يوسف الرمادي يكتب: في التواصل مع عدنان الشوّاشي حول الأديب الشاعر منوّر صمادح


كتب: يوسف الرمادي
قبل أن أرويّ حادثة وقعتْ لنا أنا وعبد الرؤوف الخنيسي مع منوّر صمادح رحمهما الله، لا بدّ أن أقول أنّ منوّر كان عصاميا وقد جعل منه حسّه الرقيق وارتياده لنوادي الأدب والثقّافة ومخالطته للأدباء والمثقّفين يستوعب كلّ ما هو جميل في الأدب العربي…فنمّى بذلك موهبته الفطريّة في قول الشعر وتبوّء مكانة مرموقة بين شعراء تونس.
وأنا أعرف منذ الخمسينات أنّه كان يرتاد مدرسة التمثيل العربي التي كان يُشرف عليها المرحوم حسن الزمرلي ومحمّد العقربي، وهما من هما في التمثيل نعم ولكن كذلك في اتقان اللغة العربيّة وإصلاح أخطاء الشباب واختيار الروايات التي تكون لغتها عربية متينة ولأكبر الكتّاب العرب…
ذكريات باردو
أعرف ذلك منذ أن كنت أسكن ضاحية باردو بنهج المشمش تحديدا، حين كان أخي أحمد يرجع بعد منتصف الليل للمنزل مصحوبا بنور الدين صمود ومنوّر صمادح ويقضون بقيّة الليل في غرفة أخي أحمد يقرضون الشعر ويُبحرون في مواضيع أدبيّة تهمّ شعراء المشرق والمهجر، وكان أخي أحمد يترجم لهما ما يُمتعهما من الشعر الفرنسي وخاصة لـ “لامارتين” و”فيكتور هيغو”…
لذلك كانت علاقتي بمنوّر ممتازة وكان كلّما التقينا يذكّرني بتلك الأيام الجميلة ويسأل خاصة على الوالدة ويطري على طبخها إذ يجدون عشاء أخي أحمد على الطاولة في غرفته فيلتهمونه وقد أخذ منهم الجوع مأخذه..
محنة منوّر صمادح
وبعد محنته التي بدأت في الجزائر حيث سبقت محنة تونس صار منكمشا بعض الشيء، وقد التقيته مرّة وكنت رفقة الصديق الأديب رؤوف الخنيسي الذي قال لي :”يا يوسف أريد أن نجالس اليوم منّور وعليك إقناعه بذلك وفعلا طاوعني وذهب ثلاثتنا لنجلس في ركن من الأركان العديدة التي كانت في العاصمة وخضنا في كثير من المواضيع الهزليّة بالأساس وكان منوّر رحمه الله يردّد ‘الرُوجْ والرُوسْ’ مشيرا للطعام الذي بين أيدينا وهو يقصد للشيوعيّة والإتّحاد السوفياتي…
وبعد أن خرجنا بدأنا في فسحتنا المعتادة بشارع الحبيب بورقيبة وعندما مررنا أمام وزارة الداخليّة اعترضتنا صدفة قطّة كانت تتمشّى تحت الأشجار وقد رفعت ذيلها فالتفت إلينا منوّر وأشار بيده على فمه بما معناه اسكتوا وقال في شبه الهمس :”أرأيتما ذيل القطّ المرتفع إنّه “أنتان”(و”أنتان” تطلق على وسيلة التجسّس التي يمتلكها الأمن).
ومن يومها لم أعد أرى منوّر إلّا وهو يتسكّع في الأنهج وقد يجد صعوبة كبرى ليتعرّف عليّ وبعد كلمات غالبا لا تُفهم يتركني و ينصرف…وبالمناسبة أريد أن أذكر أخاه الذي بذل مجهودا جبّارا وتحمّل ما لا يطاق للوصول لطبع أعمال منوّر الكاملة وكان يقول لي عندما يطلب مساعدتي المعنويّة :”إنّي أخاف أنثار أشعاره في هذا البلد الذي سرعان ما يعتري أهله النسيان.
من هو منوّر صمادح؟
وحتّى يعرف الشباب من هو منوّر صمادح الذي طبّقتْ أشعاره الآفاق أنقل من كتاب الأعمال الكاملة لمنوّر صمادح الذي أهداني إيّاه شقيقه المرحوم عبد الرحيم هذه الفقرة التي يقول فيها منوّر: ‘تعال معي -أخي القارئ- إلى بلدة البقالطة وانظر إلى هذا المزدحم من الناس…إنّهم حرفاء معجبون التفّوا حولي ليشتروا فطور الصباح …أنا الآن فطائري يقبل عليّ الناس وتعجبهم صناعتي.. وكم يكون ابتهاجهم عظيم عندما تفاجئهم الصحافة اليوميّة والأسبوعيّة بنشر صورتي وقصائدي فتراهم لا يكادون يصدّقون أنّهم يقرأون في المساء أدب من اشتروا منه الفطائر في الصباح’….
فأين نحن من ذلك الزمن الجميل رحمك الله يا منوّر وبرّد ثراك.
طالع أيضا/ عدنان الشواشي يكتب: منور صمادح من شاعر كبير الى معتوه صغير يتسكع في الشوارع




