نوفل سلامة يكتب: ‘الهاربات’ رؤية فكرية تُشرّح قلق المجتمعات المأزومة..


كتب: نوفل سلامة
خلال دورته الحالية وبمناسبة ذكرى الستين لتأسيسه نظم مهرجان الحمامات الدولي وفي إطار برمجته الثقافية عرضا مسرحيا قدم خلاله مسرحية ‘الهاربات’ للمخرجة وفاء الطبوبي وبمشاركة ثـلّة من الفنانين في مقدمتهم الفنانة فاطمة سعيدان.
فكرة المسرحية التي جلبت لها جمهورا غفيرا تدور حول ستة أشخاص، خمس نساء ورجل لا يعرفون بعضهم بعضا ينتمون إلى فئات اجتماعية متفاوتة وقادمين من بيئات مختلفة لا رابط بينهم إلا الهشاشة الاجتماعية والهروب من واقع مأزوم، يلتقون في محطة نقل ينتظرون قدوم شيء لن يأتي ليوصل كل واحد منهم إلى مقصده، وبعد أن ملوا الانتظار يقررون ترك المحطة والسير على الأقدام…
وخلال رحلة السير هذه تنطلق المسرحية في عرض جملة من القضايا الإنسانية والوجودية الحارقة وتدور فيما بينهم نقاشات حول حالة القلق الاجتماعي و وضعية الهشاشة الاجتماعية والضياع في عالم متقلب وحيرة المستقبل وسؤال الغد الأفضل والشعور بفظاعة الانتظار الغامض الذي ينتقل من انتظار في المكان داخل المحطة، إلى انتظار من نوع آخر ولكنه أخطر خلال السير على الأقدام ليتحول الزمن بدوره إلى انتظار مُمّل ومُقلق لعدم معرفة نهاية السير ونهاية الألم وغموض الخلاص…
وحالة الانتظار التي تبدأ بها المسرحية أحداثها ليس المقصود منها انتظار الغائب الذي لن يأتي بقدر ما هو بحث عن المعنى المفقود وانتظار الخلاص الذي يبدو مستحيلا في ظل واقع اجتماعي يسوده ضيق الأفق وانعدام الوسائل وقلة الإمكانيات وتخلف الدولة، وقلق من المستقبل والشعور بضياع الأمل والحيرة من فقدان الحلول وحيرة أخرى من وضعية العجز المركب التي يأسر الجميع ويكبلهم..
مشاعر بائسة..ومتاهة الطريق
كل هذه المشاعر البائسة أدخلت الكل في متاهة الطريق وضياع الهدف وشرود الرؤية أجبرتهم على العودة إلى الذات لمساءلتها الأسئلة الصامتة التي تدور في رأس كل فرد من الشخصيات الخمس من دون القدرة عن الإفصاح عنها حول طريق الخلاص وكيفية كسر قيود العجز وكيفية الخروج من هذا الضياع والانسداد والمتاهة التي حوّلت حياتهم إلى عدم، ووجود بلا معنى وسجن كبير لا قدرة لهم عليه…
حالة عجز في غياب الحلول
المسرحية تصور الواقع الحقيقي لشريحة كبيرة من الناس الذين يشعرون بحالة العجز من تغيير واقعهم بمفردهم ومن دون الحل الجماعي وتطرح حالة اللا يقين التي عليها الكثير من شباب اليوم وفكرة الهروب من واقع هم غير قابلين به والرغبة في التمرد عليه وتعرض الصراعات داخل النفس البشرية والتي تحدث للأفراد مع ذواتهم وهم يبحثون عن طريق خلاص من واقع لم يختاروه وفُرض عليهم فرضا.
رؤى مشوّشة ومواقف حائرة
الهاربات هو عمل إبداعي يقترح على المتفرج عرضا مسرحيا فنيا متكاملا، ولكنه مشحون بكم كبير من الرؤى المشوشة والمواقف الحائرة والقلق الوجودي يتجاوز مجرد الفرجة والاستمتاع بالجوانب الفنية إلى التأمل والتفكير في هذا الواقع المضطرب المشوش الغامض، فالشخصيات المحورية عاملة نظافة مسنّة وأستاذة في وضع هشّ وخريجة حقوق تحلم بممارسة المحاماة وعاملة خياطة تتعرض للاستغلال في عملها وامرأة تعمل في جمع القوارير البلاستيكية وشاب مُطلق مُطارد قضائيا بسبب النفقة…
هذه الشخوص هي اختيار من المخرجة وكاتب النص ليس الغاية منه تقديم نماذج فردية مأزومة فقط وإنما هم أيضا مرآة لأزمة مجتمع بأكمله يعيش وضع الهشاشة والتهميش والاستغلال والفقر وحالة الغربة داخل الوطن والشعور القاتل بغياب العدالة الاجتماعية وتفكك العلاقات الإنسانية.
والمفيد الذي تٌبرزه المسرحية هو في التحول الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة التي باتت تعيش نفس المصير والتأكيد على أن الرابط بين مختلف النماذج المقدمة والقاسم المشترك بين كل الشعوب في هذا العالم المضطرب الغامض، لم يعد الوضع الطبقي أو الانتماء الفكري وإنما المصير المشترك المؤسس على وضعية الضياع الاجتماعي وحالة اللا معنى وغموض المستقبل.
هروب من حالة الانتظار
تنتهي المسرحية بعد رحلة مع الجمهور دامت قرابة التسعين دقيقة من دون تقديم إجابات مباشرة عن كل الأسئلة الحائرة والرغبات التائهة وذلك طبيعة المسرح الذي لا يقدم أجوبة نهائية، وإنما هو يدفع المتفرج إلى التفكير في واقعه المعقد وفي إمكانيات تغييره ونقل مشاغل الممثلين على الركح إلى فضاء الحياة اليومية الحقيقية..
فالهروب الذي تعالجه المسرحية هو الهروب من حالة الانتظار التي عليها كل البؤساء في هذا العالم وانتظار حلول لن تأتي بعد تخلف الوعود السياسية وانتظار تغيير واقع طال تحققه والهروب من القلق الاجتماعي والهشاشة المدمرة وحالة الضياع والتيه التي عليها الكثير من الشباب ليصبح سؤال كيف يمكن أن نعيش أفضل؟ وكيف يكون المستقبل حالما سؤالا وجوديا متواصلا لا ينقطع معنية به كل المجتمعات وخاصة مجتمعات سكان عالم الجنوب.
توسع حالة التيه
ما أرادت المسرحية قوله هو أنه أمام توسع حالة التيه وتمدد وضعية العجز وضبابية الانفراج وعدم وضوح معالم الطريق، وأمام الخوف من الفشل و الغرق في أمل لن يأتي ولن يتحقق فإن الحل لن يكون إلا جماعيا ولا فرديا وأن الخلاص لا يأتي إلا جماعيا أو لا يأتي وهي رؤية نادرا ما نجدها في الأعمال الفكرية التي تطرح قضايا التغيير الاجتماعي وتعالج أمراض المجتمعات المعاصرة…
وهي رؤية تؤكد على ضرورة اللجوء إلى الحل الفردي لتغيير الواقع وأن الحل الجماعي الذي تكون وراءه الدولة ومؤسساتها والأطر الجماعية للمجتمع غير متوفر اليوم لضعف أداء الدولة وضعف وسائلها وتراجع دور مكونات المجتمع المدني وهذه الرؤية التي تقترحها مسرحية ‘الهاربات’ تعتبر أن الحجم الكبير للمشاكل الراهنة وكثرة الإكراهات وتعقدها يتجاوز قدرة الفرد و لا يفيد معها إلا الحل الجماعي الذي يفترض العودة إلى التفكير في دور الدولة الاجتماعي في زمن تخلت فيه الدولة عن دورها الذي قامت عليه منذ نشأتها وتركت للفرد حل مشاكله بمفرده و بوسائله الخاصة فهل وُفقت المسرحية في هذا الطرح؟
وهل هي عودة إلى التفكير القديم الذي يرى خلاص الأفراد في تدخل الدولة ودورها الحمائي؟..
قيمة مسرحية الهاربات في كونها أعادتنا إلى نقطة البداية في التفكير والتأمل في مشكلة الانتظار التي اتعبت المواطن العربي، انتظار أهدر فيه هذا المواطن وقتا كثيرا وهو ينتظر الأمل في حياة أفضل تليق به لن تتحقق وهو حقيق بها.. الانتظار من وضع اجتماعي لا يريد أن يتطور رغم المحاولات الكثيرة وفي حياة يومية لا يرجى من ورائها تحقيق الأفضل وهي تُعاد بنفس التفاصيل المملة..
انتظار وصول قطار التنمية المتعثر لعقود..انتظار مكانة داخل الوطن منسية موقعا متقدما بين الأمم غير مضمون ولا يُراد له أن يحصل.
إعادة طرح كل الأسئلة
قيمة المسرحية في كونها أعادت طرح كل الأسئلة التي تاه المواطن في الإجابة عنها، من سؤال القلق الاجتماعي ومتاهة النفس التي فقدت معنى وجودها إلى سؤال كيف يمكن أن نعيش أفضل في هذا العالم المعقد، ومتى يأتي هذا اليوم الذي تاهت فيه كل مشاريع النهضة العربية القديمة والمعاصرة. المسرحية تعيدنا إلى طرح السؤال المرهق هل خلاصنا في حلولنا الفردية أم في الحل الجماعي الذي راهن عليه بناة الدولة الحديثة، ويبدو اليوم أن الجميع قد تخلوا عنه؟




