نوفل سلامة يكتب: حرب غزة، كتائب القسّـ.ام والنهايات المنتظرة


كتب: نوفل سلامة
عندما قررت حركة حماس وجناحها العسكري كتائب عزّ الدين القسام ومن ورائها فصائل المقاومة الفلسطينية القيام بعملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر 2023 لم يكن القرار ارتجاليا ولا اعتباطيا ودون رؤية…
وإنما كانت تلك العملية التي بلغ صداها كل العالم عملية منظمة ومخطط لها بإحكام كبير وتم اعدادها بإتقان كبير استغرق سنوات من التحضير، وقال عنها كل المتابعين للوضع الفلسطيني وللمشهد العربي أنها حدث كان من الضروري أن يقع، حيث الظروف كانت مهيئة له و الدوافع قد توفرت بقوة…
خيار التطبيع مع الكيان
من ذلك أن المشهد العربي كان سائرا نحو خيار التطبيع مع دولة إسرائيل، وخاصة دول الخليج التي أُرغمت على الدخول فيما سُمي بـ ‘الاتفاق الابراهيمي’، والأهم من ذلك ضرورة تعطيل تنفيذ المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي وايقاف مشروع صفقة القرن التي لوح بها الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى وبرنامج إفراغ غزة من سكانها لإعادة تشكيل المنطقة بما يحقق الأهداف الاقتصادية والسياسية من أجل عزل الصين وروسيا…
وهو مشروع ضخم يرمي إلى إنشاء ميناء بن غوريون التجاري الذي سيعوض ميناء سيناء وبناء خط حديدي بين تل أبيب والهند يمر على جزء من أراضي غزة…
تراجع الاهتمام
هذا إذا أضفنا ما شهدته القضية الفلسطينية من تراجع الاهتمام بها وفتور مركزيتها في النظام الإقليمي كأولوية لدى الشعوب والأنظمة العربية التي تعتبر اليوم تحرير فلسطين مطلبا سياسيا غير معنية به، وهذا السياق يقود بالضرورة إلى برنامج التطبيع الذي خضعت له معظم الأنظمة العربية واتفاق السلام الإبراهيمي الذي يُراد له أن يكون بديلا عن الحل النهائي للقضية الفلسطينية مع إبقاء الحال على ما هو عليه، واختزال القضية الفلسطينية برُمتها وأبعادها، في مجرد تحسين الحياة اليومية للشعب الفلسطيني وتحويل الملف الفلسطيني إلى ملف إداري واقتصادي والتعامل مع قطاع غزة من منظور إنساني…
وتحويل القضية من قضية شعب محتل يناضل من أجل حريته إلى مجرد ملف إنساني نتعامل معه وفق رؤية الإعانات والمساعدات الخيرية لا غير.
كان لا بدّ من طوفان الأقصى
لكل ذلك كان لا بد في نظر الفلسطينيين والكثير من المحللين من قيام عملية طوفان الأقصى لإرجاع القضية إلى واجهة الأحداث وكأولوية من أولويات الاهتمامات وفضح البرنامج الأمريكي الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة العربية، فحمـ.اس وفصائل المقاومة تعلم جيدا أن عملية طوفان الأقصى لن تُحرر فلسطين وتعلم كذلك أنها تقاوم جيشا نظاميا مدعوما من قوى عالمية كبرى، وتخوض حربا ضد عدو مسنود من أعظم دولة في العالم وأن موازين القوى متفاوتة من حيث العدة والعتاد والقدرات العسكرية والدعم المعنوي والمادي..
وتعلم أيضا أن الغرب لن يترك إسرائيل وحيدة في هذه الحرب وهو ملتزم بإسنادها عسكريا وسياسيا وإعلاميا، كل هذا تعلمه حماس وتدركه كتائب عز الدين القسام ولكن رغم ذلك فإن عملية طوفان الأقصى كان لا بد منها في ذلك التوقيت، وذلك السياق التاريخي من أجل إعادة القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني الى واجهة الاهتمام العالمي كقضية أولى ومركزية تتطلب حلا عادلا ومنصفا للفلسطينيين…
كل الاحتمالات
من عادة حركات التحرر عبر العالم التي خاضت تجارب نضال من أجل استقلال بلدانها وتحرير شعوبها أن تضع أمامها كل الاحتمالات وكافة السيناريوهات، من نصر كامل أو هزيمة كاملة ومن ربح غير مكتمل وهزيمة غير منتهية، بما يعني أنه من المنظور المادي للمعركة ومن منطلق رؤية التاجر لمفهوم لربح والخسارة فإن غزة قد خسرت كثيرا وحصل لها دمار شامل، ومُحيت منها الحياة تقريبا وتكبدت خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات التي يتطلب سنوات لاستعادتها وحتى حركة المقاومة حماس فقد خسرت هي الأخرى الكثير من عناصرها المؤثرة وخاصة من الصف الأول جراء الاستهداف المباشر لهم..
غيّرت وجه العالم
ولكن كل ذلك لا قيمة له من زاوية النظرة غير المادية التي ترى أن غزة قد أعادت تعريف النصر وأعادت صياغة معنى الهزيمة إذا ما نظرنا كيف أن عملية طوفان الأقصى قد غيّرت وجه العالم، وغيّرت كل المفاهيم والمُسلمات وغيّرت نظرة الشعوب لإسرائيل التي لم تعد تجلب التعاطف واستنزفت رصيدها الأخلاقي الذي اكتسبته بسبب المحرقة التي ارتكبتها النازية و ابتزت مختلف حكومات الغرب بها طيلة عقود..
وضع دولي جديد
حرب غزة أدت إلى خلق وضع دولي جديد وفرضت مراجعة القناعات التي أنتجها الغرب وبها حكم الإعلام وفرض مراجعة فكرة مركزية المعرفة الغربية والتشكيك في منظومة القيم الكونية ومنظومة القيم والمبادئ التي روجت لها الحداثة الأوروبية، وكشفت نفاق وزيف هذا الغرب وفضحت هياكله ومنظماته التي اتضح أنها غير محايدة وهي منحازة وغير عادلة…
وهذا في حد ذاته مكسب كبير سوف يكون له تداعياته في قادم الأيام وسوف يوظف لصالح القضية الفلسطينية. فحرب غزة اليوم تعرف مرحلة جديدة من النضال و منعطفا هاما في مواصلة الكفاح حتى تحقيق مطالب الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة مستقلة وعملية طوفان الأقصى جاءت في هذا السياق من التفكير.
المثال الياباني
اليابانيون في حربهم مع أمريكا كانوا يعلمون أن موازين القوى ليست في صالحهم وأن عدوهم يمتلك قدرات كثيرة ويفوقهم عدة وعتادا، ولكن كل ذلك لم يثنهم عن خوض معركة التحرر من الاحتلال الأمريكي التي كانت كُلفتها ثقيلة في الأرواح وتكبدوا من ورائها خسائر غير مسبوقة في زمانهم خاصة بعد أن استعملت أمريكا القنبلة الذرية. حينها لم يقل أحد بأن اليابانيين متهورون أو أنه ما كان عليهم أن يقاتلوا الأمريكان نظرا لتفاوت القدرات العسكرية وأن يبحثوا عن حلول أخرى سلمية تنهي إحتلالهم وقد خلفت هذه الحرب تداعيات مهمة لصالح اليابانيين الذين تحصلوا على استقلالهم، بعد نضالهم المسلح وسقوط 70 ألف من ضحاياهم.
للحرية ثمن
تجارب حركات التحرر الوطني عبر التاريخ تقودها حركات مقاومة قدرها أن تقود النضال، وهي تدرك أن المعركة تبدأ في الميدان وتنتهي أما بنصر أو بهزيمة أو بمفاهمات ما بعد الحرب حينما لا يستطيع المحتل أن يُنهيها لصالحه على أرض المعركة، وهي مرحلة تقدرها حركات المقاومة وتنتظرها وهنا يأخذ النصر و الهزيمة معاني مختلفة وتقدر التنازلات وما لا يمكن التنازل عنه حسب السياقات وهي حسابات لا يمكن لأحد أن يقدرها إلا أصحاب النضال وقادة المعركة وحركة حماس اليوم ومن ورائها فصال المقاومة الفلسطينية بموافقتها على إنهاء الحرب قدرت جيدا ما تحقق وقدرت موازين القوى الجديدة بعد عامين من القتال تغير فيهما كل شيء والعالم لم يعد كما كان من قبل والقضية الفلسطينية قد أصبح لها وضع آخر بعد كل التحولات والتغيرات المؤثرة…
والتاريخ وحده هو من سيفصح عن قيمة وأهمية عملية طوفان الأقصى البطولية رغم كل الخسائر التي تكبدها الفلسطينيون .. فـ للحرية كُلفتها وللاستقلال ثمنه ولا يوجد شعب حصل على حريته من دون تضحيات ولا خسائر في الأرواح .. هذا هو الطريق وهذا هو التاريخ.




