صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ أحدثها علي ثابت منذ ثلاثة قرون: المرابط من أعرق المقاهي في العالم

issa-bakouche
كتب: عيسى البكوش

كثيرا ما يتباهى الإفرنج بعراقة مقهى Le Procope بباريس الذي يوجد ما بين الحي اللاتيني وسان جرمان دي بري، إذ يعود بناؤه إلى سنة 1686 وكنت تردّدت عليه لا في الفترة التي كنت فيها طالبا للعلم لأني لم أكن قادرا ماديا على ذلك، ولكن عندما غزا الشيب مفرقي وسمحت لي والحمد لله قدرتي الشرائية…
هو مقهى كان يرتاده أدباء فرنسا وخاصة منهم ما اصطلح على تسميتهم بفلاسفة الأنوار أو أصحاب Diderot صاحب الموسوعة.
وكذا الشأن بالنسبة لمقاهي أخرى في الغرب كمقهى Florian في البندقية التي فتحت أبوابها سنة 1720، ومقهى الفيشاوي في خان الخليلي بالقاهرة الذي يعود تأسيسه إلى قرنين ونصف أو بوشكين في موسكو الذي تغنّى به Gilbert Bécaud (1927-2001) … قبل أن يوجد!.

الأقدم في تونس

ولكن هل تعلم ـ عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة ـ أنّ لنا في الحاضرة مقهى أعرق من تلك المقاهي.
هو مقهى المْرابط – مجزوم الميم- نسبة إلى أحد المرابطين المدفونين في هذا المكان من سوق الترُكْ.
وسوق الترُكْ كما هو معلوم هي إحدى الأسواق التي أنشأها يوسف داي بجوار مسجده الطائر الذكر. وسيعود إليه الفضل في إنشاء الأسواق الثلاثة: البشامقية والجرابة والبركة.
ومن قبله كان أبو زكرياء مؤسّس الدولة الحفصية أنشأ سوق العطارين ثمّ تتالت البقية حتى بلغ عددها كما أحصاها André Raymond في كتابه “تونس وسكانها في القرن التاسع عشر” 31 منها 12 تعدّ في خانة الأسواق المسقفة.

تعمير السوق

لقد أتى الأستاذ أحمد السعداوي في كتابه “Tunis ville ottomane ” الصادر سنة 2010 عن مركز النشر الجامعي، على وصف هاته السوق مشيرا إلى ” أنّ طولها حوالي 100 متر وأنها تصل جامع الزيتونة بجامع يوسف داي وأنّ هذا الأخير قد حلّى هذه السوق بنافورتين للماء في طرفيها وأنّه أجرى لها الماء انطلاقا من النقرة التي أنشأها بنو حفص بعد ترميمها” ص25 .
ولقد تراءى لأحد المقرّبين من يوسف داي تعمير هذه السوق سنة 1629 بإنشاء ميضة ومقهى وحوانيت حبّس مداخيلها على الميضة.

من هو مؤسس مقهى المرابط؟
CAFE Mrabet tunis
هو علي ثابت الشخصية المركزية في مفتتح القرن السابع عشر، يذكر الوزير السرّاج في “الحلل” أنّ ثابت هو من اعترض يوسف داي عند مقدمه من طرابلس وتوقّع أن يكون له مستقبل زاهر فلمّا تمّ له ذلك باعتلاء دفّة الحكم، قرّب صاحب هذا الفال ومكنه من حظوة … ومن ثروة.
كان ناظرا على جامع الزيتونة وتمكّن من التصرّف في أموال طائلة.
تقول عنه المؤرخة ليلى تميم البليلي في كتابها Sous le toit de l’empire أنّ عائلته استفادت من قُرب الرجل من حاكم البلاد وأنّ صهره اختلس بعض مداخيل زاوية أبي الغيث القشاش وهو ما أكّده المنتصر ابن أبي لحية القفصي في كتابه ” نور الأرماش في مناقب القشّاش”.
ولقد خصّه الصديق المنعّم أحمد الطويلي في كتابه “الضوء المبين في التعريف بالأولياء الصالحين” الصادر عن المطبعة الرسمية سنة 2006، بتحليل كامل وبيّن بالخصوص أنّ القشّاش كان يملك أكثر من ألف هنشير إلى جانب ممتلكات أخرى.
لقد توطدت علاقة علي ثابت مع الحُكّام الذين خلفوا يوسف داي وبالخصوص حمودة باشا المرادي الذي تزوّج ابنته حيزية التي أنجبت بدورها الباي مراد.
بالعودة إلى “القهوة” مثلما يحلو لعميد الأدب العربي طه حسين أن يسمّي المقهى وهو ما اعتمدناه في لهجتنا، فإنّه وقع تخليده من خلال رسم للفنان العالمي Charles Lallemand (1826-1904) والتي أوردها Serge Santelli في كتابه عن مدينة تونس والصادر عن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي سنة 1993 الصفحة الرابعة والعشرين.

أم كلثوم من زوّارها

والمعلوم أنّ كوكب الشرق السيدة أم كلثوم عند زيارتها لتونس سنة 1968 قد قضّت بعض الوقت في “المرابط” حيث استمعت إلى أذكار من أداء شيخ القرّاء علي البرّاق.
ولكن تبقى الميضة هي أهم إنجاز يحسب للرجل وهي التي وقع نقلها بالتمام إلى هضبة البلفدير إبّان الحماية الفرنسية.
ولقد جاء في اللوحة الرخامية التي تؤرّخ لهذا المعلم:
باسم الله الرحمان الرحيم
يا قارئ بالله فادع مخلصا
لعبد ذليل خائف يتحرّج
رجاء بأن الله يغفر ذنبه
عسى الله أن يعفو عليه ويصفح
ناظم الأبيات أحدث الميضاة
يرجو حسن الممات
بجاه من أمر بكلمتي الشهادة
وحثّ على الصلاة
عليه صلوات وسلام
يفتحان لقائلها أبواب النجاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى