نوفل سلامة يكتب: السينما التونسية من ثقافة المعنى إلى ثقافة الصدمة


كتب: نوفل سلامة
من يتابع الإنتاج السينمائي التونسي خلال مرحلة ما بعد الثورة وحتى اللحظة الراهنة، ومن يواكب ما يبث في قاعاتنا السينمائية من أعمال فنية تونسية وحتى مسلسلات رمضانية في قنواتنا التلفزية الخاصة والعمومية يخرج بملاحظة لا اختلاف حولها…
وهي أن الصناعة السينمائية والإنتاج الدرامي في بلادنا يشهدان تحولات عميقة مؤثرة تخص نوعية الكتابة السينمائية وقيمة المضمون والعرض المقترح وطبيعة الحوارات واللغة المستعملة، والفكرة المقترحة خاصة فيما يتعلق بالتركيز على الالفاظ السوقية واختيار العنوان الصادم المقلق والمقزز أحيانا…
سؤال حارق؟
بما يطرح السؤال المهم هل أن هذا التحول في كل عناصر الصناعة السينمائية والدرامية هو نتيجة تطور طبيعي وعادي في الانتاج السينمائي التونسي أفرزه تراكم التجربة الفنية الإبداعية، وانتقال إلى مرحلة جديدة بعد إنهاء حقبة الاستبداد ما يجعل هذا الفن يواكب هذا التحول الذي شهده المجتمع التونسي؟
أم أن الأمر يتعلق بتحول جاء في سياق تنفيذ رؤية الممول الاقتصادي والداعم المالي للمشروع الفني، وفي زمن خدمة الأجندات الأجنبية في علاقتها بالدولة والمجتمع وعلائق الهيمنة والوصاية الخارجية على الوعي والعقل والشعور لتوجيه الخيارات والقرارات والذائقة الفنية الوجهة التي تخدم مصالح هذه الجهات الداعمة؟
خاصة لما يكون الممول جهة أجنبية ما يجعلها تفرض خياراتها وتجعل الجانب التونسي خاضعا لهذه الإرادة الخارجية وهي وضعية غالبية الأفلام التونسية التي تعرض في قاعتنا السينمائية حيث نلحظ بكل وضوح لمسة الجهة الداعمة في الرسالة التي تُمرّر عبر هذه الأعمال الفنية.
قلق دائم…ومشكل معقّد!
المشكل الذي تحول الى قلق دائم في هذه الأعمال التونسية أنها تحولت من مناسبة يلقى فيها المتفرج التونسي عرضا جيدا صورة وأداء ومضمونا تفتح له أفقا للتفكير والنقاش والفهم للقضايا المعروضة بالنسبة للذين يبحثون عن مضمون فني يحقق الوعي وينتج المعنى ويزيد في فهم الواقع المعقد أو عرضا يحقق الراحة والمتعة بالنسبة للذين يقبلون بعد يوم أو أسبوع من العمل على مشاهدة عرض سينمائي للترويح عن النفس…
فاذا بهذه العروض المقدمة في غالبيتها قد تحولت إلى مصدر قلق وازعاج بل اكثر من ذلك فإن الكثير من هذه الأعمال سواء كانت أفلاما أو مسلسلات تبعث في النفس حالة من الاختناق والازعاج وحالة من التوتر و الشحن النفسي والذهني تتبعها حالة من عدم الرضا على ما قدم بسبب الحوارات الباهتة المستفزة التي أدخلت إليها الألفاظ السوقية التي لا معنى لها ولا مكان في هذه الأعمال التي تُقدم على أنها فنية وابداعية مما حوّل المشاهدة الى وضعية قلق وتعب وارهاق للمتفرج الذي يطرح البعض منه وخاصة جانبا من النُقّاد سؤال هل تعيش السينما والدراما التونسية أزمة رؤية إبداعية وخيال مفقود وأزمة أخرى أكثر عمقا في الخيارات والمعنى وغياب الرؤية الفكرية والبعد القيمي حيث يمكن وبكل سهولة تقديم عمل فني وعمل ابداعي بمضمون جيد وبصورة متطورة وحوار راق وبفكرة جيدة وتجلب له الجمهور ويحظى بنسبة مشاهدة ومتابعة عالية بدل التعويل على الأفكار المكررة الممزوجة و المقرفة التي تشكل صدمة للمتفرج يجعله في حالة من غياب الوعي وفقدان للمعنى…
إلى متى؟
ويطرح السؤال إلى متى يظل الفن التونسي رهينا وتحت وصايا الممول الاقتصادي الذي لا يبحث إلا على الإشهار و الربح المادي ولا تعنيه المضامين الجيدة؟
وإلى متى يبقى المخرج وكاتب السيناريو في تبعية للممول الأجنبي الذي يفرض عليهما الفكرة والرؤية والتصور ويُمول ماديا العمل الفني مقابل فرض خياراته وما يريد ومثال هذه الوضعية التي تعيشها السينما التونسية بكل هذه الإشكاليات المطروحة…
فيلم ‘اغتراب’ المشبع محتواه وحواره بكم كبير من الألفاظ البذيئة والنابية السوقية المقرفة المقززة والمستفزة لكل من يسمعها والتي نسمعها في شوارعنا وهي مدانة، فما بالك في قاعات السينما وأمام جمهور الكثير منه عائلي حيث تعرض هذا الشريط منذ عرضه الأول الى انتقادات كبيرة لاستعماله كلام ‘السفاهة’ والجرأة الوقحة في بعض مشاهده وعدم احترامه الجانب الأخلاقي في الحوار المقدم الذي تجاوز كل الحدود وفاق كل ما سبق وأن قدم في أعمال سابقة تمت إدانتها هي الأخرى…
تبرير غريب جدا!
لكن هذا الفيلم قد تجاوز الحدود المسموح بها وشحن حواره بكم كبير من الألفاظ السوقية الهجينة وأمام هذا الإحراج الكبير صرح مخرج الشريط بأنه يعد بتوفير نسخة ثانية للمتفرج المحلي بعد أن أكدت الجهة المنتجة وهي جهة فرنسية بأن النسخة المعروضة هي نسخة مخصصة للاستهلاك الخارجي…
هكذا بكل هذه البساطة تم التعامل مع اللوم الكبير على استعمال الكلمات غير المقبولة والمقرفة والمقززة في هذه النسخة الموجهة للخارج لإعطاء صورة لهذا الخارج بأن التونسي يستعمل هذه الألفاظ في حياته اليومية، وبأن هذا التونسي لا يحترم الأخلاق ولا يعطي بالا للكلمات غير اللائقة في سلوكه وحواراته والأخطر من ذلك ما بررت به الجهة المنتجة هذه الانتقادات الموجهة للشريط بأن هذا الجدل المثار حول جوانب منه ما كان له أن يطرح بالعودة إلى الموضوع القديم الذي يرجع إليه في مثل هذه الوضعيات وتوجيه النقاش عمدا إلى مسألة هامش حرية التعبير وحرية الفن والإبداع …
ومسألة حدود وقيود العمل الفني وعلاقة الفن بالأخلاق لتغيير النقاش الحقيقي والجوهري حول الذائقة الفنية التي نريد وحول احترام القيم المشتركة للشعب التونسي ومسألة تحكم الممول الأجنبي في مثل هذه الأعمال وفرض أفكاره وتصوراته علينا وتقديمها على أنها حرية فن وابداع.
رغبات وخيارات المُموّل لأجنبي
لقد بات واضحا اليوم من خلال تصريحات الجهة الممولة لهذا الفيلم وردود فعلها نتيجة الاحتجاجات الكبيرة التي صاحبت العروض المقدمة في القاعات السينمائية أن هذا العمل قد تم انتاجه استجابة لرغبات وخيارات وأفكار الممول الأجنبي أكثر من استجاباتها لروح الفن وأن مضمونه لا علاقة له بالنقاش الذي يريدون توجيه الرأي العام إليه حول حرية الفن والتعبير حيث في مثل هذه الأعمال الموجهة والمخطط لها مسبقا فإن مثل هذا النقاش لا معنى له ولا فائدة أمام التصدي لمثل هذه الاختراقات التي تحصل للذائقة الفنية والجمالية الوطنية…
خضوع للأجنبي؟
وهذه الهيمنة و التبعية والوصايا للأجنبي التي تعود اليوم من بوابة الفن ومن وراء التمويل الأجنبي للأعمال السينمائية وهي حلقة في مسار كامل ضمن استراتيجية الهيمنة والتبعية المخطط لها في مجالات أخرى حساسة لها علاقة بالسيادة الوطنية والاستقلال الحقيقي..
وما الفن والإبداع إلا حلقة في هذه الاستراتيجية لجعل الشعوب خاضعة للأجنبي المتفوق والمتحكم في هذا العالم الذي تحكمه منظومة العولمة التي يقودها وينفذها الغرب الأطلسي.




