نوفل سلامة يكتب: مغني الراب ‘باد بوني’ يشعل جدلا حول اللغة والثقافة المحلية في عالم تريده أمريكا أن يكون واحدا


كتب: نوفل سلامة
اعتاد منظمو المباراة النهائية لبطولة كرة القدم الأمريكية تقديم عرض تنشيطي بين شوطي المقابلة غالبا ما يكون غنائيا، وفي نهائي هذه السنة قدم الفنان البورتوريكي ‘باد بوني’ عرضا لأغاني الراب باللغة الإسبانية لغة بلاده لفت إليه أنظار الرأي العام الأمريكي وحتى العالمي..
بل وفتح جدلا واسعا في الأوساط الفنية والسياسية بسبب استعماله لغة غير اللغة الإنقليزية وكذلك الرسائل التي حملتها أغانيه عن الهوية واللغة والإعتزاز بالخصوصية المحلية وقيم التعايش والوحدة والهجرة، وهي حمولة ثقافية فنية قوبلت بانتقادات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالرفض من قبل الكثير من المحافظين في الداخل الأمريكي الذين اعتبروا أن تقديم أغاني باللغة الإسبانية فيه إهانة للأمة الأمريكية وإهانة للغة الإنقليزية التي تُعد اللغة الأولى في العالم واللغة الأمّ التي يجب أن يتواصل بها ويتحدث جميع الأمريكيين في حين أن اختيار المغني ذو الأصول البورتوريكية الغناء باللغة الإسبانية فيه إشارة إلى أن الإنكليزية لا تُعدّ شرطا للانتشار العالمي ولا ضرورة لجعلها لغة يتكلم بها الجميع في عالم يقوم على التعدّد والتنوّع.
لا يُعبّر عن أمريكا!
هذا الموقف من اللغة ومن الثقافة المحلية الأجنبية انتقده العديد من الشخصيات الأمريكية المحافظة التي تنكرت للعرض واعتبروه لا يُعبّر عن أمريكا ولا ينتمي إليها، وفي المقابل اعتبر جانب آخر من الرأي العام الأمريكي منهم مسؤولون سابقون وشخصيات عامة أن ‘البورتوريكيين’ يحملون الجنسية الأمريكية، وأن التنوع الثقافي جزء من الهوية الأمريكية، وبالتالي لا ضير من استعمال لغة أجنبية في بلد يتحدث الانقليزية في سياق عالمي لا ينفي الاختلاف ولا يلغي التعدد اللغوي.
هذا العرض الغنائي الذي قدمه مهاجر من أحد بلدان أمريكا اللاتينية، واستعمل خلاله لغة بلاده الأصلية بدل الإنقليزية لم يكن اعتباطيا ولا عرضيا وإنما كان عملا مدروسا و مقصودا أراد من خلاله هذا المهاجر الذي اضطرته ظروف بلاده أن يهاجر إلى أمريكا بحثا عن وضع اجتماعي أفضل وواقع مختلف يحقق له كرامته، ففُوجئ بواقع أمريكي يلغي الآخر ويُجبر الأجانب على الانصهار والذوبان في ثقافة ومجتمع وقيّم بلد الاستقبال ووجد أن المقاومة صعبة وشاقة ومكلفة من أجل المحافظة على الجذور وعلى الهوية الأصلية التي تمثلها أساسا اللغة والدين والعادات والتقاليد والثقافة الأصلية، فقرر أن يشتغل بالفن وتحديدا غناء الراب ويتخذه وسيلة وأداة للحفاظ على الهوية ومناسبة للاحتفاء بالثقافة اللاتينية وتاريخ بورتوريكو وإثبات الذات.
استعمار من مدخل اللغة!
هذه الحادثة التي لفتت إليها أنظار العالم واهتمت بها مختلف وسائل الإعلام العالمية وتحولت في الكثير من الإعلام الغربي إلى منابر للنقاش والحوار حول مكانة اللغة والثقافة المحلية في عالم تتحكم فيه العولمة الفكرية وهيمنة الثقافة الغربية وحداثتها ومنظومة قيّم تتحكم فيها القوى العالمية المهيمنة على كل المجالات في هذا العالم، وتتحكم في توجيه كل السياسات من تعليمية و تربوية ومالية واقتصادية وتجارية ومالية وحتى علمية وتفرض لغتها الانقليزية لغة وحيدة على الجميع وتقديمها للعالم على أنها هي وحدها لغة العلم ولغة الخطاب والتواصل، وهي وحدها لغة التقدم وما عداها لغات ثانوية زال استعمالها وحان الوقت للتخلي عنها في عملية هيمنة جديدة واستعمار جديد من مدخل اللغة والثقافة والفكر من أجل مواصلة السيطرة على الشعوب واحتوائها وتوظيفها في خدمة مصالح القوى المهيمنة بعد أن تم السيطرة عليها سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
ما فعله المغنى باد بوني بإصراره على الغناء باللغة الاسبانية في بلد يتحدث بالانقليزية وطرح القضايا الحرجة والمقلقة للأمريكيين كقضايا الهجرة والبطالة والفقر والمخدرات والجريمة و فقدان المعنى والشعور بالضياع والتيه في عالم تريده أمريكا أن يكون نسخة واحدة لا تنوّع فيها أن يكشف عن واقع اجتماعي صعب يعيشه كل المهاجرين، ويُعمّق حالة التهميش لديهم وواقع العنصرية المؤلم الذي يكبلهم نتيجة عدم الاستفادة بالخدمات العامة والسياسات الأمريكية التي تلغي الهوية واللغة والثقافة المحلية الأصلية للمهاجرين و المنحازة إلى كل ما هو أمريكي محلي.
إحراج أصحاب القرار
هذا المضمون الغنائي المشحون بكم كبير من القضايا الاجتماعية التي يطرحها من خلال اللغة الإسبانية التي يحتقرها العقل الأمريكي أحرجت أصحاب القرار في أمريكا واضطرتهم إلى مناقشة قضية اللغة والهوية ووضع المهاجرين، وكل القضايا المرتبطة بها وحوّل الاهتمام من مجرد نقاش سياسي وخيارات دولة في مسألة الهوية إلى نقاش فني و ثقافي وحضاري تبرز فيه الخصوصية والذاتية للشعوب ويتجلى فيه الاعتزاز بالجذور وبلغة الشعوب المهاجرة والتاريخ والثقافة الأصيلة…
ترامب يهاجم!
الأمر الذي جعل الرئيس دونالد ترامب يصف العرض الغنائي بأنه سيئ للغاية و يمثل صفعة وجهت لأمريكا. ولم يقتصر الاعتراض الأمريكي على الجانب الجمالي وإنما تجاوز إلى ما يعتبرونه إهانة للقيم الأميركية ولهوية الأميركيين كما يتمثلونها
ويفهمونها من دون حضور للآخر ولا وجود لكل ما هو غير أمريكي، هوية تعبر عن اللسان الأمريكي الذي وجب أن يكون وحده المتفوق.




