هادي دانيال يكتب: لماذا يتطيّرُ ترامب ونتنياهو من ‘إعلان نيويورك’؟


كتب: هادي دانيال
لو أنّ الوضْعَ البشريَّ الآن مُنضَبِطٌ للقانون والشرعيّة الدوليّين اللذين يُفْتَرَض أنّ كلّ دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة تضعهما في حسْبانِها وهي ترسم سياساتها الداخليّة والخارجيّة…
لكانت جرائمُ الإبادة الجماعيّة التي يُمعن الكيان الصهيوني في ارتكابها ضدّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة والقدس المحتلّة قد أفضت ليس فقط إلى طرده من الأمم المتحدة، بل وأيضاً إلى وضع هذا الكيان تحت “البنْد السابع” وإرغام تل أبيب بالقوّة الدوليّة على وقف الحرب العدوانيّة على غزّة، الأمْر الذي لم تجرؤ دولة في “مجلس الأمن” وخارجه على مجرّد التفكير به.
حتى الحدّ الأدنى!
وفي الحدّ الأدنى، لو كان ثمة إرادة دوليّة لإنهاء الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري عن ظهر كوكبنا بعد 25 سنة من دخوله القرن الحادي والعشرين، لما تردّدت الدول المعنيّة بالسلام الدولي في تمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلّة في حدود جوان 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة. لكن هذا الحدّ الأدنى بات مُستعصياً في ظلّ قانون الغاب الذي بات يتحكّم بمصائر شعوب العالم، خاصة بعد وصول “هتـ . لر الجديد” المسمّى دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في واشنطن.
إقامة إسرائيل الكبرى
لقد صدرت عن “دونالد ترامب” إشارات أوّليّة إلى أنه مُكلّف من الدولة الصهيونيّة العميقة بشقّيها اليهودي والمسيحي وأدواتها العربيّة والإسلاميّة بتنفيذ مشروع إقامة “دولة إسرائيل اليهوديّة الكبرى”، وتلك الإشارات هي اعتراف واشنطن بضمّ القدس والجولان المحتلَّين ونقْل سفارة الولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى القدس، ولاحقاً حديثه السامّ عن ضِيق “الجغرافيا السياسيّة ” للكيان، وهذا يضمر دعوة إلى توسيعها. (و قد لاقاه “بنيامين نتنياهو” بعد قرار “الكنيست” الإسرائيلي “ضمّ الضفّة الغربيّة” إلى الكيان الإسرائيلي بزعمه أنّه هو الآخر مرتبط بمهمّة “تاريخيّة وروحانيّة” تتعلّق بمشروع “إسرائيل الكبرى”، فهما معاً يتمرّغان سَعيدَيْن في أوحال حظيرة الدولة العميقة ذاتها).
وهذا لا يعني أنّ سياسات الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة كانت خارجةً على إرادة الدولة الصهـ . يونيّة العميقة، بل إنّ الأخيرة هي التي غيّرت تكتيكها الاستراتيجي الذي كان يقوم على تخريب مجتمعات الدول المحيطة بفلسطين المحتلّة خاصة وتدمير مؤسساتها (العسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة…) بتصدير “الديمقراطيّة الأمريكيّة” إليها، الذي كلّف “الشعب الأمريكي” تريليون دولار في منطقة الشرق الأوسط وحدها، حسب “جي دي فانس” نائب الرئيس “ترامب” الذي قال أيضاً إنّ “بناء الديمقراطيّات في الشرق الأوسط تبيّنَ أنّه أمْرٌ شبْه مستحيل، وباهظ التكلفة بشكل لا يُصدَّق”.
إعلان حرب!
إذن البديل “الجمهوري” هو فرْض خرائط جغراسياسيّة في هذه المنطقة المُستَهدَفة بالقوّة العسكريّة، أي بالحروب العدوانيّة التي سيموّلها الخليجيّون أنفُسُهم بعدَ أن موّلوا الحروب الهمجيّة على العراق وليبيا واليمن وسوريا للإتيان بأنظمة خانعة وخاضعة لهذا التغيير الجغراسياسي والديمغرافي بالقوّة. ولذلك ما أن حصل “ترامب” على التريليونات الخليجية حتى أمعن مع نتنياهو بالحرب المدمِّرة على “جزب الله” في لبنان وعلى إيران واليمن وأسقط نظام الرئيس بشّار الأسد وأتى بزعيم إرهـ . ابي إلى سدّة الحكم في دمشق وَتَرَكَ لجيش الاحتلال الإسرائيلي التمدُّد إلى أن دخلت آليّاته الحربيّة ريف دمشق..
و في الوقت نفْسِه ضاعفوا من قسوة جرائم الإبادة الجماعيّة في قطاع غزة ليجاوِزَ عددُ الشهداء السبعين ألفاً بينهم أكثر من عشرين ألف طفل، وأضافوا التجويع حتى الموت إلى أسلحة الإبادة الجماعيّة، ولا يطرفُ جفنٌ لسليل رعاة البقر و اليانكي “دونالد ترامب” وهو يتوعّد بترحيل أهْل غزّة عن وطنهم إلى أمكنة مجهولة خارج فلسطين المحتلة على أن تقوم شركاته بالسيطرة على قطاع غزّة، وخاصّة على غازِها، وتحويلها إلى ‘ريفيرا الشرق الأوسط’ ، وبينما يتعامل ترامب هذا مع غزّة كمجرّد عقار “ينظفّه” لاحقاً من الركام والأشلاء والدماء التي تسبّبت بها الأسلحة الأمريكيّة بأيدي صهاينة إسرائيليّين وأمريكيّين وبريطانيّين وأتراكاً وعرباً، يستعدّ الصهاينة لغزو القطاع بمستوطناتهم الجديدة والجاهزة على الورق. و “توم باراك” السفير الأمريكي لدى أنقرة ومبعوث “ترامب” إلى سوريا ولبنان عرَضَ الأمْرَ نفْسَه تقريباً على اللبنانيّين، أي تحويل جنوب لبنان إلى قطعة عقاريّة للاستثمار، وربّما لاحقاً نسمع حديثاً من هذا القبيل بخصوص الجنوب السوري.
وجهان لعملة واحدة
الدولة العميقة الصهيـ. ونية تستخدم الدين السياسي بأطيافه اليهودية والمسيحية والإسلامية لإقامة “شرق أوسط جديد” عموده الفقري “دولة إسرائيل اليهودية الكبرى” تدور في فلكها دويلات فاشلة ومنزوعة السلاح تقوم على أسس طائفيّة دينيّة وعرْقية تأتمِر بأوامر الشركات الاحتكاريّة الإمبرياليّة الكبرى التي تمتلكها الدولة العميقة الصـ هيونيّة عبْر العالم. وفي هذا السياق يكون “ترامب” و”نتنياهو” وَجْهَين لعملة واحدة. والشعارات من قبيل “بناء الهيكل” و”إقامة الدولة اليهوديّة الكبرى” للتعجيل بقدوم “المسيا” أو “المسيح”، هي للاستهلاك والتجييش القطيعي للمتديّنين من عامّة اليهود والمسيحيّين.
ومشروع تهجير الفلسطينيّين عن كامل جغرافيا فلسطين التاريخيّة ليس حديثاً، فالرئيس الأمريكي الأسبق “هاري ترومان”(12 أفريل 1945 حتى 20 جانفي 1952) وَضَعَ خطّة لتهجير الفلسطينيّين وتمهيد الطريق لإقامة “إسرائيل”، عمرها أكثر من سبعين عاماً. يقول “ترومان” حرفيّاً: ” كان لدينا العديد من الأشخاص الآخرين في البلاد حتى من بين اليهود، وخاصّة الصـ .هاينة الذين كانوا يعارضون أيّ إجراء إذا لم يكن بالإمكان الحصول على فلسطين بأكملها وكلّ شيء يُقَدَّم لهم على طَبَقٍ من فضّة دون أن يضطرّوا لفعْل أيّ شيء، لكن ذلك لم يكن ممكناً، فكان علينا أن نأخذ الأمور على مراحل صغيرة، لا يُمكنكَ أن تُخرِج خمسة أو ستة ملايين شخص من بلادهم وتملأه بخمسة أو ستة ملايين آخرين، وتتوقع أن يكون كلا الطرفين راضياً. واجَهْنا كلّ أنواع الاعتراضات على كلّ ما تمّ اتخاذه من إجراءات، لكن كان لابدّ من اتخاذ خطوة ما. مضينا قُدُماً ونفّذْناها وتمّ الأمْر. والآن بدأت الأمور تنجح، وفي النهاية أعتقد أننا سنُرضي الجميع، لكن إنجاز هذا العمل سيستغرق وقتاً طويلا”.
والآن يعتقد “ترامب” و”نتنياهو” أنهما بصدد الخطوة الأخيرة لاستكمال تنفيذ “خطّة ترومان”.
هكذا ينفِّذ الصـ. هاينة خطَطَهم بالمراوغة والمناورة وانتهاز الفرَص واستثمار انهيارات الخصم بدون تلكُّؤ، فعلى مدى قرْن تقريباً كان للغرْب الصهيوني مشروعه لكن بالمقابل ليس للعرب والمسلمين مشروعا يتصدى لهذا المشروع الغربي، بل كثيرا ما وُظّفَتْ ردودُ الفعْل والشعارات العاطفيّة العربيّة والإسلاميّة في خدمة المشروع الغربي الصهيوني، لتسويق “الرواية الإسرائيليّة” لدي أجيال الشعوب في الغرْب بل وفي العالم أجمع تقريباً. وبالتالي فإنّ المفكِّر “عبد الوهاب المسيري” لم يجاوز الصواب عندما قال ما معناه أنّ شَرْطَيّ بقاء الكيان الصهيوني هما: الدّعْم الخارجي وغياب العرَب.
أين الحضور العربي؟
والمؤسف أنّ الحضور العرَبي يكون دائماً سلبيّاً كما هو الحال عندما احتُلّ العراق، ودُمّرت ليبيا وشُنَّت الحرب على لبنان حتى ترنّح، و على سوريا حتى تفكّكتْ، والأمْر ذاته كان ولا يزال بالحرب المستمرة على اليمن الذي، إسناداً لأهلنا في غزّة، يسدّ الطريق أمام السفُن الإسرائيليّة أو المتوجِّهة بالبضائع والطاقة إلى الكيان الصهيوني، فيُبادِر العرَبُ المُسلمون إلى فتح طريقٍ من دُبَيّ إلى الكيان الصهيوني عبْر الأراضي السعوديّة والأردنيّة، ناهيك عن الاعتراض العربي الإسلامي للصواريخ والمُسيّرات الإيرانيّة التي كانت مُوجَّهة إلى معسكرات ومستوطنات ومؤسّسات العدوّ الصهيوني على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة!.
لكنّ مجازر الإبادة الجماعيّة بالدبّابات والمُقاتلات الحربيّة والأباتشي والمسيّرات وأحدث الأسلحة الأمريكيّة والأوربيّة والإسرائيليّة كافة إضافة إلى فرْض المجاعة المميتة، أعني تدمير المستشفيات والمدارس والجامعات والمُنشآت الاقتصادية والجوامع والكنائس والبيوت على ساكنيها وحرْق الخِيَم بِمَن فيها ومطارَدة الأمّهات الهاربات بأطفالهنّ في الشوارع وتجويع الأطفال والشيوخ حتى الموت، ومشاهدة هذا الجحيم الأرضيّ على شاشات القنوات الفضائية ووسائل التواصُل الاجتماعي وجّه ضربة قاضية إلى “الرواية الإسرائيلية” في الشارع الغربي الذي تربّى على قِيَم الحرّيّة والمُساواة ونبْذ العنصريّة وتقديس حقوق الإنسان… ليكتشِف على ضوء الدم والوجع الفلسطينيَّين مدى زيف “الرواية الإسرائيليّة” التي سقطت عنها الأقنعة على وقْع وقائع الإبادة الجماعيّة اليوميّة، فتبنّى “الرّواية الفلسطينيّة” وانتفضَ بقوة مُفعِّلا سياسة المقاطعة الاقتصاديّة والثقافيّة والأكاديميّة والإعلاميّة والتظاهر بمئات الآلاف في شوارع المدن والبلدات بدون توقف…
فحصل تحوّلٌ جذري في الرأي العام الشعبي الغرْبي بدأ ينعكس على مواقف بعض حكومات الدول الغربيّة التي بدأ بعضها باتخاذ مواقف مضادة لمجرمي واشنطن وتل أبيب، دبلوماسيّة واقتصاديّة وعسكريّة، لا تزال الحكومات العربيّة الإسلاميّة عاجزةً عن محاكاتها على الأقل، كي لا نطالب هذه الحكومات بمواقف تحاكي مواقف بعض حكومات أمريكا اللاتينيّة كـ بوليفيا وكولومبيا والبرازيل وفنزويلّا.
الغرب ينتفض
لقد أفضى تبنِّي الشارع الغرْبي للرواية الفلسطينيّة إلى إعلان أغلب دُوَل الاتحاد الأوربي الاعتراف بدولة فلسطين أو عَزْمَهم على ذلك، أمّا “ترامب” الذي زَعمَ أنّه سيطفئ الحروب عبْر العالم فلم يكتفِ بالغوص حتى عنقه في دماء أطفال غزّة بل سارع إلى إضرام المزيد من الحروب المباشرة أو غيْر المباشرة أو التحضير لها ضدّ إيران ( ربّما يستأنفها قُبَيل أو بالتوازي مع اجتياح مدينة غزّة؟) وضدّ لبنان (مجدّداً أيضاً) وضدّ النّيبال وفنزويلّا وغيرهما، بل غيّر اسم “البنتاغون” من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وهذا الذي كان يسوّق لنفسه من أجْل تتويج حياته السياسية بِنَيْلِ جائزة نوبّل للسلام (بترشيح رسمي تسلّمته لجنة الجائزة من السفّاح “بنيامين نتنياهو” المُدان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يا للمفارقة!) أصدر أمراً لاقتلاع خَيْمةٍ ترمز للسلام من أمام البيت الأبيض عمرها 44 عاماً، أي تعود إلى عهد الرئيس الأمريكي الأسبق “رونالد ريغان”، فهل أدركَ “ترامب” على أنّ لِسلامِ جائزةِ “نوبّل” مقاربته التي هي صهيـ. ونيّة بامتياز ولكن بشكليّات لم يراعها “ترامب” وعرّابه “نتنياهو، وأنّ ساقَيْه أضعفُ من مُجاراة ساقَيّ نظيره الفرنسي الرئيس “إيمانويل ماكرون” الذي يركض إليها حاملاً بِيَدٍ بندقيّة من أجْل أوكرانيا وباليَدِ الأخرى غصْن زيتون من أجْل فلسطين.
إعلان نيويورك
على الرّغم من أنّ واشنطن كانت تزعم أنّ مشروع “حلّ الدّولتين” مشروع أمريكي، ألغى “ترامب” تأشيرات الرئيس الفلسطيني “محمود عبّاس” وأعضاء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيّتين قبْل انعقاد الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة غيْر عابئٍ بالقانون الدولي و باتفاقيّة مَقَرّ الأمم المتّحدة، كما حاول أن يثني حكومات العالم عن المشاركة في “مؤتمر الأمم المتّحدة لحلّ الدولتَين” الذي انعقد في جويلية الماضي برئاسة فرنسا والسعودية، وصدر عنه “إعلان نيويورك”. لقد اعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة “إعلان نيويورك” بأغلبيّة 142 صوتاً، يومَ الجمعة 12سبتمبر2025، ولم يعترض على “إعلان نيويورك” إلّا عشر أعضاء في الجمعيّة العامّة تتصدرُهم الولايات المتّحدة الأمريكيّة و”إسرائيل” إلى جانب ثماني “دول” أخرى لا وَزْنَ لها في السياسة الدوليّة.
وَرَفْضُ واشنطن وتل أبيب لإعلان نيويورك ليس فقط لأنّه يعيد قطاعَ غزّة والضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة إلى السلطة الفلسطينيّة، وهذا يلغي أهدافَ “ترامب” و”نتنياهو” من حرْبِ الإبادة الجماعيّة على غزة التي أشرنا إليها آنفاً، إلّا أنّ السبب الأهمّ هو أنّ إقامة دولة فلسطينيّة في حدود جوان 1967 يضع حدا للمشروع الصهيوني بإقامةِ ” دولة إسرائيل اليهوديّة الكبرى”.
وهذا ما لا يدركه أو يتجاهله البعضُ بردود فعله العاطفيّة – إنْ أحْسَنّا الظنّ، ولكن هل سيتمكّن المجتمع الدولي هذه المرّة من فرْض إرادته؟.
لا مال ولا قوة
يقول المفكّر اليهودي الأمريكي “نعوم تشومسكي”: ” جزء من مأساة الفلسطينيّين أنّهم لا يملكون دعماً دوليّاً، وهذا لأنّهم لا يملكون مالاً أو قوّة وبالتالي لا يملكون حقوقاً. إنّها الطريقة التي يعمل بها العالم: حقوقك تتوافق مع قوّتك وثروتك (…) لذا فالفلسطينيّون قد يحصلون على بيان دعم ولكن لا أحد سيفعل أكثر من ذلك، خصوصاً عندما تهدِّد أمريكا أيَّ شخص قد يحاول أن يفعل أكثر من ذلك”.
هذا الكلام صحيح، إذا بقي العالم أحاديّ القطب، ولم يتمّ تفعيل الإرادة الدوليّة الحاسمة لاستعادة الحقّ الفلسطيني، وإلّا فالحديث المتواتر عن عالم متعدد الأقطاب يبقى حديثا عن سراب. فأمام حكومات العالم فرصة للاستجابة لشعوبها كافّة، تلك الشعوب التي أعلنت بوضوح بليغ أنّ فلسطين بوصلتها الأخلاقيّة، وأنّ بقاء جلّاديّ أهل غزّة والضفة الغربية والقدس بدون عقاب يجرّد البشرية من إنسانيّتها ويُبقي اليد العليا للغرائز الحيوانية في عالمٍ/غابة، ويظلّ بالتالي كلامُ تشومسكي ساريَ المفعول إلى أجَلٍ غير مُسمّى.
في القمة العربية
لا شكّ أنّ قصف الطيران الإسرائيلي للعاصمة القطريّة مُعطىً إضافيٌّ للتفكير العميق ليس فقط بما قاله تشومسكي، بل أيضاً بأنّ القواعد الأمريكيّة والتركيّة وظيفتها الأساس حماية الكيان الإسرائيلي على حساب أمْن دول المنطقة كافّة العربيّة والإسلاميّة بما فيها العواصم الخليجيّة التي تستضيف وتموّل هذه القواعد الأجنبيّة الأطلسيّة، وللتذكير بأنّ ثِقَلَ الثروة الخليجية يمكن أن يُرجّح في ميزان القوى بالمنطقة الكفّةَ العربيّة والكوفيّةَ الفلسطينيّة إذا ما سُحِبَت تلك الثروة الهائلة من الرصيد الغربي الصهيوني وانتقلت إلى الرصيد الوطني والقومي العربيّين، وكانت داعمة لإنسان المنطقة ليس فقط على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بل وخاصة على مستوى تجسيم وتنفيذ واقعيَّين لفكرة تكوين “الناتو العربي” من الجيوش والقوى العربيّة المتبقّية بعد التفريط العربي بجيشيّ العراق وسوريا….
وإذا ما تمخّضت القمّة العربيّة الإسلاميّة، المُزمَع عقدها مُنتَصَف سبتمبر الجاري في الدّوحة، عن أكثر من بيانات الدعم الخُلّبيّة التي عوّدتنا عليها هكذا قمم، وأيضاً إذا ما انْسَحَبَ على نصْرة الحقّ الفلسطيني/ مظلمة العصْر، قَولُ الرئيس الصيني “شي جين بينغ” خلال العرْض العسكري المهيب بالذكرى الثمانين ليوم النصر في الحرب العالمية الثانية: “لن نسمح لشريعة الغاب أن تسيطر على العالم، ولن نقبل بأن تَفرِض الدولُ القويّةُ هَيْمَنَتَها على الدولِ الصغيرة أو الضعيفة” ، وذلك بحضور رئيس الاتّحاد الروسي “فلاديمير بوتين” ورئيس جمهوريّة كوريا الديمقراطيّة الشعبيّة “كيم جونغ أون”.




