صالون الصريح

عبد اللطيف الفراتي يكتب: مواقف في ذاكرة الصحافة التونسية..

Abdellatif Fourati
كتب: عبد اللطيف الفراتي

« Sans la liberté de blâmer, il n’est point d’éloge flatteur ; il n’y a que les petits hommes qui redoutent les petits écrits »
الكاتب والفيلسوف الفرنسي ” دي بومارشي”
كنت سبق وأن جرى تكريمي من قبل المكتبة الوطنية، في حفل بهيج أيام العز، عندما كانت رئيستها المفكرة الجريئة والمؤلفة الرائدة الدكتورة ألفة يوسف، وأهدتني المكتبة الوطنية يومها لوحة تحمل صورة لي مجللة بـ’الحرية كلمة’، أعتز بها شديد الاعتزاز وتمثل عصارة ما كنت أتمنى أن تكون عليها حياتي..وتحتل في مكتبي مكانا بارزا في مواجهة كل من يدخله بين رفوف مكتبتي، وكتبي وصوري مع كبار السياسيين والادباء والفنانين التونسيين والعرب والأجانب الذين التقيتهم طيلة حياتي المهنية الطويلة وشرّفوني دوما، بأهمية كبرى لا أعتقد أني كنت دوما جديرا بها.

مسؤوليات ولقاءات

إذ أنسى، فإني لن أنسى، تلك المقابلة وكنت أرأس أيامها بين 1986 و1988 هيئة جمعية الصحفيين، وتولينا أعضاء الهيئة وأنا، بعكس العادة المتبعة زيارة، الرسميين من وزراء وغيرهم، ومن زعماء الأحزاب المعارضة بامتعاض من أجهزة الدولة.
و من بين من التقيناهم قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت انتقلت لتونس، بمن فيهم الزعيم الفذ ياسر عرفات، والجهات المناوئة له ، وكذلك أمين عام الجامعة العربية الأستاذ الشاذلي القليبي، الذي ترك بصمات غائرة في المسار التونسي والعربي والدولي، وعددا من سفراء البلدان المهمة المعتمدين في تونس كالسفير الفرنسي الصحفي إيريك رولو ، الذي اعتبره مزالي شخصا غير مرغوب فيه وترك البلاد.
وفي ما أذكر فإن أحمد المستيري قال لنا في حديثه معنا ، إن حرية الصحافة والتعبير الحر عن الأفكار والمواقف، يأتي في مقدمة كل المسارات الديمقراطية، فـ بدون حريات صحفية، وخاصة انطلاق الصحافة من عُقالها، وإسهامها بتعبيرها الحر في التأسيس للجرأة في القول وتقدم الصفوف، فهو في المرتبة الأولى قبل إقامة الأحزاب، وقبل الانتخابات الحرة والنزيهة، فالصحافة الحرة والمتحررة، هي التي تقف سندا للبناء الديمقراطي، لا بد منه، وسدا منيعا أمام كل ما يمكن أن يعتري المسار من كبت أو تحجيم أو لجم.

وأواصل:

كانت تلك الكلمات تهز أعضاء مكتب الجمعية فخرا لطبيعة دورنا ودور زملائنا في تحقيق تلك الطفرة من حرية التعبير في تلك الآونة.
وللحقيقة فقد أمكن في تلك الفترة، وتلك الدفعة الشجاعة من أحمد المستيري وقليلين غيره ممن آمنوا بالإبداع الصحفي، أن ترتقي البلاد بصحافتها وعبر صحافتها.

**
تجربة ‘سبر آراء’..

نسوق هذا لنستنتج حقيقة مرة وبصراحة تجربة طويلة قد تحرج البعض، وقد تغضب البعض الآخر، ولكنها في تقديري تنزل بردا وسلاما على الأغلبية العظمى من المواطنين الذين يتوقون لرؤية صحافة بلادهم في المراتب العليا حرية عبر العالم.
لنسمح مثلا لمؤسسات قياس توجهات الرأي العام، أن ” تقيسها” ورأيها في صحافتها التي تنوعت أدواتها بين ورقية ومسموعة إذاعة وتلفزيون، وصحف إلكترونية وغيرها من الوسائط ، وسنرى العجب، أذكر أنني غامرت في 7 نوفمبر 1988 بنشر سبر أراء عن ردود فعل المواطنين بعد عام على ذلك التغيير، وكنا قد أخذنا كل احتياطاتنا في جريدة الصباح من حيث التأكد من صدقية ذلك الاستفتاء وجدية تحضيره، فطلبت منّا السلطة أنذاك بعد النشر مدها بقائمة ‘المناوئين’ للسابع من نوفمبر، ومن تولى القيام بالعملية فامتنعنا بقوة وفق مقتضيات شرف المهنة، ولم يكن الأمر ممكنا طالما إن الاستجواب لا يفترض الاحتفاظ بأسماء المستجوبين،، مما يدل على جهل مطبق من قبل السلطة بفنيات سبر الآراء، وهم أعداء الحرية الفردية، التي هي أساس الحريات العامة ، والباب المفتوح على مصراعيه لبناء الديمقراطية.
إن الشعوب لا تتقدم، إلا بقدر ما تكون حرة منطلقة، متحفزة للعطاء والإبداع لا يعيق مسارها عائق يكبل إبداعها.
وبصراحة فالمرسوم 54 جملة وتفصيلا لا يمكن أن تجد له مثيلا في أي دولة ديمقراطية، كما كانت مجلة الصحافة لسنة 1975 بتونس، والتي تم في حينه تجاوزها من قبل مجموع الصحفيين والكتاب والمثقفين فانتهت باعتبار عدم الاعتراف بها من مجموع العاملين .
صدحنا وسنصدح دائما بالمناداة بالحريات الصحفية، فهي هي التي تبني الدول، وهي التي تضمن نجاحها في تحقيق الكلمة الحرة، عبر النقد كما قال في الطالع ‘بومارشي’، ألم يقل ‘فولتير’ إني وإن كنت أخالفك رأيك، فإني مستعد للموت دفاعا عن حقك في سبيل إبداء رأيك”.
لا معنى لوجود صحفيين في السجن، فالكلمة ‘الكلمة لا تقود إلى السجن’، مهما كانت ومهما كان قائلها.

الحريات مفتاح التنمية

ونحن .. نحن هل نريد أن نكون ضمن الدول التي تضمن للفرد حرية رأيه وحريته في التعبير عن رأيه، تلك هي القضية الحارقة المطروحة اليوم. أعتقد أني لست متهورا، ولست شجاعا أكثر من اللزوم، فأنا كنت دوما في الوسط بعيدا عن كل تطرف، ولكني كنت على مبادئي تلك التي لا أحيد عنها، آمنت بها دوما وأعلنتها بصراحة وإلحاح، وبعدها تأتي القضايا الأخرى وهي ليست لا بالقليلة ولا بالهينة ليست القضايا العدلية، بل القضايا المجتمعية التي تستحق الاهتمام والانكباب على إيجاد الحلول..
وعندما يتم الفصل في قضية الحريات الفردية والعامة إلى خير، ستفتح الأبواب أمام تنمية حقيقة وعالية، تثبت أبناء هذا الوطن في وطنهم، فلا يسعون لمغادرته بحثا إما عن لقمة العيش، أو وضع أفضل بكثير مما هو متاح في وطنهم، وأنا لا أعتقد أن هناك تونسيا يريد أن يهاجر إلا للضرورة.
نحن كتونسيين منغرسون في هذه الأرض الطيبة، ومهما كانت المغريات، فإن الفرد منا لا يغادرها إلا مضطرا.
سماؤنا الزرقاء لا مثيل لها، وبحرنا الفضي يعانق شوقنا فيحضن الفرد منا، و أرضنا المعطاء كفيلة لأن توفر لنا العيش الكريم في ظل الحرية، مطلب كل إنسان تحت أي سماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى