نوفل سلامة يكتب/ كتاب جديد لمحمد المي: موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد (2/2)


كتب: نوفل سلامة
كيف تصرّفت الصحافة التونسية بشقّها العربي وتلك الناطقة باللغة الفرنسية مع كتاب الطاهر الحداد ‘امرأتنا في الشريعة والمجتمع’ الذي حرّك به السواكن وفرض على النخبة المثقفة في ثلاثينات القرن الماضي أجندة مختلفة عما رسمه زعماء الحركة الوطنية من السياسيين والمثقفين، حينما جعلوا أولوية البلاد مقاومة المستعمر الفرنسي وتكثيف النضال السياسي من أجل استقلال البلاد وطرد الفرنسيين…
وقدم عرضا فكريا تقدميا جعله المدخل إلى الاستقلال أو هو مُكمل لتحرير الوطن من بوّابة الإصلاح الاجتماعي والنهوض بالواقع المعيش للناس، وفي مقدمة هذا الواقع المتخلف تحرير المرأة التونسية المسلمة من كل ما يشدّها إلى الوراء ويكبل إرادتها لتحقيق النهضة والتقدم المنشودين.
ما موقف الجاليات؟
وما هو موقف الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش بين ظهرانينا من فرنسيين وايطاليين ويهود من آراء الطاهر الحداد الإصلاحية، وخاصة موقف الصحافة الناطقة باللغة الفرنسية التي سيطر عليها جانب من اليهود إلى جانب الفرنسيين والتونسيين الذين يتقنون التحدث بالفرنسية؟ هذا هو المشغل الذي اعتنى به محمد المي في كتابه الأخير ‘موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع’، وهو زاوية نظر غير معروفة عند الكثير من الناس ومبحث مهّم مُغيّب في معرفة الأجواء التي طوقت المحنة التي عاشها الحداد.
جدل صاخب
يقول محمد المي لقد تحوّل الجدل حول كتاب الحداد إلى جدل بين ثقافتين ولغتين مختلفتين عربية وفرنسية و إسلامية وغير إسلامية، وتجنّدت الصحف لتواكب هذه المعركة الإعلامية حامية الوطيس ويمكن أن نقول أن دور الصحافة الناطقة باللسان الفرنسي قد غزت الصحافة العربية وتحرّكت الأقلام وهبت هبة واحدة وبقدر ما كانت الصحافة الفرنسية منصفة للحداد بقدر ما أضرته المقالات التي نشرت في الصحف الفرنسية، وكانت سببا في تأجيج الصحافة العربية التي تحركت أقلامها العربية والإسلامية للرد على الصحف الفرنسية وكل من يناصره من باب الحميّة للإسلام والدفاع عن الدين الذي رأوه في خطر والتصدي لكل نيل أجنبي من ثقافة فرنسية وأفكار دينية وافدة من ديانات أخرى..
وقد عبّر الدكتور محمود الماطري عن هذا الضرر الذي أصاب الحداد من وراء المقالات المناصرة له، والتي كتبت في الصحافة الفرنسية بقوله: ‘إن الحملة التي شنتها جريدة ‘تونس الاشتراكية’ حول هذه المسألة كانت أكثر ضررا من نفعها إذ أنها عن غير قصد أيقظت في نفوس بعض المسلمين رغبة في أن تتخّذ الحكومة عقوبات إدارية وجنائية ضد السيد الحداد’..
أول ردّ من عبد العزيز العروي
وقد أثبت محمد المي أن أول رد من التونسيين في الصحافة الفرنسية على الهجمة التي طالت الحداد وانتصر إلى أفكاره وحاول تخفيف وطأة النقد الموجه إليه وفك الحصار الفكري عنه ورد شبهة تأثير الحداد بأفكار تحررية من يهود تونسيين واشتراكيين أو مسيحيين هو ” عبد العزيز العروي ” حيث كتب ردا قاسيا هاجم به رجال الزيتونة وانتقد علماء الدين وشكك في نزاهة هيئة النظارة العلمية للجامع الأعظم وذكّرهم بمواقفهم السلبية من المؤتمر ‘الافخارستي’ في تونس، واعتبرهم قد استغلوا قضية الحداد لتلميع صورتهم واستعادة الهيبة الدينية التي فقدوها.
مدام إيف فيشيه وبورقيبة
كما أثبت محمد المي أن أكثر من كتب عن الحداد في الصحافة الناطقة باللغة الفرنسية وانتصر له وناصره في محنته وصدّ الحملة الإعلامية والفكرية التي شنت عليه في الصحافة العربية هو اليهودي التونسي الدكتور ‘إيلي كوهين حضرية’ ( ولد في 8 ديسمبر 1898 و غادر البلاد التّونسية سنة 1975 واستقرّ بباريس حيث توفّي يوم 24 أوت 1987) انتمى إلى التيار الاشتراكي وكان ناشطا في الفترة الاستعمارية وديران انعليفييل’ ( محامي فرنسي ولد بروتستانتيا من عائلة قساوسة ثم فقد إيمانه وغادر الكهنوت واشتغل بالصحافة وبرع فيها) وشقيقته مدام ‘فيشي’، وكانت مُشجّعة للحركة النسوية وقد أثرت تأثيرا بالغا في الزعيم الحبيب بورقيبة الذي أطلق اسمها على أحد أنهج تونس العاصمة حيث كتب عدة مقالات في جريدة تونس الاشتراكية رد بها على خصوم الحداد.
وقد ذهب كوهين حضرية إلى أن مواقف بورقيبة من قضية المرأة التونسية كانت نتيجة تأثير هذه المرأة عليه، وهي التي أسّست في تونس فرعا لرابطة النساء من أجل السلام والحرية وجعلت منه بشكل لافت مكانا مثاليا للقاء أصحاب النوايا الحسنة، وقد كانت هذه المرأة التي توقع بإسم ” إيف نوهيل ” على صلة وثيقة بالنخبة التونسية المثقفة التي كانت تتردّد عليها و قد لعبت دورا بارزا في تيسير اللقاءات التي ترى أنها ضرورية لقضية تحرير المرأة التونسية.
يقول محمد المي تعليقا على هذه المسألة ” لا اظن أنني مخطئ إذا قلت أنها أثرت كثيرا على الحبيب بورقيبة وهو مدين كرئيس دولة مسلم لها في الكثير من المواقف التقدمية وفي جزء غير يسير إلى التأملات التي ألهمته إياها لقاءاته المتكررة مع إيف فيشيه”
ما خلص إليه محمد المي بعد الجهد الكبير الذي بذله في جمع كل ما كتب عن الحداد في الصحافة الفرنسية في زمن الاستعمار الفرنسي، وتتبع كل المقالات التي نشرت في ثلاثينات القرن الماضي في علاقة بقضية كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع والمحنة التي تعرض لها الطاهر الحداد بسبب آرائه التي اعتبرت خارجة عن ما هو معلوم من الدين بالضرورة ومخالف لما هو ثابت في الشريعة، وترجمة كل المقالات التي كُتبت باللسان الفرنسي إلى العربية وقدمها للقارئ حتى يطلع عليها عن قرب، وكذلك عودته إلى الردود المتبادلة في الصحافة التونسية باللغتين أن الجدل قد انتقل من كتاب الحداد إلى معركة حضارية بين ثقافتين وبين توجهين ومرجعيتين وتحول إلى معركة خيوطها متشابكة وفصولها متشعبة ومتداخلة ولا يمكن فهمها إلا بتفكيك عناصرها الظاهرة والخفية، وتجميع كل ما يرتبط بها من قريب أو بعيد..
لماذا تخلوا عن الحداد؟
فلا يمكن مثلا فهم سبب عدم معاضدة الحبيب بورقيبة للحداد وتركه لوحده في محنته وتخلي قادة الحزب الجديد عن نصرته إلا القليل منهم من دون فك مغاليق هذه القضية ومن دون العودة إلى كل تلك الأجواء المشحونة التي نقلتها الصحافة التونسية وعكست كل الجدل المحتدم والذي شارك فيه جانب من الكتاب اليهود ليس انتصارا لشخص الحداد وأفكاره التي قد لا تعني الجالية الفرنسية واليهودية وكل الجالية غير العربية المسلمة في شيء وإنما انتصارا للفكر الحر كما بشرت به فرنسا العلمانية وحق كل فرد في أن يفكر دون قيود ويقول ما يفكر فيه بكل حرية ودون رقابة من دين أو أيديولوجيا أو سياسة.
يقول كوهين حضرية ” أعلن منذ البداية أنني أجهل محتوى الكتاب وأعلن باعتباري غير مختص أقر مع شيخ الإسلام بأن كتاب السيد الطاهر الحداد كتاب هرطقي وتجديفي وأعلن باسم حرية الفكر أن للسيد الطاهر الحداد الحق المطلق في أن يحمل رأيا هرطقيا أو تجديفيا”..
أما ديران انغليفييل فإن انتصاره للحداد لم يكن لشخصه ولا لكتابه وإنما للفكر الفرنسي الاستعماري و التنديد بفشل فرنسا الاستعمارية في مهمتها الحضارية فهو لا يعتبر أن ما تعرض له الحداد بسبب أرائه الإصلاحية محنة مفكر مُصلح أراد إصلاح مجتمعه وانما القضية عنده أن فرنسا التي جاءت لتخليص التونسيين ويسميهم ‘بالمماليك’ لتخرجهم من ‘تخلفهم’ وتعمل على تمدينهم قد فشلت في هذه المهمة فكتب في جريدة تونس الاشتراكية يقول ” إني أتألم لكون خمس وعشرين سنة من حياة الحماية لم تستطع تخفيف شيء من غلو نظام سياسي أخذ على عاتقه تمدين المماليك لكنه يظهر أنه بعكس ذلك قد اقتبس عنهم طرائقهم’…
جانب مٌغيب
كتاب محمد المي عن علاقة الكُتّاب اليهود في الصحافة الناطقة باللغة الفرنسية بالحداد وكتابه المثير للجدل مهم للغاية لكونه يكشف عن جانب منسي ومغيب في هذه القضية التي أثارها ويفتح مسارا جديدا لفهم كل النقاش الذي حصل بسبب آراء الحداد وهو إلى جانب احتوائه على جانب توثيقي مهم يسمح بالعودة إليه بكل يسر لفك رموز كل الجدل الذي أثاره الحداد، و لا زال متواصلا إلى اليوم فقد وثق الكثير من الأفكار والقضايا ذات الصلة بالموضوع، ولكنها مهمة ومفيدة في قضايا أخرى غير كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع يجعل من العودة إلى كتاب محمد المي ‘موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع’ عودة ضرورية ومرجعا لا يمكن الاستغناء عنه…
اقرأ أيضا: كتاب جديد لمحمد المي: موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد (2/1)




