صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ شغف العودة إلى العالم القديم: أي معنى؟

slama
كتب: نوفل سلامة

من الأفلام التي بدأت تحدث ضجيجا متزايدا من قبل أن تعرض في قاعات السينما ويترقّب ظهورها بشغف كبير عموم المولعين بالشاشة الكبيرة وفئة النُقّاد وكل المهتمين بالأدب العالمي والتاريخ القديم الفيلم الحدث ‘الأوديسة’ المنتظر عرضه في الأسابيع المقبلة..

وهو عمل يصور ملحمة هوميروس الشاعر الكبير ليونان القديمة و قصة الفيلم تدور أحداثها بين القرنين السابع و الثامن قبل الميلاد حول حرب طروادة التي انتهت بهزيمة هذه الأخيرة أمام الجيوش اليونانية القادمة بأعداد كبيرة في جحافل من السفن البحرية بقيادة البطل الإغريقي الملك ” أوديسيوس ” ملك إيثاكا للثأر من ابن ملك طروادة الذي اختطف أميرتهم.

أسطورة إغريقية قديمة

والأوديسة هي أسطورة إغريقية قديمة تحولت إلى ملحمة شعرية تحتوي على أكثر من أثنى عشر ألف بيت كتبها الشاعر هوميروس وتروي مأساة الملك أوديسيوس الذي قاد الحرب حيث دامت رحلته حوالي عشرين سنة غاب فيها عن وطنه وعن زوجته ‘بينلوب’ التي تعرضت في غيابه إلى ابتزاز ومضايقات، منها عشر سنوات من التيه خلال رحلة العودة بعد انتهاء الحرب والمصاعب التي لقيها وتعرض لها جيشه الذي هلك منه الكثير وتعب من تبقى بعد أن تعرض إلى أهوال كثيرة في الجزر التي نزلوا بها حيث تعرضوا إلى منع من المغادرة وأعمال سحر وخداع من قبل سكان هذه الأراضي التي تسكنها كائنات غريبة وتسكنها الساحرات وغضب آلهة الإغريق كالإله ‘زيوس’ و’بيسدون’ من الملك المحارب بسبب سخريته منهم ورفضه تقديم القرابين فمنعت الآلهة عودته وغضبت عليه و وضعت في طريق عودته كل العراقيل…

كيف تفوقوا ثم انهاروا؟

المهم المثير في هذا الفيلم السينمائي أنه إلى جانب قيمته الأدبية حيث تعد الأوديسة من الأعمال العالمية الخالدة التي أشبعت بحثا و ودراسة و تحليلا ونقدا وعقدت لها الندوات الأدبية وخصصت لها اللقاءات الموسيقية، الشغف الكبير الذي نجده عند طلبة الجامعات والاهتمام المتزايد عند الباحثين الأكاديميين والمولعين بالأدب للتاريخ للعالم القديم والعودة إلى الاهتمام بأحداث الأزمان الغابرة…
حيث لوحظ في السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بالحضارات القديمة للوقوف على عناصر قوة هذه المجالات الجغرافية وما الذي جعل هؤلاء القدامى أسياد العالم وكيف تفوقوا وما هي عوامل الانهيار لحضاراتهم وكيف اختفت هذه العوالم؟

تفسير عالمنا الحاضر

والعودة إلى هذا العالم القديم وراءه رغبة في تفسير عالمنا الحاضر من أجل الحفاظ على المجال الحالي للإنسان المعاصر وبحثا عن إحياء جديد لأوروبا العجوز التي كانت في القديم سيدة العالم.
هذه العودة وراءه بحث عن القيم والمثل والمبادئ والقواعد التي حكمت هذا العالم الذي اختفى و الذي جعل ملكا يخوض حربا مدمرة من أجل امرأة و يترك وطنه ويخوض حربا تدوم عشرين سنة من أجل قيم كانت وقتها سائدة وبها حكمت شعوب أوروبا العالم، فكان أن ظهرت في السنوات الأخيرة أعمال سينمائية عالمية عاد فيها مخرجوها إلى التاريخ القديم لهذا العالم الذي لم يعد موجودا فكان فيلم ” الاسكندر الأكبر ” وفيلم ” طروادة ” وفيلم ‘قلاديتور’ وهي أفلام كما قلنا بقدر ما تعيد الإهتمام إلى عالم قديم اختفى ولم يعد له وجود إلا في كتب التاريخ فإنها تسعى إلى حفظ الذاكرة التاريخية من النسيان وتحاول استعادة الأمجاد الخالدة من أجل استلهام صور التفوق والريادة والقيادة وتلمس طريق العودة إلى الإنسانية التي غيبتها الحضارة الراهنة وغيبتها القيم المادية للحداثة الغربية التي تحكم العالم الحالي.

لماذا الاستنجاد بالماضي؟

ما يثير الاهتمام ويحتاج هو الآخر إلى دراسة هذا الشغف الكبير الذي نجده عند الكثير من المثقفين الغربيين بأحداث العالم القديم المختفي لمعرفة الدوافع التي تجعل الإنسان المعاصر يعود إلى الماضي البعيد لتاريخه في زمن طغى عليه الذكاء الاصطناعي والتطور العلمي والتقني المذهل، ويستنجد بالماضي الغابر للبحث عن خلاصه وحلول لمشاكله في زمن تحكم الآلة ويسيطر عليه التطور العلمي والمعرفي والتقني حيث من المفروض أن ينظر الإنسان المعاصر إلى المستقبل لا أن يلتفت إلى الماضي ويعود إلى القديم..
ولكن هذه العودة لم تُفهم في الغرب على أنها عودة سلفية منبوذة غير محبّبة وإنما اعتبرت في نظر الدارسين الغربيين والمفكرين في زمن الحداثة وعصر الأنوار وسيادة العقل عودة مهمة لاستلهام عناصر القوة لبقاء الحضارة الحالية حيّة من أجل تجنب عوامل الضعف والوهن التي أطاحت بممالك قوية وأخفت حضارات سادت وحكمت العالم، وهي عودة للجذور والأصول الأولى وإلى النفس العميقة للإنسان الغربي عله يجد فيها خلاصه…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى