عبد اللطيف الفراتي يكتب: غاب عبد الرزاق الكافي..وغاب معه المرح المناضل.. وغابت معه أسرار لم يُدوّنها


كتب: عبد اللطيف الفراتي
لم أتعرّف على عبد الرزاق الكافي واليّا، كما لم أتعرّف عليه رئيسا لديوان الوزير المهيمن أحمد بن صالح، ما كنت أسمع عنه أنه ابن ذوات من تلك الطبقة الوسطى العالية، كما ينبغي لأبناء العاصمة القديمة للبلاد التي احتفظت بجلالها، كما يحتفظ أبناء الطبقة الأرستقراطية بمظهرهم بعد ذهاب عزّهم، وبأنفتهم التي تبرز الأصول الشامخة.
بدايات التعارف
عندما سألته وهو وزير للإعلام وقد تمكنّت منّا صداقة عميقة وإعجاب أظن أنه متبادل، وقد ظهر اسمه على إعلان وفاة المرحوم البشير الفراتي، ما هو وجه قرابته بهذا المتوفي، فقد كان لي قصة حكاها لي الوالد واسمه أيضا البشير الفراتي، استمهلني ليسأل زوجته فالمتوفي حسبما أذكر عمها؟
كان سؤالي: هل ترك البشير الفراتي سمي والذي أبناء نربط معهم علاقات جديدة، فأصولنا في صفاقس والقيروان واحدة..إذا لم تخني الذاكرة
فقد أجابني بعد حين أن عم زوجته مات عن غير عقب.
وكانت القصة قد بدأت في سنة تخرّج الوالد وحصوله على شهادة ‘التطويع’ التي وفقا لما كان يقول لي تساوي ما بين البكالوريا والليسانس، وتسمح بالعمل في مهنة العدالة وتفتح الباب للقضاء.
كانت تلك الدفعة من الخريجين تتضمن الشاعر الكبير “أبو القاسم الشابي: والمحامي الميلادي والشاعرين من القيروان محمد الفائز والحليوي.
يقول الوالد إن تلك الدفعة قررت القيام بجولة في “الإيالة” التونسية، وكانت المحطة الأولى هي القيروان، باعتبار ما يُقال عنها إنها العاصمة الدينية لبلدان المغرب، يضيف الوالد: استقر بنا المقام بمقهى في انتظار تدبُر نزل للمبيت، عندما أهل علينا رجل ربع القامة طوله بين بين يعتمر كشطة خضراء مما كان يلبسه الأشراف، وقف سائلا : أين منكم ابني البشير الفراتي.
يقول الوالد وهو على شاكلتي خجول، وقفت محرجا، سلم عليّ وقبلني وأطلق يمينا غليظا بأن نكون الليلة ضيوفا عنده للعشاء، أكرمنا سي محمود كما يمكن للمرء أن بتصور كرم أهل القيروان، اكتشفت إنه يحمل اسم محمود كما الوالد وأن له ابنا صغيرا اسمه البشير، كنت آنذاك في الثالثة والعشرين، وربما كان الطفل سميي في السابعة أو الثامنة من العمر.
بعد وفاة الوالد ، بسنوات قليلة، قرأت نعي البشير الفراتي في القيروان على باب الوفيات في جريدة الصباح، أيام كانت المحمل الرئيسي للإعلان في تونس، وقبل أن تنالها وتنالني معها يد التعسف والظلم.
وجدت اسم عبد الرزاق الكافي بين أسماء الأصهار فسألته: هل ترك المتوفى أبناء لنربط الصلة معهم، كما ربطت مع الطاهر الفراتي وشقيقه الحبيب، وكانا من رواد السياحة والفندقة، وللأسف أعلمني بعد سؤال زوجته على ما أعتقد نجيبة الفراتي، أنه مات عن غير عقب.
**
محاكمة عبد الرزاق الكافي
من بعيد وهو في ديوان أحمد بن صالح ، ثم كـ وال، وسمعت عنه أنه ينحدر من عائلة من الطبقة المتوسطة العالية، أي تلك الطبقة البورجوازية ، التي انطبعت لدى أبنائها أفكار ‘البروليتاريا’ والمساواة ، وهي تعيش في نعيم الرفاهة بمقاييس ذلك الزمن.
رأيته لأول مرة أثناء المحاكمة التي انعقدت في القاعة العاشرة في قصر العدالة، لأبناء الوحدة الشعبية بزعامة محمد بن الحاج عمر، وتحت رئاسة القاضي الكبير والعادل محمد الصالح العياري، وكنت متخصصا أيامها في تغطية المحاكمات السياسية بكل أمانة، وكنت أمر بين الجلسات أمام المتهمين ، فأسلم عليهم، وكان عبد الرزاق الكافي لافتا لنظري، فهو وهو في محنته لا تفارقه بسمة ليس على فمه كبقية الناس بل على وجهه كاملا، يسهم في ترطيب جو لا يقدر أحد على ترطيبه إلا هو.
كنت أراه متميزا بين آخرين، وكنت حريصا على أن لا أدع شيئا يفوتني دون أن أُدونه كما هي عادتي، وللحقيقة فقد كنت في تلك المحاكمة كغيرها من المحاكمات السياسية التي قمت بتغطيتها من جانب المتهمين، فقد كان من رأيي أن مكانهم هو الساحات العمومية لا ساحات المحاكمة، ولقد قال لي أحمد بن صالح لما التقيته في نبون، إن تغطيتي لمحاكمته هي الوثيقة الوحيدة الباقية عن تلك المحاكمة التي قمت بتغطيتها منفردا، وكان عبد الرزاق الكافي إن لم تخني الذاكرة ضمن تلك المحاكمة ، التي لم يكن لها أن تنعقد ، وتصدر تلك الأحكام الظالمة من وجهة نظري، تنفيذا لأوامر من رئيس الدولة نفسه، انقلب عليها.
**
لقاءات شيّقة
صدر عليه حكم بالبراءة، وعاد إلى حضن عائلته الحنون، تعرّفت عليه متهما في قفص الاتهام، ولما كنت دائما أشفق على المظلومين في المحاكمات السياسية التي ما أتى الله بها من سلطان، اكتشفت مجلسه في شركة خاصة في شارع بورقيبة ففرضت نفسي عليه، أزوره من حين إلى آخر، فأستمتع وأستفيد وأتعلم منه، وأنا شغوف بأن أتعلم.
كانت شخصيته مرحة بدون تكلف، قمة من الذكاء مسنود إلى علم يتنقل به من الفلسفي للأدبي إلى الديني إلى العلوم الصحيحة بصفته مهندس بكل أريحية، ” “قعدته” لا تحس معها بالملل فتستزيد منها لولا بقاء من حياء عندي.
سرعة البديهة عنده طبيعة متأصلة ، يفاجئك من حيث لا تدري.
بعد العدوان على ليبيا من قبل أمريكا، دعت المعارضة إلى مظاهرة بدون ترخيص، بعدها تم إيقاف أحمد المستيري، وكنت آنذاك رئيسا لجمعية الصحفيين، أصدرنا بيانا ضد إيقاف أحمد المستيري، ليلا جاءني أكثر من عضو من الهيئة ليتبرأ رغم أن البيان صدر بالإجماع، ومن المؤكد أنهم ألغوا بعدم علمهم بذلك البيان، دعاني عبد الرزاق الكافي إلى مكتبه، كان عادة ما يجلس أمامي، يومها جلس وراء مكتبه وأنا كمتهم، قال لي أنتم لستم منظمة سياسية إنكم منظمة مهنية فكيف تحتجون على إيقاف زعيم سياسي.
فهمت أنه مكلف بمهمة…
قلت له وقد استعملت ذكائي: إننا ندافع عن صحفي وليس رجل سياسة، فـ أحمد المستيري هو مدير جريدة المستقبل.
نزع قبة المسؤول وجاء من وراء مكتبه ليجلس أمامي وقد نزع قبة المسؤول السياسي بكل شجاعة.
• من أين جئت بهذا التخلص؟
لست أدري إن كان يومها أو في يوم آخر وأنا عنده، وكم كنت أجد متعة وفائدة في الجلوس إليه، عندما تلفن له الوزير للداخلية، زين العابدين بن علي، سائلا إياه هل تدلني على من أستطيع أن أثق فيه ، ويكون في مستوى المسؤولية ليكون ملحقا صحفيا كفئا في الوزارة.
ولما كان حاضر البديهة دوما، أجابه، عندي في الديوان شخص جد كفء، هو عبد الحفيظ الهرقام، عمل في وكالة الأنباء، واصطفيته لديواني، وهو من خريجي معهد الصحافة، وكان على دقته مخطئا هذه المرة، فـ الهرقام خريج كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، وقد بقيت طويلا على اعتقادي أنه خريج صحافة.
**
فكرة حزب التجمع
بعد السابع من نوفمبر التجأ الرئيس بن علي إلى الأعضاد السابقين للرئيس بورقيبة، ممن تميزوا بالكفاءة العالية والنذيل للوطن دون أن تظهر لهم تبعية مفرطة للنظام السابق، وهذا سر نجاح فترة بن علي في مجال الاقتصاد والخدمات، وتسجيل نسب نمو عالية، رغم أنه كان ممكنا بسهولة تجاوزها، لولا ما ساد العهد من تسابق البعض للإثراء واستعمال جهاز الدولة، ولولا سقوط العهد تدريجيا في فخ الاستبداد.
إذن كان عبد الرزاق الكافي أحد تلك الكفاءات التي لا غنى عنها.
وإذ اعتبر الكافي وزيرا تكنوقراط، فإني أشهد أن يده كانت تغوص في مجال السياسة، ففي إحدى المرات التي كنت أزوره فيها، سألني سؤال بدا بريئا، ما هي فكرتك عما أراده السادات من إقامة تجمع سياسي، يقوم على ثلاثة أجنحة أحدها يميل لليمين والليبيرالية والثاني يميل لليسار، والتوجه الاشتراكي والثالث للوسط المعتدل.
وأستطيع القول اليوم أن فكرة إنشاء التجمع تعود إلى عبد الرزاق الكافي.
جمعت ما استطعت تجميعه من وثائق ، تخص تجربة التجمع في مصر، وعندما دفعتها إليه وكانت كبيرة الحجم، سألني: قرأتها كاملة ؟
قلت : نعم.
قال لي: لخص الأمر.
أخذت من وقته مقدار نصف ساعة، كان يكتب من حين لآخر بعض الأفكار، وبدا أنه استوعب كل شيء، فذكاؤه المفرط يجعله على قدرة كبيرة على التركيز والذهاب للب.
في جلسة أخرى موالية سألني: من تراه كفيل بتنفيذ الفكرة، ديمقراطية عن طريق التكافل وفي فنجان واحد، البلاد ليست في وارد أن تعيد تجارب جديدة.
ليس نفاقا ، قلت له: أنت ولا أحد غيرك.
قال لي: أنا صاحب الفكرة لن يقبل الرئيس أن أكون أنا، سيقول أتيت بفكرة جيدة من أجل أن تتولى تنفيذها.
بقينا أنا وهو عند تلك الحدود.
في لقاء آخر موال ، وكنت خالي البال، سألني عن محمد كربول.
لم يقل لي أنه مرشحه ليكون أمينا عاما للتجمع الجديد، وأنه هو الذي يراه أفضل اختيار لتنفيذ الفكرة والذهاب إلى ديمقراطية يجد فيها الكل مكانه بفروق في التوجه ، وقدرة على التفاعل. وكان رئيس الدولة قد انفتح على اليساريين ، كما كان يسير في طريق الاعتراف بالنهضة وتوجهها.
عرفت ذلك عندما تم اختيار عبد الرحيم الزواري كأمين عام للتجمع الجديد، رغم كتمانه فهمت أن التجمع كما فكر فيه، وكما أوحى بالفكرة لرئيس الدولة قد أجهض قبل الولادة.
ربما فكر في محمد كربول ليسير بالفكرة كما تحيلها، ربما كان الاثنان على نفس الخط، هل أعد العدة لذلك.
استبعد عبد الرزاق الكافي من التأثير المباشر على بن علي.
وتم إرسال محمد كربول سفيرا في ألمانيا بعد أن كان مرشحا ليكون الرجل الثاني في الحكم.




