صالون الصريح

محمد الحبيب السلامي يحب أن يفهم/ علم عاش في صفاقس ثم ودع: الحاج محمود الحشيشة

sallami
كتب: محمد الحبيب السلامي

هذا الرجل رأيته في صغري…رأيته في طريق العين ينتظر قدوم الحافلة ليركب…فإذا ركب استقبله الركاب بالتحية، وأوسعوا له في الحافلة مقعدا ليجلس…

هذا الرجل رأيته في صغري، في دكان ببطحاء سيدي بلحسن، وفي دكانه يلقى التحية…هذا الرجل يلبس (كشطةً زبُتّة بضم الباء وتشديد التاء) مزينة بخيوط من حرير…

صاحب مكانة خاصة

هذا الرجل عرفت أن له في صفاقس مكانة خاصة…بحثت وعرفت…عرفت أن اسمه المشهور به هو ـ الحاج محمود الحشيشة ـ وهو في السكنى بطريق العين التي فيها ولد يجاور أخويه…محمد وإبراهيم…عرفت أنه تعاطى التجارة، تاجر في سوق الربع، وتاجر في بيع وتصدير الحلفاء واستقر في تجارة وبيع المواد الغذائية بالجملة، بدكان في بطحاء بربروس المشهورة ببطحاء سيدي بلحسن الكراي المشهور بالخموسي…

متعلم مثقف متدين

عرفت أنه رجل متعلم مثقف متدين، وفي تديّنه أتذكر أنه في الأربعينات من القرن العشرين…في شهر رمضان، بعث في برجه مجلسا لصلاة العشاء والتراويح، والمجلس مفتوح لأهله وجيرانه وأحبابه، وفيه يؤم المصلين المؤدب القارئ العالم بقواعد التجويد، الكفيف المشهور بحسن صوته وأدائه قاسم شيحةً…
عرفت أن الحاج محمود الحشيشة متديّن لما تحدّث الناس عن سخاء يده في بناء المساجد، وفي ترميم المساجد…وجامع سيدي المسدي بنهج المنجي سليم يشهد له بذلك دون أن يكون يتبجح ويتفاخر بذلك وينشر أخبار ذلك…

وطني مخلص

وعرفت أنه كان وطنيا مشاركا مع المناضلين في تحرير وطنه..وتحرير وطنه يحتاج مما يحتاج إليه المال لدعم المناضلين بأجسامهم…والمناضلون فيهم المهاجرون للتعريف بالقضية التونسية ومنهم الحبيب بورقيبة والحبيب ثامر، ولذلك تأسست لجنة مالية أمين مالها الحاج محمود الحشيشة، وأخبرني ولده المنصف، أن المناضلين في الجبال في عهد الثورة التحريرية كانوا يزورون برجهم ويتلقون من أبيه المساعدة…

وفي الثورة الجزائرية أسّس على الحدود مع الدكتور لرقش مستشفى لمعالجة الجرحى من الثوار الجزائريين…وعرفت من كتب التاريخ أن القضية الفلسطينية لما دخلت مرحلة حرب التحرير تكوّنت في صفاقس لجنة لدعمها بالشبان المتطوعين وبالمال يرأسها الزعيم الهادي شاكر وأمين مالها الحاج محمود الحشيشة…وقد جمعت من المال الكثير…
وعرفت أنه دعّم جمعية البر العربية المعروفة بالخيرية، وساهم في بناء مأوى العُجز …

وجّه أبناءه للعلم

ذاكم سطور من تاريخ الحاج محمود الحشيشة في مجتمعه وهذه سطور من سيرته في بيته ومع أولاده…أنجب أولادا، وجههم لطلب العلم فنجحوا وخرجوا للبلاد ينفعون بعلومهم العباد…هذا محسن مهندس في التنقيب على المياه ومؤسس شركة رنده، وهذا عبد الحميد طبيب مختص في أمراض الأعصاب، وهذان فتحي وحمده في الاتصالات…وهذا منصف صيدلي وصنع الأدوية…وهذا صلاح الذي ساعدني طبيب في الحلق والأذنين…

ودع دنياه

قضى الحاج محمود الحشيشة عمره معروفا في اسمه بالحاج لأنه أدى حجه سنة 1938…قضى حياته مسلما مؤديا قواعد خمسه…فلما حان أجله ودّع دنياه، وودعه أولاده وأحفاده وأحبابه وصفاقس بالرحمة وحسن الذكر…فبماذا سيذكُره الأصدقاء لنزداد به معرفة وفهما وأنا أحب أن أفهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى