عيسى البكوش يكتب: بيوت الله في مدينة تونس السبع اللآلي حُلية الحاضرة وزينتها


كتب: عيسى البكوش
يقول الحق في محكم تنزيله: باسم الله الرحمان الرحيم: ‘فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ، رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ’ (النور الآية 36 و37).
من سالف الأزمان تنشأ المدن انطلاقا من إقامة موقع أساسي ومركزي هو المعبد والذي اتخذ تسميات متعددة إثر حلول الديانات الإبراهيمية الصلاة ثم الكنيسة ثم المسجد وكان أول بيت ببكّة كما جاء في الذكر هو الكعبة بمكة المكرمة ثم عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ابتنى مسجد قباء ثم مسجده الذي أصبح مزار جميع الحجاج والمعتمرين.
وفي إفريقية قام الفاتح عقبة القريشي بإحداث جامع القيروان وهو المنطلق لتشييد العاصمة الأولى في بلاد الغرب الإسلامي.
أما في مدينة تونس فيرجع الفضل لحسان بن النعمان في إقامة جامع الزيتونة ثم أتى من بعده عبيد الله الحبحاب سنة 844 ميلادي بإذن من الخليفة العباسي المستعين بالله ليوسع هذا البنيان ومن بعده تداول الحكام في هذا البلد الآمن كل حسب فنون الزمان على إضافة لبنات أخرى حتى أصبح هذا المعلم درة الحاضرة وزينتها بحسب رأيي شأنه شأن جوامع أخرى في مدينة تونس في حين أن عالم الآثار المنعّم سليمان مصطفى زبيس قد عددها 14 في كتابه “معالم تونس” الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع سنة 1971 وهو على كل رقم ضئيل بالنسبة لعدد المساجد والجوامع في مدينة تونس.
قد كان أحصاها الباجي المسعودي سنة 1814 بـ 311 فيما أحصاها محمد بالخوجة سنة 1939 بـ 181.
ولقد أوردت نادية البوسعيدي في شهادة الماجستير سنة 2006 أسباب تراجع عدد المساجد في المدينة وأوردت ملخصا لذلك في مقال نشرته مجلة معالم ومواقع في عددها الثالث والثلاثين في ماي 2022.
أعظمها جامع الزيتونة
ولكننا إذا ما اعتمدنا ما جاء في كتاب “صفوة الاعتبار” لمحمد بيرم الخامس فإننا نجد أنه يتمسك بعدد 300 مسجد ويضيف :”وتشتمل الحاضرة على سبعة جوامع وأعظمها جامع الزيتونة”.
والحمد لله أنه تم أخيرا ولو بعد أمد طويل اعتبار هذا المعلم من قبل منظمة الالكسو جزءا من التراث المعماري والعمراني.
يقع هذا البيت المعمور على مساحة 5000 متر مربع وله 9 أبواب صحنه الداخلي يتكون من 186 عمود تم جلبها من الموقع الأثري بقرطاج وله محرابان تم اكتشاف الأول من طرف الصديق عبد العزيز الدولاتلي سنة 1989 وهو صاحب الكتاب المرجع عن الزيتونة الصادر عن دار التراث للنشر.
وهو يرتفع عن مستوى البحر بـ15 متر بالنسبة لواجهة سوق الفكة و19 متر بالنسبة لواجهة سوق القماش أما المئذنة فلقد شهدت هي الأخرى أطوارا بحسب الدول التي حكمت البلاد فكانت أول مئذنة أقامها الحفصيون سنة 1433 ثم المراديون سنة 1652 ثم الحسينيون عام 1896 وهي في حالها الأخير ترتفع إلى 43 متر وهي من انجاز المهندس سليمان النيقرو.
جامع القصر
أما اللؤلؤة الثانية في عقد الحاضرة فهو جامع القصر الذي شيّده أحمد ابن خراسان حاكم المدينة في خلال القرن الثاني عشر للميلاد وهو يطل على حي باب منارة وقد أضيفت له مئذنة ذات طابع أندلسي في خلال القرن الثالث عشر.
ثم لما قدم أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية بادر برفع جامع القصبة سنة 1233 ولقد أذن فيه بنفسه عند انتهاء الأشغال سنة 1236 وذلك لصلاة العشاء ليلة عيد الفطر وتتميز صومعته بالنمط الموحدي كمنارة جامع الكتبية في مراكش…
جامع يوسف داي
فجامع يوسف داي الذي أنشأه هذا الوزير في سوق البشامقية منذ سنة 1235 وقد سار على دربه حمودة باشا المرادي الذي شُيّد سنة 1692 ميلادي وهو من أبهى البيوت في هذه الديار ثم قام خلفه محمد باي المرادي بإنشاء جامعه في ربض باب سويقة وشيده على النمط العثماني أي السائد في عاصمة الخلافة اسطنبول.
أما الجامع السابع فهو الذي شيّده سنة 1808 في حي الحلفاوين الوزير يوسف صاحب الطابع وهو متأثر بالعمارة الإيطالية من هندسة الحاج ساسي بن فريجه وأقيمت أول صلاة فيه يوم الجمعة 04 مارس 1814 وظل بدون مئذنة إلى حدود العهد البورقيبي حيث رفعت صومعته سنة 1968 ولقد أتى على وصفه وذكر أئمته وخطبائه ومدرسيه المؤرخ المنعم حمادي الساحلي (1928-2002) في العدد الأول لمجلة مواقع ومعالم – نوفمبر 1996.
ويذكر أستاذنا المنعم حمادي الساحلي في مجرى حديثه عن هذا المعلم الذي دامت أشغاله ست سنوات أن المهندس بن فريخة “طلب الأجر إن يدفن في التربة الموجودة في سقيفة الجامع عند حضور أجله وقد تم له ذلك”.
لقد كان أول من ارتقى المنبر هو محمد بيرم الثاني (1748-1831) ومن أشهر المدرسين فيه الشيخ علي بلخوجة المتوفى سنة 1982 ومن قبله في القرن التاسع عشر الجهبذ إبراهيم الرياحي (1766-1850) الذي رثى صاحب الطابع المقتول ظلما وجورا يوم 23 جانفي 1815.
“هذا الذي قد رامه
بصنيعه هذا الهمام
فأتى بكل عظيمة
عن مثلها صغر العظام
من جامع جمعت له
كل المحاسن بالتمام ”




