صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: مسرحية ‘هوما’ هل يحتاج المجتمع والإنسان إلى علاج نفسي متأكد؟

slama
كتب: نوفل سلامة

يواصل مهرجان الحمامات الدولي اختياراته الفنية الموفقة ومراهنته على المسرحيات الجادة والهادفة، والتي تُخرج الجمهور وكل محب للفن الرابع من المشهدية التقليدية التي تعتمد على الإضحاك الأبله وطرح القضايا التافهة التي لا تحقق المعنى…

فبعد مسرحية ‘الهاربات’ ومسرحية ‘الجاكراندا’ اللتان لقيتا استحسان الجمهور والنُقّاد وهما عملان يتقاربان في طرح السؤال الاجتماعي المرهق للكثير من أفراد المجتمع ونجحتا في التطرق إلى قضية العجز الاجتماعي والتعقيدات اليومية للمواطن المتعب في ظل غياب الحل الجماعي وحل الدولة ومناقشة موضوع الغربة التي يشعر بها الشباب داخل وطنه وقضية فظاعة الانتظار من حصول شيء ما لن يأتي يغيّر الأوضاع ويحسن الحياة، وغير ذلك من المشاكل الوجودية للإنسان المعاصر، تأتي مسرحية ‘هوما’ للمخرجة ‘سيرين قنون’ وتمثيل كل من ‘بحري الرحالي وعبد المنعم شويات’ لتطرح سؤال الإنسان وحيرته الاجتماعية وقلقه الوجودي وفظاعة الانتظار وما يخلفه من شعور قاتل لصعوبة تحقق تغيير لن يتحقق لتعقد الواقع وغياب الوسائل وتراجع الدولة عن التدخل لحل الأسئلة الحياتية الحارقة.

داخل عيادة للعلاج النفسي

مسرحية ” هوما ” تدور أحداثها داخل عيادة للعلاج النفسي في جلسة يُمارس فيها الطبيب مختص في التنويم المغناطيسي لمساعدة مريض جاءه يطلب الإقلاع عن التدخين. في هذه الغرفة الضيقة التي تجمع رجلين فقط تدور كل أحداث المسرحية لتحمل المتفرج إلى عالم الذاكرة والنسيان وتفتح معه نوافذ متعددة من الأسئلة الاجتماعية التي يُعاد طرحها باستمرار حتى أصبحت مكررة ومملة من دون أن يخرج المجتمع من متاهة العجز الذي لا ينتهي.

تشريح الواقع

لقرابة الساعة يدور حوار بين الطبيب ومريضه حول قضايا كثيرة مفعم بالأسئلة التي تعيد تشريح الواقع بطريقة متوترة متشنجة لا تنظيم ولا ترتيب فيها، أسئلة متداخلة تعكس حالة الفوضى التي عليها المواطن في مواجهة حاله وواقعه المأزوم وعجزه المتواصل الذي لا ينتهي وهي حالة شعورية لا تريد أن تترك صاحبها في محاولة لجعل المتفرج يشارك الممثلين هموم المتاهة وضيق الأفق والبحث عن المعنى وطريق الخلاص.
هل يحتاج المجتمع وهل يحتاج الإنسان المعاصر إلى علاج نفسي متأكد للتخلص من كل الأمراض النفسية والاجتماعية التي تحيط به من كل جانب وهو يصارعها في معارك كثيرة غالبا ما تنتهي بهزيمته وانسحابه لغياب الحلول وضعف الوسائل وتخلف الحل الجماعي وضياع الحلم في المستقبل الذي يبدو في نظر المسرحية لا يختلف كثيرا عن الحاضر.
اللافت في مسرحية ‘هوما’ هو اعتمادها على ممثلين فقط وهو خيار من المخرجة في مواصلة التجربة في هذا النوع من المسرح الذي لا يعتمد على مجموعة من الممثلين وهو حالة مسرحية تعتمد على قوة الحوار أكثر من اعتمادها على العناصر المؤثثة له لذلك كانت قوة المسرحية في الحوار الذي يدور بين شخوصه، فيما يظهره من صراع الماضي مع الحاضر ومواجهة عاتية بين الواقع مع الوهم ومعركة الحاضر والآني مع المستقبل والحلم وهي معركة تنتهي بمساءلة الذاكرة والتاريخ والواقع والثوابت وإعادة ترتيب كل أوراق الحياة بطريقة قد يحالفها التوفيق وكثيرا ما تنتهي إلى المتاهة والضياع وحالة نفسية خطيرة ملؤها العبث والضياع والشرود وهنا يأتي الحديث عن الحل والمخرج والمصير والخلاص.
اللافت الآخر في هذه المسرحية أنها عالجت موضوعا قل وأن طُرح في عمل إبداعي وتناولت موضوعا غير مألوف على أهميته، هذا الموضوع هو ما دأب عليه الفرد من إلقاء كل فشله وعجزه على الآخر وإلقاء كل المسؤولية عن عدم توفيقه في حل مشاكله على غيره وإلصاق كل الخيبات التي تحصل له في خياراته وقراراته وأحداث حياته ومشواره اليومي على غيره…

حل سحري بسيط

و’هوما’ في النص المسرحي هي عبارة كثيرا من نجدها تردد في المجتمع وفي حديثنا اليومي وفي نقاشاتنا الفكرية والسياسية وداخل البيت وفي الفضاء العام، وهي حل سحري بسيط ينهي متاعب تأنيب الضمير ويحقق قدرا من الراحة النفسية حينما يلقي الفرد كل فشله وعجزه على الآخر وهي كلمة تخرج الكثير منا خارج ذواتنا وترمي كل شيء على المجتمع والدولة والعائلة في عملية تطهير وتنقية النفس من الأخطاء..

وهي مسألة خطيرة لا تنهي المشكل بقدر ما تؤجل الحل وتؤجل سؤال المسؤولية وتطيل البحث عن حقيقة المخرج والخلاص وخاصة سؤال أين ومتى تبدأ مسؤولية الفرد الهارب من حاله وعجزه؟
وخطورة هذا التمشي الذي يختاره الفرد وعالجته المسرحية من خلال حوار الطبيب النفساني مع مريضه فيما يحصل لبعض الأفراد من تأجيل مواجهة إكراهات الواقع لفترة لذلك حاولت المسرحية معالجة ظاهرة إلقاء مشاكل الفرد على الغير بما يطلبه الطبيب النفساني من مريضه المدمن على التدخين أن يكون قويا حتى يتمكن من الإقلاع عن تناول السجائر، وحتى يتغلب عن ضعفه وهي صورة رمزية تسقطها المخرجة على حال الإنسان المعاصر الذي يجهد نفسه لتخليصها من وهنها و أدرانها وضعفها، وكل ما يكبلها و يأسرها في عالم محكوم بالقوة و ذهنية عامة تقوم على الغطرسة والاستعلاء والتهور…
وهي صورة أخرى يقدم فيها الإنسان بكل تناقضاته وتعقيداته وعقده المخفية وضعفه وقوته وصراعه مع حاضر متمسك قابع في مكانه لا يريد أن يتحرك ومستقبل هارب شارد يصعب الإمساك به، يصاحبه خشية من وقوع الفشل من جديد في ظل عالم وواقع معقد مأزوم مُحاط بكم كبير من المصاعب مما يجعل الحل الوحيد لعلاج كل أمراض الإنسان المعاصر، وكل ضعفه وكل ما يعتريه من إكراهات الحياة هو القوة وأن يكون قويا وأن يمتلك وعيا بأهمية القوة وقيمتها…

الخلاص الفردي

لغة الحسم في هذا العالم الذي لا يؤمن إلا بالقوة وبأن يكون الفرد قويا لمواجهة مشاكله ومجابهة قسوة الحياة، وبذلك تعود ‘سيرين قنون’ ومسرحية ” هوما ” إلى الحل الفردي والخلاص الفردي والاعتماد على الذات بدل التعويل على الآخر وإلقاء المسؤولية لتغيير الأحوال على الآخر الذي قد يكون الدولة أو المجتمع أو العائلة فالخلاص الوحيد في عالم
‘الويسترن وعالم الكوبوي’ كما تقول المخرجة هو أن يمتلك الفرد القوة للتخلص من كل ما يشده عن التقدم والنهوض من جديد…
إنها رؤية فنية وفكرية لسؤال العجز وسؤال التغيير الاجتماعي وسؤال كيف نتقدم وكيف نخرج من دائرة الفوضى والمتاهة والضياع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى