نوفل سلامة يكتب: الوجه الخفي في علاقة الصين بالحركة الصهيونية وموقفها من القضية الفلسطينية


كتب: نوفل سلامة
موضوع كان دوما يُقلقني ويُمثل حيرة في فهم مواقف بعض الأطراف الدولية التي تدّعي الاصطفاف إلى جانب الشعوب المظلومة في علاقة بالقضية الفلسطينية..
ومسألة مثلت إشكالا في ذهني في كيفية التعامل مع بعض القوى المؤثرة ودورها في نصرة القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من حرب إبادة جماعية جرمتها محكمة الجنايات الدولية .. وحصل لي التباس في فهم موقف دولة الصين الشعبية من القضايا العربية والإسلامية الراهنة وموقفها الباهت مما يتعرض له هذا الشعب من جرائم إنسانية.
مواقف غامضة
لم أفهم كيف أن دولة تعدّ من أبرز القوى العظمى المرشحة لقيادة العالم، والتي تصنف في ذهنية غالبية الشعوب وخاصة شعوب دول الجنوب دولة مناهضة لقوى الهيمنة الغربية وفي مقدمتها أمريكا ومناصرة لقضايا التحرر في العالم وأنها في صف الشعوب الفقيرة والمظلومة…
لم أفهم أن دولة بهذه المواصفات لا تأخذ موقفا حاسما لوقف حرب الإبادة على قطاع غزة الذي يعاني سكانه لأكثر من سنتين عملية تدمير وقتل وتهجير وتجويع وإبادة على يد الآلة الحربية الإسرائيلية، ولم استوعب كيف أن دولة صاعدة ودولة يحسب لها ألف حساب ودولة لها من عناصر القوة الشيء الكثير، ودولة تعلن نفسها البديل عن أمريكا لقيادة العالم وتعد بتغيير النظام الدولي وتعويضه بنظام آخر يكون أكثر عدلا وانصافا للشعوب لا يكون لها موقف قوى في المحافل الدولية لنصرة الشعب الغزاوي…
ساكتة عن المجازر
ولا تنزل بكل ثقلها لوقف السياسة الظالمة التي تتبعها أمريكا لصالح إسرائيل وكيف أن دولة ترى يوميا بأم عينها المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني والاعتداءات التي يتعرض لها سكان غزة والحصار المفروض عليهم من طرف إسرائيل لمنع إيصال الغذاء والدواء حتى وصل الأمر إلى الحديث عن وشك حصول كارثة إنسانية ولا تحرك ساكنا ولا تضغط بكل قوتها على إسرائيل وتفرض إيقاف الحرب و إدخال المساعدات الإنسانية.
لم أفهم كيف أن دولة تعلن نفسها في وسائل الإعلام العالمية أنها حليفة للعرب ومناصرة لقضية الشعب الفلسطيني وكيف أن دولة تقدم نفسها اليوم أنها البديل التاريخي للغرب الأطلسي والقوة الغاشمة في العالم ولا تلعب الدور الضروري للوقوف في صف الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؟
السؤال المحير في معرفة كيف ترسخت في الذهنية العربية أن الصين دولة صديقة وحليفة للعرب والمسلمين؟ وكيف أن الصين هي أفضل من الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ومن أين جاءت الصورة التي راجت في العالم العربي على الأقل من أن دولة الصين الشعبية هي البديل الأفضل للنظام العالمي الذي تقوده أمريكا وأن هذه الدولة تختلف في قيمها ومواقفها عنها؟
كانت كل هذه الأسئلة القلقة تجول بخاطري ولا أجد لها جوابا أمام الصورة النمطية التي نجدها منتشرة في عالمنا العربي من أن الصين دولة ونظاما هي حليفة وصديقة للعرب والمسلمين ودولة منحازة لقضايا الشعوب المضطهدة ومدافعة عن القضية الفلسطينية إلى أن استمعت إلى الدكتورة الفلسطينية “رازان شوامرة ” المتخصصة في قضايا الصين والتي أعدت بحثا علميا طرحت فيه كل هذه الأسئلة وبحثت في مسألة علاقة الصين بالحركة الصهيونية وعلاقة هذه الدولة بالكيان الصهيوني، وموقفها من كل الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني..
سؤال مُتعِب
وحاولت الإجابة على سؤال آخر متعب وهو لماذا كان موقف الصين باهتا في حرب الإبادة التي تقوم بها الدولة الصهيونية منذ سنة 2023؟ ولماذا كل هذا السكوت تجاه ما تقوم به إسرائيل من جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني؟ وحاولت أن تجيب عن سؤال هل فعلا أن دولة الصين الشعبية هي أفضل من أمريكا؟ وهل فعلا أن الصين سوف تقدم نموذجا أفضل من أمريكا لو تعود لها قيادة العالم؟ وهل حقا هي في صف العرب ومناصرة لقضاياهم؟
أم أن الحقيقة على خلاف ذلك وهي أن الصين لا تختلف كثيرا عن أمريكا وكل الغرب الأطلسي في موضوع قضايا التحرر في العالم وخاصة القضية الفلسطينية.
انتهت هذه الباحثة الفلسطينية إلى تفنيد فكرة حياد الصين في كل القضايا العالمية وأن تفكيرها الأول منصب في المقام الأول على بناء قوتها الاقتصادية وتحقيق التفوق والصعود الاقتصادي مما يجعلها تنافس بقوة من يتحكم اليوم في العالم لذاك فهي تنأى بنفسها عن كل الملفات الحارقة، وهي لا تهتم إلا بالاقتصاد والتطور التكنولوجي و هي بذلك تروّج إلى أن مسعاها هو تحقيق هيمنة اقتصادية فقط من دون أن يكون لها أي مطامع أخرى.
تاريخ الهيمنة والقوة
فندت الدكتورة رزان شوامرة هذه القناعة الرائجة عن خطأ وجهل وسوء معرفة بحقيقة الصين واعتبرت أن دراستها لتاريخ صعود وهبوط القوى العظمى والتعرّف على كيف تنشأ قوى وتضعف أخرى وتنهار قد كشفت لها أنه من خلال سرد تاريخ الشعوب لا توجد هيمنة اقتصادية في معزل عن الهيمنة السياسية والعسكرية…
وكل هيمنة تبنى على أخرى وتوجبها وبعضها مرتبط ببعض حيث لا معنى لوجود قوة وهيمنة اقتصادية من دون أن يؤدي ذلك إلى قوة سياسية وعسكرية وتحيل على كتاب الكاتب فريد زكريا ‘من الثروة إلى القوة’ الذي تعرض فيه كيف أن صعود الدول في التاريخ وهيمنتها تبدأ بالتفوق و الصعود الاقتصادي ثم يعزز هذا النفوذ ليصبح هيمنة عسكرية…
وكيف أن الدول التي هيمنت عبر التاريخ كان بداية هيمنتها امتلاك الثروة وامتلاك الموارد المادية للقوة فعندما يتطور الاقتصاد يتم تحويل ما تم انتاجه من عائدات اقتصادية إلى قوة عسكرية ” وهذا ما تفعله الصين اليوم فهي تحول عائدات اقتصادها إلى الزيادة في الإنفاق على القوة العسكرية.
وعد بلفور صيني
يقال أن الرابط الديني القوي غير موجود في علاقة الصين بالصهيونية حتى نثبت أن هناك مصلحة مشتركة بين الطرفين كما هو الحال في علاقة الصهيونية بالمسيحية مثلا ما يبرر دعم الصين للحركة الصهيونية لكن البحث التاريخي قد انتهى إلى حقيقة مغيبة، وهي كما أن هناك وعد بلفور بريطاني هناك وعد بلفور صيني…
وهذا يعني أن الصين ليست طرفا محايدا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما أنها ليست طرفا داعما للقضية الفلسطينية، بل تحوّلت إلى شريك للنظام الاستعماري في فلسطين والصين هي اليوم جزء من هذا المشروع الاستيطاني الإسرائيلي…
علاقات قديمة
أثبت بحث الدكتورة رزان أن علاقة الصين بالحركة الصهيونية علاقة قديمة تعود إلى عشرينات القرن الماضي وامتدت من بداية سنة 1920 إلى اليوم، حيث كانت علاقة الصين كدولة ونظام بالحركة الصهيونية علاقة خفية تُمارس في دوائر مغلقة غير معلن عنها…
حيث بدأ النظام الصيني بدعم الصهيونية و انتهى بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية وتفصيل ذلك أنه خلال سنة 1920 توصل رئيس الصين وقتها ” سينيات سين ” برسالة من يهودي يدعى ” إيلي عزرا ” وكان زعيم الحركة الصهيونية في مدينة شانغهاي الصينية طلب فيها الدعم ومساعدة اليهود الأسيويين على إقامة وطن قومي لهم…
وهذا يبين أن الحركة الصهيونية لم تنشط فقط في أوروبا وفي الدول العربية بل كان لها تحركات مكثفة في الدول الآسيوية وهي مسألة الدراسات والكتابات حولها شحيحة واثبت أن وجود اليهود في القارة الآسيوية، هو وجود قديم حيث شكلوا منظمات وأحزاب تابعة للحركة صهيونية العالمية تلقت خلال الحرب العالمية دعما ماليا استفادت منه مكاتب الحركة الصهيونية في مدينة شانغهاي…
استعادة مجد الأمة اليهودية
كان رد سنيات سان على رسالة إيلي عزرا بأن الصين تبدي تعاطفها مع الحركة الصهيونية التي يعدّها من أعظم الحركات في العصر الحديث ويعتبرها حسب رأيه قد أسهمت إسهاما كبيرا في حضارة العالم ويُصرح بالقول إنه لا يسعه إلا أن يرحب بكل إخلاص وحماس لاستعادة مجد الأمة اليهودية العريق والتاريخي التي تستحق مكانة مرموقة ضمن أسرة الأمم.
وهذا التصريح الذي جاء سنة فقط بعد وعد بلفور الذي شرع لاستعمار فلسطين هو بمثابة وعد بلفور ثاني، ولكنه صيني.
مكاتب دعم للحركة الصهيونية
في هذه الفترة فتحت مكاتب كثيرة للصهيونية في الصين والملاحظة اللافتة أنه رغم مشاكل الصين المتعددة وخاصة دخولها في حروب كثيرة كان لديها من الوقت لدعم الحركة الصهيونية..
وخلال فترة الأربعينات ظهر شخص اسمه مردخاي أولمرت تقدم بطلب إلى النظام الصيني يطلب فيه دعما عسكريا للمشاركة في الحرب وقد تحصل في سنة 1945 على دعم عسكري ومالي من مسؤولين صينيين وفي سنة 1947 قدم يهود إلى فلسطين تم تدريبهم للقتال في دولة الصين.. وكانوا من بين من شارك في المعارك التي دارت بين الفلسطينيين والصهاينة هذه الحقيقة التاريخية أكدتها دراسات علمية أجريت في جامعات ألمانية تحدثت عن تاريخ اليهود في الصين وهي معلومات على خطورتها لم تنشر على النطاق العربي بتاتا وبذلك تكون الصين قد ساهمت بشكل كبير في حصول نكبة الفلسطينيين مما يدعم القول بأن سياق الصين لا يختلف عن سياق أمريكا في دعمها لإسرائيل.
الصين لا تُدين الصهيونية إلى اليوم
على مستوى الخطاب السياسي فإن الصين اليوم لا تتحدث عن الصهيونية ولا نجد لها خطابا سياسيا يدينها أو يتعرض لأفعالها، وإنما كل حديثها منحصر في الحديث عن اليهود ونجدها تعيد فيما تردده أمريكا من أن الحرب اليوم في فلسطين هي حرب ضد اليهود، والحال أن هناك فرق كبير بين اليهودي والصهيوني و تتجاهل أن الصراع اليوم ليس مع اليهود وإنما مع دولة استعمارية ومع الصهاينة الذين افتكوا أرض فلسطين واستعمروا سكانها فربط الصراع باليهود هو ربط فيه مغالطة وتماه مع رؤية إسرائيل للصراع عندما حولته الرؤية الأمريكية الصهيونية إلى صراع ديني وليس صراعا من أجل التحرر من هيمنتها.
كيف تنظر الصين إلى حركة حماس؟ وماذا قدمت هذه الدولة لكسر الحصار المضروب على غزة لإدخال الغذاء والدواء؟ ماذا فعلت الصين لإيقاف حرب الإبادة وما يتعرض له الشعب من تجويع ممنهج؟
استراتيجية خاصة
للإجابة على هذه الأسئلة تؤكد رازان على أن الصين تتوخى استراتيجية خاصة بالقضية الفلسطينية تحاول من خلالها إبراز حسن نواياها في إطار سعيها تحقيق هدفها الأول وهو الاندماج في النظام الدولي الجديد وهذا جعلها تنظم إلى موقف الأمم المتحدة حيث قبلت الاعتراف بإسرائيل وحل الدولتين وبداية من أواخر السبعينات القرن الماضي لم تعد تعتبر منظمة التحرير الفلسطيني من ضمن حركات التحرر الوطني وتخلت عن الخطاب المناهض للإمبريالية وقبل اتفاق أوسلو رفضت مقترح عربي بطرد إسرائيل من الأمم المتحدة..
بينت الباحثة الفلسطينية أن الأمريكان فهموا أن الصين تسعى إلى تحقيق تحديث عسكري وصناعي توريد الاندماج في العالم الغربي وترغب في انهاء مرحلة الحروب التي أخرتها عن ركب الأمم المتقدمة وهي للتو خارجة من حرب الثورة الثقافية حيث تمكن الرئيس ماو من إرساء علاقة جديدة ما يسمح للصين من الحصول على موافقة صريحة من أمريكا للحصول على تقنيات متطورة في المجال العسكري والعلمي والتكنولوجي من إسرائيل على اعتبار أن إسرائيل لا تقل تقدما عن أمريكا، ومنذ ذلك التاريخ تواصلت صفقات السلاح بين الصين وإسرائيل حتى سنة 1987 وتدعمت الاستثمارات وتكثفت، وتم إنشاء خط أمني سري بين البلدين وتم تبادل خبرات عسكرية سرية كشف عنها الاتحاد السوفياتي وكتبت عنها الكثير من الصحف الأمريكية..
وقد اعتبر فيما بعد قرار السماح للصين من الاقتراب من إسرائيل خطأ فادحا ارتكبه الرئيس كيسنجر الذي ندم على ما قام به حينما ايقظ العملاق النائم وجعله ينفتح على إسرائيل.
مقترح من 5 نقاط
تواصلت حركة التطبيع الصيني مع إسرائيل حتى سنة 1989 أين قدمت الصين بمقترح من خمس نقاط لحل الملف الفلسطيني وقالت أنها دولة محايدة في هذا الصراع وأنها مع إرجاع الأراضي العربية للفلسطينيين وفيما بعد أصبحت تتحدث عن احترام المخاوف الأمنية لإسرائيل وتحولت إسرائيل من بلد استعماري امبريالي وقاعدة عسكرية لأمريكا في غرب آسيا إلى دولة طبيعية يجب احترام مخاوفها الأمنية ومن هنا حصل المنعرج وتخطت الصين مسألة إرضاء إسرائيل وخرجت عن موقف الحياد الذي تأكد فعليا ورسميا في سنة 1992 عندما تم تطبيع العلاقات و يمكن تسمية هذه الفترة بفترة الحياد المنحاز.
الصين تتبنى الرؤية الإسرائيلية
الصين اليوم تتبنى سردية يهودية الدولة وفي خطابها الرسمي الموجه لإسرائيل طوال كل هذه السنوات بداية من سنة 1992 حتى الآن تتبنى الرؤية الإسرائيلية وتتعاطف مع ما حصل لليهود في التاريخ من مظالم في الوقت الذي أكدت فيه شهادات اليهود الذين تواجدوا في الصين أنهم قد عانوا من الصينيين وأن مظاهرات كثيرة كان يقودها صينيون خرجت لرفض التواجد اليهودي في الصين وأثبتت الوقائع التاريخية أن بيوتهم كانت تُسرق وتُنهب وتُمارس معهم العنصرية.
اليوم النظام الصيني يعتبر الشعب اليهودي شعبا صديقا للصين ويتحدث قادته عن حضارة يهودية لا وجود لها في التاريخ في عملية تزييف للتاريخ ومحاولة من الصين لكتابة تاريخ جديد لليهود، حيث حاول مفكروه خلق تاريخ جديد لليهود وسرديات جديدة حاول الخطاب الصيني أن يزيل عن إسرائيل طابعها الاستعماري…
وهذه المواقف ليست من وراء المصالح المتبادلة وإنما هي مواقف سوف تتدعم لو أصبحت الصين بلدا مهيمنا وهو خطاب ليس بالعرضي وإنما يتكرر منذ سنوات وهو متواصل وثابت وهي تقترب من موقف أمريكا رغم أنها لا تتحكم في إسرائيل وهو خطاب مبدئي وليس ظرفيا ومرتبطا بالمسائل الاقتصادية ذلك أن 70 % من الأكاديميين في الصين يدعمون إسرائيل، وفي الصين لا يمكن الدفاع عن القضية فلسطينية في مجلس أكاديمي علمي.
الصين شريكة في الاستيطان
الصين اليوم تستثمر في المستوطنات حيث لديها عشرة شركات تتعامل بصفة مستمرة مع المستوطنات ثمانية منها مملوكة للقطاع العام أي للدولة في مجال البنية التحتية والطرقات وغيرهما عن طريق شركة نوفا الإسرائيلية وسبعين في المائة من منتجاتها موجهة للمستوطنات والصين خلال المحنة الأخيرة وحرب الإبادة لم تطالب بوقف حركة الاستيطان ومنذ سنة 2016 استحوذت شركة صينية خاصة على شركة ” أهافا ” الإسرائيلية المتخصصة في المواد الكوسميتية واستثمرت في مستوطنة الأغوار وهي مذكورة في تقرير الجمعية العامة في كونها قد انتهكت حقوق الفلسطينيين وبذلك تكون الصين قد أصبحت شريكا في الاستيطان.
النتيجة الهامة التي انتهت إليها الدكتورة رازان أن الصين لا تقدم نموذجا مختلفا عن أمريكا وانما هي صورة أخرى للغرب، ولكن بطابع آسيوي…




