نوفل سلامة يكتب/ كتاب جديد لمحمد المي: موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد (2/1)


كتب: نوفل سلامة
أصدر الصديق محمد المي منذ أيام قليلة كتابه الجديد: ‘موقف اليهود التونسيين من الطاهر الحداد وكتابه ‘امرأتنا في الشريعة والمجتمع’، في 163 صفحة يحتوي على مقدمة ومجموعة من مقالات الصحافة التونسية الناطقة باللغتين العربية والفرنسية التي واكبت ذلك الجدل الذي أثاره ظهور كتاب الحداد حول وضع المرأة المسلمة التونسية..
بالاضافة إلى نقاشات حول رؤية الطاهر الحداد لإصلاح المجتمع وتطوير وضع وحال المرأة فيه انطلاقا من رؤية إصلاحية اجتهادية في النصوص الدينية المؤسسة قدمها المُفكر في ثلاثينات القرن الماضي، وأحدث بها رجة كبرى خلخل بها الراكد والسائد في الفكر الديني التقليدي، وأحرج بها الجامع الأعظم وعلماء تونس الذين لم يجدوا أمام أفكاره التحررية الجريئة إلا اتهامه بالزندقة والتنكر لأساسيات الشريعة حتى الوصل الأمر إلى تكفيره والمطالبة بإخراجه من الملة وطرده من عمله وتم حظر كتابه ومنعه من النشر مما جعل الحداد يدخل في محنة كبيرة جعلت منه شخصا منبوذا ومكروها في وطنه…
جدل ديني
هذا الجدل الذي أثاره كتاب الحداد حول المرأة المسلمة التونسية بدأ جدلا دينيا تصدى له علماء الجامع الأعظم والنضارة العلمية التي كان يترأسها الشيخ الطاهر بن عاشور، وانشغل به جانب من النخبة السياسية الوطنية وزعماء الحركة الوطنية الذين فاجأهم كتاب الحداد و أحرجتهم أفكاره وهي النخبة التي جعلت على رأس أولوياتها النضال من أجل الاستقلال ومقاومة المستعمر الفرنسي، وكسب تأييد كافة أفراد الشعب التونسي وعدم خسارة النخبة الدينية المحافظة وجانب كبير من الشعب التونسي المحكوم بعقلية تقليدية لا تقبل من يُشككها في دينها أو يناقشها فيما تربت عليه من عادات وتقاليد ونهج حياة متوارث..
الحداد ‘شوّش’ عليهم
فجاء الحداد وشوش عليهم بكتابه ما خططوا له من نضال وأولويات عمل وتحرك وانتقل هذا الجدل إلى الفضاء العام وفرض على الصحافة التونسية حينها أن تهتم به، وأن تواكب كل النقاش الحاد الذي دار حول الحداد وأفكاره غير أن هذا الجانب الأخير يقي غير معروف فيما عُرف بمحنة الحداد أو هو معروف على المستوى الأكاديمي في مستوى البحث الجامعي، ولم يتداول بما فيه الكفاءة ليبقى جانبا من الجدل الذي أثاره الحداد وكتابه مغيبا أو منسيا ومجهولا خارج أسوار الجامعة..
الحداد في الصحافة
وهذا ما جعل من كتاب محمد المي كتابا مهما لكونه فتح نافذة جديدة في دراسة فكر الحداد وهي نافذة الصحافة التونسية وكيف تعامل رجال الفكر والإعلام والثقافة الناشطين في مجال الصحافة مع آراء الحداد؟ وكيف تصرّفت الصحافة مع الإحراج الكبير الذي فرضه كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع؟..
ما قام به محمد المي من نبش في الأرشيف القديم للصحافة التونسية في فترة الثلاثينات وعودته للبحث في الكتابة الصحفية في تلك المرحلة من تاريخ تونس وتحليل كل ما كُتب من مواقف حول الكتاب ونقل كل الجدل والنقاش الذي دار على أعمدة أشهر الصحف الناطقة باللغتين العربية والفرنسية، هو عمل يُحسب له لقيمته العلمية والمعرفية وللذاكرة الفكرية ولكونه قد مكّن القارئ من الاطلاع على جانب من القضية التي أثارها كتاب الحداد من زاوية أخرى غير الدين والسياسة، وإنما من خلال المجال الإعلامي الصحفي وهي زاوية نظر مهمة مكملة لكل ما كتب عن الحداد..
جدل صاخب
المفيد والمهم في كتاب محمد المي أنه تناول جانبا غير معروف في العلاقة بطاهر الحداد وتناول مسألة قل من اعتنى بها ونحن نناقش فكر الرجل وفتح نافذة مغيبة في الثقافة التونسية وفي دراسة فكر صاحب كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع، هذه الإضافة التي قام بها محمد المي في عودته إلى الصحافة التونسية القديمة ليضعنا في ذلك الزمن وذلك التاريخ لنعيش ذلك الجدل الذي احتضنته الصحافة التونسية في الثلاثينات وتعريفنا بمواقف الأقلام والمؤثرين فيها من أهل الفكر والثقافة والأهم من ذلك تركيزه على النخبة اليهودية التونسية، وكيف تعاملت مع محنة الحداد وكيف تصرفت مع الاتهامات التي طالت شخصه وكتابه وهو جدل مهم عرفنا به محمد المي وأظهره في كتابه.
مُقدّمة الكتاب
وقبل تناول موضوع الصحافة التونسية بشقيها الناطق بالعربية والفرنسية وهو الجزء الكبير الذي حواه الكتاب سوف نتوقف قليلا في هذا المقال مع المقدمة التي كتبها محمد المي لكتابه وهي مقدمة مهمة للغاية في نظرنا، لكونها تطرقت إلى مسألة خطيرة في البحث العلمي ومجال النشر تعلقت بما ينشر أكاديميا من أبحاث جامعية حول مسائل وقضايا قديمة تحتاج قدرا من الأمانة العلمية والنزاهة المعرفية.
سقطات معرفية!
تناول محمد المي في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا بعض الأعمال المعاصرة التي تعرضت لفكر الحداد ونالت شهرة واطلع عليها القراء وباتت مرجعا في دراسة محنة الحداد وكل الجدل الذي أثاره كتابه وتوقف مع شكري المبخوت وكتابه ” تاريخ التكفير في تونس ” الصادر سنة 2018 وآمنة الرميلي وبحثها الجامعي الذي حوّلته إلى كتاب منشور تحت عنوان ” المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطاهر الحداد ” حيث بعد مراجعة دقيقة في هذه الأعمال والعودة المباشرة إلى كل ما كتب في الصحافة التونسية في الزمن الذي صدع فيه الحداد بأفكاره وقف محمد المي على حالة من التسرع عند المبخوت والرميلي وخلط في المعلومات غير مسموح به ولا مقبول من جانب من النخبة الأكاديمية المحمول عليها الدقة العلمية والتثبت الثاقب في كل ما تقوله حيث اثبت محمد المي أن للكاتبين الكثير من الأخطاء في أسماء الجرائد والتواريخ والإحالات على ما كُتب في تلك الفترة وهي من قبيل السقطات المعرفية التي لا تُغتفر..
ومما قاله محمد المي في شكري المبخوت ” .. معلومة مضطربة أخرى يكتبها الأستاذ شكري المبخوت دون التثبت من صحتها حيث يقول في الصفحة 159 من كتابه ‘ساندت ‘الهلال’ لصاحبها عبد العزيز العروي و’تونس الاشتراكية’ الحداد وناصبته جريدة ” المستعمرين و” لسان الكنسية ” تونس الفرنسية ” العداء؟؟ من أين جاء بهذه المعلومة؟ لا أعرف . وهل يذكر لنا مقالا واحدا كتبته ” تونس الفرنسية ” ضد الحداد ومن معه؟ لقد كان متعجلا في بحثه مما نزع عنه صفة الجدية وعدم الاعتماد على هذا الكتاب أو الإحالة عليه لأن الخلط الذي يتسم به يوقع من يأخذ عنه دون التثبت في الغلط “..
لخبطة في المعلومات
أما بخصوص آمنة الرميلي فيقول محمد المي ” كتاب آخر كنت انتظر منه خيرا كثيرا والحق أني فوجئت باللخبطة الموجودة فيه وهو كتاب الأستاذة آمنة الرميلي الموسوم بـ ” المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطاهر الحداد ” الصادر سنة 2012 وهو في الأصل شهادة كفاءة في البحث نوقشت سنة 1990 بعنوان ” دراسة الردود على كتاب الطاهر الحداد ” امرأتنا في الشريعة والمجتمع ” تحت إشراف المرحوم الأستاذ كمال عمران ولم تذكر هذه المعلومة في بداية كتابها .. وهو عمل جامعي ما كان لصاحبته أن تدفع به إلى النشر على علاّته وقد كان عليها حينما قررت تحويله إلى كتاب يقرؤه العموم أن تعيد النظر فيه قبل النشر وسبب نقدنا لهذا الكتاب ما حواه من أخطاء وقائمة المصادر والمراجع وأخطاء في أسماء الجرائد المعتمد عليها وتواريخ صدور المقالات من ذلك ذكرها لمقال كتبه الدكتور محمد الماطري تقول الكاتبة أنه نشر في جريدة الصليب التونسي والحال أنه لا وجود لجريدة بهذا الاسم والصواب أنه ورد في جريدة ‘صوت التونسي’..
وما خلُص إليه محمد المي في تتبعه لمضمون كتاب الرميلي أنها كانت متسرّعة في بحثها ويرى أنه لا يمكن الاعتماد عليه وحتى دراستها للردود كانت انطلاقا من كتابه هو حول الحداد..
وللمقال صلة..




