بشكل أصبح وضعا عاديا أن التشريعات التونسية على كثرتها وتنوعها وصرامتها لم تعد كافية ولا قادرة على ردع السلوك المتساهل مع ارتكاب القتل العمد فضلا عن باقي الجرائم الخطرة الأخرى ما يستدعي تغيير طريقة التفكير للبحث عن حلول أخرى كانت ناجعة وتخلينا عنها بدعوى المدنية والحداثة والعصرنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى