صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: مسرحية ‘جاكراندا’ متاهة شعب حائر وجيل بلا معنى..

slama
كتب: نوفل سلامة

بعد مسرحية ‘الهاربات’ التي افتتح بها مهرجان الحمامات الدولي دورته الستين الحالية، يواصل من يقف وراء هذه التظاهرة الثقافية في هذا الخيار الفني الموفق وهذه البرمجة الصيفية التي تحاول الخروج بالعروض الثقافية من بساطتها وتفاهتها والارتقاء بالذائقة العامة للمتفرج…

بالاضافة إلى حمل الجمهور المقبل على هذا النوع من الفنون إلى أفق أخرى تحقق في نفس الوقت المتعة والإفادة وتعيد للمسرح دوره أداة للتفكير والتأمل في الواقع والحياة وطرح الأسئلة المهمة التي يحتاجها الإنسان المعاصر، وذلك من خلال برمجة عرض ثان ينضوي ضمن نفس الرؤية الفكرية لمسرحية ‘الهاربات’ التي كنّا قد تعرضنا إليها في مقال سابق نُشر في الصريح…

حيرة وقلق في عالم متقلّب

وهذا العرض الجديد هو مسرحية ‘جاكراندا’ للمخرج نزار السعدي وتأليف الكاتب والناقد عبد الحليم المسعودي ومن إنتاج المسرح الوطني للشباب.
لا تختلف مسرحية ‘الجاكراندا’ كثيرا عن مسرحية ‘الهاربات’ من حيث الأفكار الكبرى التي تطرحها والتي تدور حول موضوع المتاهة النفسية والغربة الذهنية التي عليها الكثير من الناس في هذا العالم المتقلب وهذا السياق العالمي والمحلي وهذه المرحلة التي تمر بها معظم الشعوب التي تطغى عليها مشاعر القلق والحيرة من ضياع الأحلام المؤجلة وضبابية المستقبل وعدم وضوح الرؤية والطريق وما ينتج عن كل ذلك من صراع الفرد مع ذاته، ومع عجزه وأفكاره المشوشة في رحلة بحث طويلة عن الخلاص من هذا الواقع المأزوم.

داخل ‘مركز النداء’!

أحداث مسرحية الجاكراندا تدور في” مركز للنداء ” وهو اختيار مقصود على اعتبار وأن هذا الفضاء هو نوع من الفضاءات التي انتشرت منذ سنوات لتوفير مواطن شغل للعاطلين عن العمل تضم جموعا كبيرة من الشباب من أصحاب الشهائد العليا الباحث عن عمل يحقق له كرامته ينتمي إلى فئات عمرية متقاربة، وقادم من بيئات جغرافية واجتماعية ومشارب فكرية مختلفة ورغم تباين الأصول والجذور والانتماء العائلي والطبقي إلا أن الجامع بينهم هو البحث عن عمل قار ودخل مادي محترم وحالة من الاستقرار الاجتماعي الدائم والتخلص من حالة العجز…

في هذا الفضاء الذي يقضي فيه الشاب ساعات طويلة أمام حاسوب يخاطب من خلاله من يتواصلون معه لتقديم خدمة يطلبونها مقابل أجر، قد لا يرضي الكثيرين ولكنه ‘أفضل من لا شيء’، تنطلق المسرحية في أحداثها من خلال الحديث والحوار الذي يدور بين افراد تعمدت المسرحية أن تجعلهم يمثلون جميع الفئات الاجتماعية لهذا الشباب الذي فُرضت عليه الظروف أن يعمل مثل هذه الوظائف في هذا السياق الذي يشهد تصاعد حدة الغضب من الوضع الاجتماعي وانتشار صور الأعمال الهشة والعلاقات الإنسانية المتوترة وغموض المستقبل…

ضياع الحلم!

أجمع كل من شاهد المسرحية أن الجو العام الذي خيّم على أحداثها كان قاتما حزينا زاده سواد الركح والألوان الداكنة التي زينت الخشبة قتامة لتضع المتفرج في حالة من الانتباه الشديد، وحالة من الضغط النفسي نتيجة الدلالات التي يرسلها الحوار والنقاش الذي يدور بين الشخصيات وتستفز المشاهد لتجعله يشاركهم فيما يعرضونه من أفكار حول ضياع الحلم الذي لن يأتي بعد سنوات من الوعود الزائفة التي قدمتها كل الحكومات المتعاقبة بتحسين الأحوال وبتقديم الحلول الزائفة للمشاكل المتراكمة التي لن تجد حلا في الأفق القريب وحالة التيه من فقدان طريق الخلاص لكل الإكراهات التي يعرفها المجتمع والتي استعصى حلها أو تخلفت الدولة وعجزت عن حلها.

مصير أجيال؟

المسرحية تطرح قضية مصير أجيال كثيرة من الشباب الذي فقد الثقة في كل شيء بعد أن تأجلت أحلامه مرارا وتنكرت له كل السياسات العمومية وتخلت عنه الدولة ليجد نفسه أمام فرضية وحيدة وهي الخلاص الفردي والحل الفردي والتعويل على النفس مما أنتج حالة من القطيعة بين الدولة والمجتمع والفرد، وذاته وبين المنتظر وما تحقق ومن ثم حصل الفصام النكد المدمر الذي أفقد الانتماء وقلص شعور الولاء للوطن والتاريخ والهوية الجامعة وجعل الهوية مفهوما فرديا لا وعيا جماعيا…
ومن هنا دخل الفرد التونسي حسب المسرحية في مرحلة من التيه الجماعي والحيرة الكبرى التي فرضت انتشار فكرة الفردانية والمجتمع الاستهلاكي والمجتمع الذي نجد فيه الفرد لا يفكر إلا في ذاته فقط وواقع كهذا أفرز جيلا هجينا لا يعرف ماضيه ومتنكر لحاضره وخائف من مصيره ومما هو آت وغير متفائل بمستقبله وغير قادر على صنع التغيير لحالة العطوبة وحالة العجز.

ضاع طريق الخلاص

مسرحية ‘جاكرندا’ هي رؤية فنية عن واقع فقد فيه أفراده البوصلة وعن شعب لم يعد يعرف طريق خلاصه بعد أن تراكمت عليه المشاكل وكثرت عنده الاختلالات وتعمق الوهن والضعف وأصبح عاجزا عن التغيير وتطوير الواقع والخروج من وضع المتاهة بعد أن تخلفت الدولة وانغمست في مشاكلها التي لن تُحل، هي محاولة إبداعية لجعل المتفرج يقاسم من كان هندس المسرحية كل هذا الضغط النفسي الذي يعيشه هؤلاء الشباب وهم يعملون في هذه المراكز للنداء ويتقاسمون معهم حيرتهم الوجودية وهول الانتظار وفضاعة انتظار حلم مرتقب لن يأتي، انتظار تغيير الحال المتعثر في كل مرة، انتظار تغيير اجتماعي مأزوم، انتظار قدوم الحل الوهمي .. و كثرة الانتظارات..
المسرحية مهمة لأنها أخرجت الجمهور من الرتابة المشهدية التي تُسوّق للتفاهة والفرجة البلهاء والإضحاك بلا معنى لتضعه أمام حقيقة واقعه وحقيقة حاله وتطلب منه من خلال ساعتين من العرض أن يتأمل ويفكر في هذا الواقع البائس المؤلم الذي قد ينتهي إلى خراب والتفكير في قطار التغيير الذي لن يأتي وحلم تبخر ووعود زائفة وحاضر يكبله العجز من كل جانب وضبابية الرؤية ومستقبل حالم قد لا يأتي هو الآخر، ولن يأتي بالتأكيد في مثل هذه الظروف وهذه الوضعية التي عليها الجميع والتي أبقت على نفس طريقة التفكير لتنتج بالتأكيد نفس الحلول القديمة البالية.

حالة التيه وفقدان المعنى

حاولت المسرحية أن تخرج حيرة الشخصيات وحالة الضياع التي هم عليها وحالة فقدان المعنى التي يشعرون بها وحالة التيه التي تعم الأجواء إلى خارج الخشبة وخارج المسرح وتجعل من كل القضايا التي طرحتها مجال نقاش عام وحوار يومي متواصل.
مسرحية ‘الجاكراندا’ على عكس مسرحية ‘الهاربات’ لا تقدم حلولا لكل القضايا المثارة وإنما تطرح الأسئلة الحائرة وتصور الواقع شديد القتامة وهي مربكة للغاية في خطابها العنيف ورمزيتها الموغلة في التيه والضياع وفقدان المعنى، هي مسرحية تنضوي ضمن مسرح المؤلف الذي لا يبحث عن مسايرة الواقع أو عما يريده الجمهور من تفاهة واضحاك بلا معنى و ترفيه أبله وإنما هو مسرح ينقد الواقع بكل شدة ويسائل هموم الناس ويطرح الأسئلة المغيبة والمنسية ويعالج القضايا المسكوت عنها ويطالب المتفرج أن لا يقبل بالسعادة الواهمة والخطاب الواهم والعيش في الخيال وتأجيل السؤال وإنما يطالبه بالبحث عن الحقيقة التي توضح له واقعه وحقيقة وضعه وتطلب منه أن يفكر جماعيا في هذا الواقع المأزوم وحالة العجز التي أرهقت الشعوب وجعلت الأفراد يلجؤون إلى الحلول الفردية التي غالبا ما تنتهي إلى حالة من الضياع و الدمار والخراب.

عندما تتبخر الأحلام مثل زهرة ‘جاكراندا’

لم يكن اختيار ” جاكراندا ” الزهرة الجميلة ذات اللون البنفسجي الذي تغطي شوارع الكثير من مدن العالم ومنها المدن التونسية عنوانا اعتباطيا للمسرحية وإنما عن قصد ورمزيته فيما يحصل لهذه الزهرة التي تزهر سريعا وتسقط أوراقها بسرعة أكبر ولا تصمد أمام الرياح لتسقط متناثرة وتطؤها أقدام المارة غير مبالية بها في إشارة بالغة ودلالة عميقة على تبخر أحلام الكثير من شباب عالم الجنوب أمام صدمات الحياة وسياسات الدول وخيارات الحكومات الفاشلة…
فالهشاشة هي القاسم المشترك بين حالة هذه الزهرة الجميلة وهذا الشباب المفعم حيوية والحالم بمستقبل أفضل لن يأتي…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى