منور صمادح من شاعر كبير الى معتوه صغير يتسكع في الشوارع …


كتب: عدنان الشواشي
منوّر صمادح ، رحمه الله وطيّب ثراه وجعل الجنّة مأواه، هو شاعر كبير ومفكّر وكاتب نحرير وكذلك فنّان رهيف يتقن العزف على آلة العود وله بصمات مميّزة محترمة في ميدان التّلحين وموهبة ثابتة خاصة في مجال الغناء الطّربيّ الجميل…
كنت أجالسه بانتظام في السّبعينات بمقهى “علي ورق” ، رحمه الله ، بجهة “لافايات” أين كنت أستمتع بسلاسة وبلاغة كلامه وطرافة وعمق أفكاره وظرافة وحلاوة مزاحه …
كانت لغتنا العربية تنساب من فمه كالعسل المترقرق الخالص وتعبيراته المرتجلة المميّزة تجعلك تتمتّع بمجالسته وتستفيد منها وتتعلّم كيف تحاور وتحلّل وتعبّر وتُقنع.
شيئان خيّبا أملي!
كان صديقي منوّر من ألدّ النّاقدين للنّظام آنذاك وما مقولته الشّهيرة: ‘شيئان في بلدي قد خيّبا أملي، الصّدق في القول والإخلاص في العمل’ إلّا دليل على امتعاضه ممّا كان يحدث وقتها من “تلاعبات” ودسائس وانحرافات داخل كواليس السّياسة المتنافي مع ما كان يُعرض في واجهاتها المنمَّقة المُبهرَجة “المثاليّة”…
لم تكن انتقادات منوّر تقتصر على مواطن الخلل في سياسات الدّولة فحسب، بل كانت أيضا تشمل تخوّفات الرّجل من تكاثر تواجد الأقمار الصّناعية حول الأرض ، هذه الأقمار التي كان يعتبرها أدوات للتّجسّس علينا والتّحكّم فينا وفي مصائرنا.
غاب فجأة!
وفجأة غاب منوّر عن الأنظار لمدّة طويلة عَلِمنا في ما بعد أنّه قضّاها في دهاليز معسكر أمن الدّولة أين فُعِلت فيه الأفاعيل التي حوّلته، عند إطلاق سراحه ، إلى شبه معتوه يهيم في الشّوارع وهو يهذي ويقول كلاما مبهما محدّقا النّظر في السّماء وكأنّه يحذّرنا من بُعبع خطير يترصّدنا منتظرا الوقت المناسب للهتك بنا…. !!!!
رحل الرجل المناضل
و بعد مدّة، اعتكف ببيته ولم نعد نراه حتّى سمعنا خبر وفاته، كان ذلك في يوم ” 28 ديسمبر ” من سنة 1998..
رحل صديقي منوّر الرّجل المناضل الأديب الشّاعر الفيلسوف الفنّان والإنسان الطّيّب الرّصين المتواضع الأليف المتعفّف النّبيل …
رحل في صمت ذي أصداء مدويّة لن يغفل عنها التّاريخ ولن يقدر أحد من أولئك الذين احترفوا تحريف مسارات التّاريخ على التّلاعب به ومحو آثار بصمات صانعيه الحقيقيّين..
رحمك الله يا سيّدي وصديقي منوّر وجعل الجنّة مأواك..مثلك لا يُنسى يا أعزّ وأصدق وأشجع النّاس..




