صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: سوريا مُخْتَبَراً لسياسةِ أردوغان الخارجيّة ‘التعديليّة’

HEDI-DANIEL-ce
كتب: هادي دانيال

قبْلَ مؤامرة ‘الرّبيع العربي’ كان يتربّص بالمنطقة صراعٌ خفيّ بين ثلاثة مشاريع إقليميّة: المشروع الغربي ـ الصـ .هيوني لإقامة دولة إسرائيل اليهوديّة الكبرى، المشروع التركي لاستعادة الخلافة العثمانيّة، والمشروع الإيراني لتوسيع دائرة الثورة الإسلاميّة ضد ‘الشيطان الأكبر’ (الولايات المتحدة الأمريكيّة) ورفع المظلوميّة عن شعوبها وخاصة الشعب الفلسطيني…

وجميع هذه المشاريع وَظَّفَتْ الدِّينَ السياسي سلاحاً أيديولوجيّاً للتحريض والتعبئة، وعندما بدأ صراع المشاريع الثلاثة علنيّاً ودامياً وكانت الجغرافيا السياسيّة العربيّة ولا تزال ميدانَ هذا الصراع، انقسمت الحكوماتُ العربيّة ووزَّعت ولاءاتها وتبعيّتها على المشاريع السياسية المذكورة، فهدرت أموالَ شعوبِ المنطقة وثرواتها وتلاعبت بعقول شبابها فجعلت منهم حَطَباً لحرائق حروب المشروعين الغربي الصهيوني والعثماني الأطلسي خاصة، في ظلّ غياب تامّ لمشروع عربي.

الفرصة باتت سانحة

في مطلع القرن الحالي، وردّاً على رَفْضِ الاتحاد الأوربي طَلَبَ أنقرة الانضمام إليه، ومع تولّي “رجب طيّب أردوغان” رئاسة الحكومة التركية سنة 2003، ولاحقاً رئاسة الجمهورية، رفعت تركيا شعاريّ: التوجّه شرقاً، و صفْر مشاكل مع الجِوار. وما أن أصبحت سيناريوهات ‘الربيع العربي’ قيد التنفيذ، حتى توهّم ” أردوغان” مؤسِّس حزب “العدالة والتنمية” الاسم التّقيّة لحركة الإخوان المسلمين في تركيا، أنّ الفرصة باتت سانحة لتحقيق حلمه الكامن بإقامة الخلافة العثمانية مُجَدّداً، شجّعه على ذلك تمكين “ثورات الربيع العربي” الإخوان المسلمين من تسلّم السلطات في مصر وتونس وليبيا، التي تحوّلت فوراً إلى أسواق للسلع التركيّة وللنفوذ السياسي والإعلامي والجمعياتي والثقافي التركي..إلى أن تمكّن الشعبان المصري والتونسي من الإطاحة بحكم الإخوان وتصفية نفوذ أنقرة نسبيّاً، بينما بقي غربُ ليبيا راضخاً لهذا النفوذ ببُعْده العسكري الأمني أيضاً، ويحاول أردوغان مؤخّراً أن يمتدّ نفوذه هذا إلى الشرق الليبي بنسْج علاقات جديدة مع المشير “خليفة حفتر” الذي زار أنقرة منذ شهرين.

بشعاريّ “التوجّه التركي إلى الشرق” و”صفْر مشاكل مع الجِوار” تمكّن ‘رجب طيّب أردوغان’ من خداع الرئيس السوري بشّار الأسد ونسْج علاقات حميمة معه، وإقناعه بإبرام اتفاقات معهما كانت في مجملها على حساب مصالح الدولة السورية، خاصة في المستوى الاقتصادي، وما أن لامست سيناريوهات “الربيع العربي” و”ثورات الفوضى الخلّاقة” الأراضي السورية، حتى انقلب السلطان العثماني على الأسد، وتم فتح المجال لتسلل الإرهابيّين التكفيريّين والمرتزقة من 80 دولة لتدمير سوريا الدولة و الجيش..

تحالف مع أمريكا

على الرّغم من أنّ أنقرة سَخَّرت ثِقَلَها العسكري والأمني لدعم جحافل الإرهابيّين التكفيريّين الذين يحاربون الجيشَ السوري وحلفاءه الروسَ والإيرانيّين وقيام سلاح الجوّ التركي بإسقاط طائرة سوخوي روسيّة فوق ريف اللاذقيّة بتاريخ 24/11/2015 الأمْر الذي عدّتْهُ موسكو عملاً عسكريّاً بالغ الخطورة، إلّا أنّ روسيا وإيران لعبتا دوراً في إفشال محاولة الإطاحة بإردوغان التي قامت بها حركة “فتح الله أوغلان” بدعم من المخابرات الأمريكية بتاريخ 15/07/2016 . لـ’تُكافَأ’ موسكو باغتيال “أندريه كارلوف” السفير الروسي لدى تركيا خلال افتتاحه معرضاً فنّيّاً في العاصمة أنقرة يوم 19/12/2016.
ولاحقاً أقحمت تركيا نفسها في الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة فلم تزوّد كييف بالطائرات المسيّرة التركيّة فقط بل أقامت مصانع للمسيّرة “بيرقدار” على الأراضي الأوكرانيّة، وحاليّاً يستعدّ أردوغان لتلبية طلب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بتوقف تركيا فوراً عن استيراد النفط الروسي مقابل تمكين أنقرة من شراء طائرات f35الأمريكيّة وتفويض أردوغان بالملف السوري بذريعة أنّ “الفضل يجب أن يعود للرئيس أردوغان في التخلّص من الرئيس السوري السابق (…)لأنّ الفصائل التي تسلّمت السلطة في دمشق هُم وكلاء أردوغان” حسب ترامب، و”يكافئ” الرئيسُ التركي إيران، تلبية لطلب ترامب أيضاً، بإصدار أمر رئاسي تركي يفرض عقوبات على الأصول الماليّة الإيرانيّة الخاصة بالملفّ النووي الإيراني والموجودة في تركيا، بما في ذلك منظمة الطاقة الذريّة الإيرانيّة وعدد من البنوك الإيرانيّة.

ملف آخر على الطريق وهو ملف السفينة ” مرمرة ” التي تملكها هيئة الإغاثة التركيّة كانت ضمن أسطول لكسر الحصار عن غزّة , أبحرت من تركيا أواخر شهر ماي 2010 وعلى متنها مساعدات للقطاع المحاصر ومئات من الناشطين الأتراك و الأوروبيّين و العرب من 36 دولة وتعرّضت يوم 31 ماي فَجْراً إلى هجوم وحشي من قِبَلِ وحدةِ كوماندوس صـ . هيونيّة في المياه الدولية على بعد 72 ميلاً عن سواحل فلسطين المحتلّة تسبّب بسقوط عشرة قتلى أتراك و جرح ستة وخمسين آخرين ومُنِعَ الأطباء الموجودون على متْن السفينة من أيّ تدخل طبّي أو تقديم إسعافات لهم. تعرّض المُختَطَفون للحبس و التّعذيب و التحقيقات و مصادرة أملاكهم كما صُودرت السفينة “مرمرة”. وبعد ردود فعْل تركيّة رسمية كان أقصاها خفض العلاقات الدبلوماسيّة إلى مستوى قائم بالأعمال، فضْلاً عن إدانة دوليّة للاعتداء الإسرائيلي على السفينة التركية الذي وَصِفَه مجلسُ حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجريمة حرب، وبعد أن قدّم ذوو الضحايا الأتراك دعوى ضد أربعة قادة عسكريين صـ .هاينة، وأصدرت محكمة تركية أوامر باعتقال القادة الأربعة و طلبت من الانتربول إصدار مذكّرات اعتقال بحقّهم في مارس 2014، وبدون مقدّمات أو تفسيرات و تبريرات، يتمّ الإعلان في 2 مارس 2016 عن صفقة عسكرية يزوّد الكيان الصـ. هيوني بموجبها الجانب التركي قِطَعَ غيار لمحرّكات طائرات ف16 و صيانتها إلى جانب أسلحة و ذخيرة . وفي 9 / 12 / 2016، تُسقِط محكمة تركيّة الدعوى ضدّ القادة الصـ.هاينة و تُنهي تركيا جميع المطالبات الجنائيّة والمدنيّة ضدّ “إسرائيل” .

وثمّة مفارقة أخرى بخصوص السفينة “مرمرة” التي هي تركيّة شبه رسمية، ولكن بما أنّه تمّ تسجيلها في دولة جزر القمر، بادرت الأخيرة بتقديم طلب إلى المحكمة الجنائية الدوليّة ضدّ الكيان وانضمّت إليها لاحقا كمبوديا و اليونان، فرفضت تركيا أن تنضمّ ليس فقط تواطؤا مع المجرم الإسرائيلي على ضحايا “مرمرة” الأتراك، بل ربما أيضاً نكاية بالموقف اليوناني النبيل آنذاك..

انتهاز الفرص

ومشروع أردوغان يحاكي المشروع الصـ. هيوني في انتهاز الفرَص واللعِب على تناقضات الدُّوَل الأخرى وصراعاتها البَيْنِيّة، فكما استغلّ مسألة هجرة اللاجئين السوريين إلى دول الاتحاد الأوربي لابتزاز الأخير بمليارات الدولارات التي دُفِعَت ولا تزال تُدْفَع لأنقرة، وابتزّ الرياض بقضيّة تقطيع أوصال عدنان خاشقجي فمُقابل توقُّف أنقرة عن التلويح بإجراءات قضائيّة واستثمار الجريمة سياسيّاً توسّعت الاستثماراتُ السعوديّة في تركيا وازداد حجمُ التبادُل التجاري مع الرياض بالقدْر الذي أرادته أنقرة..

تُمثِّل القواعدُ العسكريّة التركيّة خارج تركيا الحَجَرَ الأساسَ لتطلّعات أردوغان إلى إقامة الخلافة العثمانيّة من جديد، حيث توجد أكبر قاعدة عسكريّة تركيّة في الصومال، فضْلاً عن التواجُد العسكري التركي مفتوح الآفاق في ليبيا وسوريا. ولا يجب أن ننسى وجود أنقرة العسكري أيضاً في الثلث الشمالي من قبرص المُتمثّل بعشرات الآلاف من الجنود والضباط الأتراك منذ عام 1974، ولا حقاً، أي منذ عام 2021 ، نشرت طائرات مسيّرة مسلّحة ، بما في ذلك منصتي أكينجي وبيرقدار، ونصبت صواريخ مضادة للسفن من طراز ATMACA في الجزيرة بمدى يزيد عن 200 كيلومتر.

تسلح نوعي

يُضاف إلى ذلك التراكُم الكمّي والنوعي لبرامج الأسلحة التركيّة التي كشفت أنقرة مؤخّراً عن بعضه كصاروخ ” تايفون 4 ” الباليستي الذي تفوق سرعته سرعة الصوت، وكقنبلة ” غزاب “، الجويّة غير النوويّة والقادرة على اختراق المخابئ المُحصَّنة، والتي يمكن نشرها من طائرات إف-16 المقاتلة، ناهيك عن امتلاكه نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس400، وما هو بصدد امتلاكه على غرار 40 طائرة يوروفايتر تايفون من بريطانيا وألمانيا وطائرات الجيل الخامس من طراز إف 35الأمريكيّة.

لا شك أن تدخُّل أنقرة منذ سنة 2019 بتداعيات حرب الناتو على ليبيا دعْماً لحكومة طرابلس، هذا التدخُّل الذي أفضى إلى موافقة حكومة طرابلس على اتفاقيّة ترسيم حدود بحريّة وسّع نطاق مطالب تركيا الإقليميّة في البحر الأبيض المتوسط بشكل يستفزّ مصر ويتحدّى مباشرًة الحدودَ البحريّة المُعترف بها دوليّاً لليونان. وهي مستعدة الآن للغدْر بحكومة طرابلس واستمالة خصمها المشير خليفة حفتر، لإبرام اتفاقيّة مع حكومة بنغازي، ومن ثَمّ ابتزاز بروكسل لإبرام اتفاقيّة مماثلة مع الاتحاد الأوربي مقابل التعاون التركي للحدّ من الهجرة الأفريقيّة إلى أوروبّا على حساب حماية السيادة اليونانيّة، وإذا حصل هذا الأمر، ستكون المواجهة المسلحة بين اليونان وتركيا حتميّة.

وتحسُّباً لهذه المواجهة تَرِدُ أخبارٌ مفادها أنّ الجيش القبرصي الموالي لليونان يستعدّ “لتحرير الجزء الشمالي من قبرص الخاضع للاحتلال التركي”. وأنّه استلم أسلحةً حديثة متطوّرة على غرار نظام راجمات الصواريخ “تامنافا” – قاذفة وحدات قادرة على إطلاق صواريخ عيار 122 ملم و267 ملم لمدى يتراوح بين 40 و70 كيلومترًا تقريباً.

وفي هذا السياق يتنزّل تصريح “أدونيس جورجياديس”، وزير الصحة اليوناني، الذي يبرّر به عدم اعتراف أثينا بدولة فلسطين، زاعماً أنّ “إسرائيل” هي حليف اليونان الأساسي في المنطقة وأنّ أنقرة هي الخصم الرئيسي لتل أبيب، وبالتالي لا يجد “جورجياديس” نفسه معنيّاً بما تقوله الأمم المتحدة والقانون الدولي، بل هو يتبنّى الرواية الإسرائيليّة، مُعترفاً بأنّ الإسرائيليّين الآن في وضع صعْب ” وإذا احتجناهم في المستقبل سيكونون بجانبنا، إذا كنّا الآن بجانبهم في الضِّيق”.

عندما تقنّع أردوغان واقتحمَ بقدراته العسكريّة والاستخباريّة، وبتواطؤ أمريكي لم يُخْفِه ترامب وهو يثني على أداء الرئيس التركي بإطاحة نظام الرئيس الأسد، ويصف ذلك بأنه “إنجاز عظيم”، كان “رَجَب” يُواصل المهمّة المُوكلة إليه منذ انطلاق مؤامرة الربيع العربي في تونس، أي تدمير مؤسسات الدُّوَل الوطنيّة في المنطقة وتقسيم مجتمعاتها وإقامة دويلات فاشلة على أسس عرقيّة وطائفيّة تدور في فلك “دولة إسرائيل الكبرى”، إلّا أنّه في ذات الوقت كان يعدّ الأمْرَ فرْصة لتحقيق التطلّعات العثمانيّة مُراهناً على أنّ المواجهة الإيرانيّة-الإسرائيليّة ستُضعِف الطرَفَين وتجعله سيّدَ المنطقة بأسرها…

كما يُراهِن على أنّ الصراع الروسي- الغرْبي المسلّح ابتداء من الأراضي الأوكرانيّة سيُضعِف موسكو وأوروبا، وبالتالي سيعزّز مكانته الدوليّة بدعم أمريكي. وفي اللحظة الانتقاليّة الرخوة التي حاول بها الرئيس بشار الأسد الانتقال من “محور المقاومة” إلى الجانب العربي “المعتدل” بقيادة السعوديّة، المناوئ لتركيا والإخوان المسلمين، انقضّ أردوغان بالتنسيق مع المخابرات البريطانيّة، على السلطة في دمشق وسلّمها لإرهابيي إدلب… وأرسل رسائل طمأنة إلى تل أبيب عبْر الجولاني الذي لم يكتفِ بإعلان أنّ “إسرائيل” ليست عدوّاً له بل يقتسم معها عداوة إيران وحزب الله، وكعربون صداقة وحسن نيّة سلّمَ تل أبيب رفات جنودٍ إسرائيليّين وملفَّ الجاسوس الإسرائيلي “إيلي كوهين” الذي سَبَقَ أن أُعْدِمَ شَنْقاً بساحة المرْجة وسطَ دمشق فجر18/05/1965, لكن الإسرائيليين كانوا يتسلّمون هدايا أردوغان عبر غُلْمانِهِ، وفي الوقت نفْسه يُراقبونه بحذر شديد…

كان السلطان التركي يحسب أنّه سيملأ فراغ الجيش العربي السوري الذي انهار بميليشيات وإرهابيين أجانب، وسيملأ فراغ الدعم الإيراني المالي للنظام السابق بتوجيه الجولاني إلى الخليجيّين، ومع أحداث الساحل السوري التي تم خلالها ارتكاب المجازر الإباديّة ضد العلويّين والمسيحيّين كان الجيش الإسرائيلي قد احتلّ جبل الشيخ وبدأ يتقدّم إلى أن داس بآلياته وجنوده ريف دمشق، وما أن ذرّ الجيشُ التركي قرنه لإقامة قاعدة جويّة في تدمر السوريّة حتى باغتتْه مقاتلات إسرائيلية بتدمير القاعدة المذكورة قبل وصول الجنود والضباط الأتراك إليها.
وعلى الرغم من وجود أكثر من عشرين ألف عسكري تركي داخل الأراضي السورية إلّا أنّ الطيران الإسرائيلي بَعْدَ قصْف شامل لِما تركه الجيشُ القديم من بُنى تحتية ومخازن ومراكز بحوث وأسلحة ثقيلة ومتوسطة لا يتردّد في قصف أي تمركُزٍ تركي مسلّح بدءاً من ريف اللاذقيّة إلى ريف دمشق ناهيك عن محافظات الجنوب السوري الثلاث (التي بات مُحَرّماً الوصول إليها على عسكر أردوغان). وعندما قصفت “إسرائيل” مبنيي هيئةَ الأركان و”قصر الشعب” مقر إقامة الجولاني، وجّهَت بذلك رسائل إلى سلطة دمشق ومَن ورائها أردوغان مفادها أنّ لا هامش ولا مجال لمراوغة تل أبيب أو الاستثمار ضمن ما تراه مصالح إسرائيليّة على امتداد الأراضي السورية. هذا يحدث و40 بالمائة من النفط الخام الإسرائيلي يمرّ بخطّ أنابيب عبْر الأراضي التركية قادماً من أذربيجان.

تدخُّلَ أنقرة في سوريا

ترى الباحثة “فيرا يعقوبيان” أنّ تدخُّلَ أنقرة في سوريا “واسع النطاق ومنهجي. فمِن خلال دمْج وحدات عسكريّة، وهيكلة إداريّة، ودعْم وحدات ميليشيات، حوّلت تركيا مناطق الأمر الواقع في شمال سوريا إلى ما يشبه ولايات تابعة. ويبدو أن السياسة التركيّة مدفوعة بثلاثة أهداف رئيسيّة: منع أي توطيد جيب كردي يتمتع بالحكم الذاتي على طول الحدود الجنوبية، من خلال التدخّل المباشر؛ وتنظيم عودة منظمة، وإن كانت انتقائيّة، للاجئين السوريين تحت إشراف تركي؛ وفي نهاية المطاف، إرساء أسس تسوية ما بعد الأسد، بما يتوافق مع حسابات أنقرة الاستراتيجية ومفهومها الإسلامي الشامل للنظام الإقليمي.

داخل هذه المناطق، أنشأت أنقرة شبكات حوكمة بديلة، موزِّعةً قوات الدرك وهيئات القضاة والهيئات الاستشارية البلدية المدعومة بمخصصات برلمانيّة تركيّة. في الوقت نفسه، يُظهر تداول الليرة التركيّة وإصدار المناهج الدراسيّة باللغة التركيّة تكاملاً يتجاوز النفوذ، ويشبه إدارة الدولة أكثر منه احتلالاً مؤقّتاً”.

تطورات على الميدان

هذا الكلام دقيق مادام الأمر متعلقا بالمناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي وميليشياته المحلّيّة، لكن واقعيّاً وإن لم يُعلَن عن ذلك رسميّاً، لا يحكم الجولاني والدائرة المحيطة به بإشراف مشترك للمخابرات البريطانية والتركية إلّا دمشق وبعض ريفها، حكْماً غيْر منضبط، وغيْر خالٍ من “الانفلاتات الأمنيّة” ضدّ أحياء الأقليّات خاصة ( هَدّد الجولاني مؤخّراً قيادة قسد بأنّه إذا لم يسلّم مقاتلوهم السوريّون أسلحتهم ويلتحقوا بالجيش الجديد فرادى، فإنّ تركيا ستضع حدّاً لتمرُّدِهِم على سلْطتِه!). لقد انقسمت البلاد إلى عدة أقاليم أكثرها وضوحاً الإقليم الشمالي الشرقي الذي تسيطر عليه “قسد” بقيادة كردية وحماية أمريكية – إسرائيلية، يليه الإقليم الجنوبي الذي يضمّ محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة بقيادة درزيّة وحماية إسرائيلية، بينما تقع القطاعات الشماليّة الغربيّة تحت سيطرة ميليشيات متداخلة مدعومة من تركيا؛ أمّا منطقة الساحل السوري (محافظتا اللاذقية وطرطوس وريفا حماة وحمص حيث امتدادات سلسلة جبال العلويّين، التي لطالما سيطر عليها العلويّون كما يدلّ اسمُها)، “فلا تزال الآن خاملة سياسيًا ومعزولة اقتصاديّاً”، لأنّ العلويين سكّان أصليّون تاريخيّاً قبل تأسيس الدولة الأموية، بل قبْل نشأة الإسلام، ولا يخلطون الدين بالسياسة فكانوا دائما يفضّلون الانتماء إلى دولة وطنيّة جامعة، ولذلك لا مرجعيّة دينيّة لهم تعنى بتدبير شؤونهم الدنيويّة، وهذا سبب بقاء هذا الإقليم إلى الآن بدون إدارة ذاتيّة رغم المجازر الجماعيّة وعمليّات الخطف والتهجير التي يشهدها بانتظار إرادة دوليّة تحميهم، وتساعدهم على تنظيم وإدارة أنفُسِهم مدنيّاً وأمنيّاً.

حاول أردوغان أن يجبر الجميع على مراجعة حساباتهم، ونقلت وكالة “بروبرنغ” عن مصدر عسكري تركي أنّ أنقرة أدخلت الاتفاقيات التي أبرمَتْها مع سلطة أحمد الشرع بدمشق حيّز التنفيذ، حيث شرعت في تدريب “الجيش السوري” الجديد، وبتقديم “الاستشارات الفنّيّة اللازمة” وفق اتفاقٍ ينصّ على أن “تقدّم تركيا للجيش السوري ما يلزمه من تدريب عسكري وآليّات مُواجَهَة عسكرية متطورة”.

في زمن الدولة الوطنية التي كان الدكتور بشار الأسد آخِرَ رئيسٍ شرعيٍّ لها، وكان الجيش العربي السوري عمودها الفقري، كانت مطالب المعارضة بما في ذلك الكرديّة، التعدديّة السياسيّة، والتداوُل الديمقراطي على الحكم، ومقاومة الفساد ونَيْل الحقوق المدنيّة والقوميّة في إطار دولة مُواطَنَة وطنيّة، وأن يمرّ ذلك بعدالة انتقاليّة، لا أن تُفكَّكَ مؤسَّسات الدولة بدءاً من عمودها الفقري ويخضع المواطنون لسلْطة فاشيّة دينيّة طائفيّة انتقاميّة عنصريّة تنفّذ الجرائم والإعدامات الميدانيّة في الشوارع والساحات العامّة والحقول والبيوت الآمنة وتقوم بخطْف النساء وسَبْيِهِم وتبرير ذلك بفتاوى الأحمق ابن تيميّة، وبالتالي فإنّ انقسام سوريا إلى دويلات من أسبابه المباشرة أطماع أردوغان العثمانيّة التي وَجَدَ في “الربيع العربي” هو وحلفاؤه بالحزب القومي التركي فرصة لتحقيقها فصاروا يعلنون من على المنابر أنّ حلب ودمشق والموصل وغيرها من المدن العربية هي جميعها مدن تركيّة يجب أن تُستعاد. وفي سبيل ذلك لا يجدون حَرَجاً بتسخير الدولة التركية العلمانيّة لإقامة إمارات دينية طائفية إرهابية تكفيرية على حدودها!.

أقوال جمال عبد الناصر

لقد قال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ستّينات القرن الماضي مُخاطباً الزعماء العرب في إحدى قمَمِهم : “تركيا ستنضمّ في حلْف مع إسرائيل لتدمير العرب في المستقبل، ودُوَلٌ عربيّة ستصبح ذيولاً للأتراك وللغرْب، وستضطر مصر للمواجهة وحماية أمنها القومي في أفريقيا”. وأضاف عبد الناصر قبل سبعة عقود تقريباً أنّ ” الخطر التركي قد لا يظهر اليوم وإنما قد يظهر في المستقبل، فأنقرة غير جادّة في دعم العرب لمواجهة إسرائيل”. لذا على مصر أن تكون حذرة من رَمْيِ أردوغان عليها مؤخّراً “شباك الودّ” فاللحظة التي تدير فيها ظهْرها أو جنْبها ستكون قاتلة.

ذلك أّنّ ما تنبأ به عبد الناصر حصلَ في العقدين الأخيرين، فمواقف أردوغان من الحق الفلسطيني منذ تسلّمه الحكم شعارات تفنّدها ممارساته الداعمة للسياسة الإسرائيليّة حتى هذه اللحظة. إلّا أنّ هذه المهارات باللعب على الحبال والاستثمار الرخيص للخلافات أو الحروب بين الدول ومحاولة استغلال تراجُع نفوذ طهران على الساحة الإقليميّة واعتماد أنقرة سياسة خارجية تنقيحيّة أو تعديليّة تهدّد بتغيير أنظمة المنطقة لا بدّ أن يُقلِق حلفاءً رئيسيّين للولايات المتحدة (اليونان و”إسرائيل” وقبرص) ودولاً أخرى كالعراق ومصر وتونس والجزائر، وثمّة مَن يرى أنّه “إذا تُركت أجنْدة أنقرة التوسُّعيّة دون رادع، فقد لا تُزعزِع استقرار المنطقة فحسب، بل قد تُورّط أوروبا والولايات المتحدة في صراع أوسع نطاقًا”.

لن يدافع عن العرب

وعلى كلّ حال، لن نجد أردوغان يوماً إلى جانب طرف عربي ضدّ “إسرائيل” مهما اشتدّ تنافُس المصالح بين تل أبيب وأنقرة، فرغم كل جعجعته إزاء تراجيديا غزّة رَفَضَ توقيع اتفاق مجموعة لاهاي لضمان تنفيذ القرارات التي اتخذتها المحكمة ضد “إسرائيل”، وحتى إعلان أنقرة وَقْف التبادل التجاري مع إسرائيل كذّبته بيانات التجارة الخارجيّة كما تؤكّد المعارضة التركيّة بالوثائق، ولن نستغرب ذلك من أردوغان الذي لم يدّخر جهدا لتدمير آخر جيش عربي يقف في مواجهة “إسرائيل ».

وعلى الرغم من ذلك لن يدّخر حيلة أو وسيلة لتسريع وتسعير الصِّدام الإيراني- الإسرائيلي المدمّر للمُتحارِبَين كي يتّسع هامش مراوغاته ومناوراته ومغامراته. أمّا إذا تورّطت البشريّة في حرب عالميّة ثالثة فالمؤكّد أنّه سيسير على خطى أجداده العثمانيّين، أي بتحالف وثيق مع ساكن البيت الأبيض. وهنا أيضاً أكرّر: لا عزاء لِمَن يدير ظهره أو يعطي جنبه لحظةً لأردوغان في المنطقة أو خارجها.

لكن ما قد يتجاهله أردوغان، خاصة وأنّ مغامراته لا تزال رابحة، أنّ تقسيم سوريا سيفضي حتماً إلى تقسيم تركيا عاجلاً أم آجلاً، وأنّ مدْح ترامب لإنجازه “العظيم”، أي إطاحة نظام الأسد، قد يكون تشجيعاً له كي يتوغل عسكريا أكثر في الوحل السوري ويرتكب المزيد من المجازر خاصة ضد الأكراد الأمْر الذي ربّما يحسم التنافس في الساحة السورية بينه وبين تل أبيب لصالح الأخيرة، في ظلّ التطيّر الغربي من سياسته الخارجية التنقيحيّة التي أشرْنا إليها آنفاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى