صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ خميّس الترنان (1894-1966): ‘شيخ الفنانين’

كتب: عيسى البكوش

يا زهرة غضت وضاع أريجها
فقطفتها قرب المياه صباحــــــا
والليل أذرف دمعه مترقرقـــــا
في كمّها فبدا به وضاحــــــــــا
وتزخرفت بزبرجد وبعسجــــد
وبفضة زانت رُبى وبطاحـــــا
يهواك … لكن ســاءه يا زهرة
ألاّ يقبّل ثغرك الفوّاحــــــــــــا

هكذا غرّد في مقام الراست خميّس ترنان من نظم ـ أو بالأحرى ـ من ترجمة للأديب الحقوقي محمد سعيد الخلصي (1896-1962) لقصيدة فيحاء جادت بها قريحة الأديب السياسي صالح فرحات (1894-1979) من ديوانه الموسوم بـ Les chants de l’amour.

البدايات

ولد ببنزرت في غرة جانفي 1894 وشبّ منذ نعومة أظفاره على حبّ الموسيقى التي كانت شغف أفراد عائلته الأندلسية التي استقرّت ببنزرت منذ القرن السابع عشر.
كان أبوه علي وعمّه محمد من منشدي الطريقة العيساوية.
لمّا اشتدّ عوده بعث به والده إلى ‘الكُتّاب’ حيث حفظ ما تيسّر من الكتاب ثمّ انتقل إلى المدرسة الابتدائية التي كان يديرها الأديب عبد الرحمان قيقة، إلا أنّه سرعان ما تاقت نفسه إلى الموسيقى فانضمّ كأسلافه إلى الطرق الصوفية.

شدّ الرحال إلى تونس

في سنة 1917 عندما شدّ الرحال إلى تونس حيث أحيا الحفلات بمقهى المرابط واشتهر بالعزف على العود والغناء مقلدا الشيخ محمد عبد الرحيم الذي تخرّج عليه الشيخ عبده الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي صاحب قصيدة “لا تحسبوا ميلي بينكم طربا من لذّة الرّاح”.
سافر إلى برلين صحبة الفنان محمد عبد العزيز العقربي سنة 1928 لتسجيل عدة أدوار.
لمّا استقدم البارون ديرلانجي الشيخ علي الدرويش لأداء المدونة التي كتبها المنوبي السنوسي تعلّم خميس ترنان مبادئ الترقيم والعزف على الناي.
سنة 1932 شارك في أشغال أوّل مؤتمر للموسيقى العربية الذي احتضنته القاهرة وكان قد ترأس الوفد التونسي العلامة حسن حسني عبد الوهاب وسجّل هناك الشيخ خميس ترنان عددا من النوبات والأدوار.

في المعهد الرشيدي

انضمّ شيخنا إلى المعهد الرشيدي منذ تأسيسه سنة 1934 فبادر صحبة صفيّه الأستاذ صالح المهدي بمراجعة كامل نوبات المالوف الثلاث عشر وقد بذلا جهدا جهيدا لانتشال المالوف من الإسفاف وتخليصه من عجمى الزوايا والطرق.
قام الشيخ بتلحين القصائد والأزجال فجادت قريحته بأعذب الأنغام وأشذاها حتّى صارت أعماله مدرسة خالدة.
من أهمّ مؤلفاته “نوبة الخضراء” من نظم الشاعر الطاهر القصّار (1894-1988) والتي وضعها في مقام النهاوند وكذلك الموشّحات مثل الذي نضمه أحمد خير الدين (1905-1967) “طاف بالصهباء بدري ” في نغمة النوى
وموشح ” كلّلي يا سحب تيجان الرجاء بالحلي” لابن سناء
و” بالهوى قلبي تعلق” للشيخ البكري في نغمة الحسين.

قدّم أشذى الألحان

ولقد صاحب مسيرة كلّ فنانات عصره كحبيبة مسيكة وشافية رشدي وفضيلة خيتمي وبالطبع صليحة التي أعطاها من مكنونه أشذى الألحان:
– من تأليف أحمد خير الدين “ربّي عطاني كل شيء بكمالو” و “يا خاينة باش بدلتيني ” و “يا ولفتي إذا تغيب عليّ” و”يا جنّة العمالة يا برّ الجريد” و” يا خليلة” و”محال كلمة آه”
– ومحمد المرزوقي “غزالي نفر” – وجلال الدين النقاش “ياللي بعدك ضيّع فكري”
– ومصطفى خريف “شرع الحب” – والهادي العبيدي “ماحلاها كلمة في فمّي”
– والعربي الكبادي “أمّ الحسن غنات”- وسعيد الخلصي “غنّي يا عصفور”.
– وعثمان الغربي “حزتي البهاء” – ومصطفى آغا ” هجر الحبيب وما درى”.
وفي المسابقة التي نظمتها الإذاعة الوطنية إحياء لذكرى هاته الفنانة الفذة فازت أغنية الشيخ خميس ترنان بالجائزة الأولى وهي من نظم عمر بن سالم في طبع العراق التونسي “ليّعتني بشد الهوى يا دوجة”.
توفي رحمه الله يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر سنة 1966 ودفن بمقبرة الزلاج وأبّنه وزير الثقافة آنذاك المنعم الشاذلي القليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى