محمد المحسن يكتب: لولا دا سيلفا..عودة ‘الثعلب العجوز’ من بوابة المستحيل!


كتب: محمد المُحسن
تصدير:
التاريخ لا يمنح أوسمته على الانتصارات وحدها، إنه ينتظر ما يصنعه المنتصر بعد أن تهدأ ضوضاء المعركة..(الكاتب)
لم يكن انتصار لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية مجرد حدث عابر في سجل التداول الديمقراطي على السلطة، بل كان فصلا استثنائيا في سيرة رجل خبر تقلبات السياسة، وتجرّع مرارة السقوط..
ثم عاد ليؤكد أن النهايات ليست دائما حيث يشتهي الخصوم،وأن الإرادة السياسية قادرة،في لحظات تاريخية نادرة، على قلب أكثر الحسابات تعقيدا.
الثعلب العجوز
إنه ‘الثعلب اليساري العجوز’ الذي يعرف جيّدا طبيعة المعارك التي يختار خوضها.لم يدخل السباق باعتباره نزهة انتخابية، بل خاض مواجهة صعبة في مناخ سياسي شديد الاستقطاب، مستندا إلى خبرته الطويلة، وإلى رصيد شعبي تشكّل عبر سنوات من العمل السياسي والاجتماعي.
وحين راهن على إمكانية الفوز، لم يكن يتحدث بلغة الأمنيات بل بلغة رجل يدرك أن السياسة فنّ الصبر، وأن الطريق إلى السلطة قد يمرّ عبر الهزائم والمنعطفات القاسية.
لقد اكتسبت عودته دلالتها من سياقها، فالمواجهة لم تكن بين مرشحين فحسب،بل بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل البرازيل،في ظل انقسام مجتمعي عميق،وسجال محتدم حول العدالة الاجتماعية،ودور الدولة،وحقوق الفئات محدودة الدخل.
وفي خضم هذه المعركة، أثبت لولا أن القاعدة الشعبية لا تُمحى بسهولة، وأن التجربة السياسية، مهما أثقلتها العثرات، تستطيع استعادة زخمها متى التقت تطلعات الناس مع مشروع انتخابي قادر على إقناعهم.
ولم تكن أهمية الانتصار محصورة في شخص لولا، بل امتدت إلى ما حمله من رسائل تتجاوز الحدود البرازيلية. فقد أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل تستطيع الديمقراطية أن تستعيد توازنها وسط الاستقطاب الحاد والتضليل الإعلامي، والتدخلات الخارجية، ومحاولات التأثير في خيارات الناخبين؟!

اختبار حقيقي
لقد أظهرت التجربة أن الانتخابات ليست مجرد أرقام تُعلن عند إغلاق الصناديق،بل اختبار حقيقي لمدى احترام إرادة المواطنين،ونزاهة المسار الذي يفضي إلى السلطة.
ومع ذلك فإن الانتصار الانتخابي،مهما كان مدوّيا، لا يمثل نهاية المعركة،بل بدايتها.فالبرازيليون الذين منحوا لولا ثقتهم ينتظرون ترجمة الوعود إلى سياسات ملموسة،ومواجهة الفقر والتفاوت الاجتماعي،وتحسين ظروف العيش،وترميم الجسور بين مكونات مجتمع أنهكه الانقسام.
مشروع إنقاذ
وهنا يكمن التحدي الأصعب: أن يتحول الانتصار من لحظة احتفاء سياسي إلى مشروع إنقاذ اجتماعي،وأن تصبح صناديق الاقتراع بداية عهد من الإنجاز لا مجرد وسيلة لاستعادة الحكم.
لولا دا سيلفا ليس مجرد رجل عاد إلى الرئاسة بل عنوان لتجربة تختزل دروس السقوط والنهوض، وحدود القوة وإمكانات الإرادة الشعبية.
غير أن التاريخ لا يمنح أوسمته على الانتصارات وحدها، إنه ينتظر ما يصنعه المنتصر بعد أن تهدأ ضوضاء المعركة.فالمجد الحقيقي ليس أن تعود إلى السلطة، بل أن تجعل من عودتك أملا متجددا في حياة الناس.
في النهاية، ليست العظمة أن تنتصر في معركة، بل أن تنهض بعد السقوط وتعود أقوى من رهانات خصومك.لكن امتحان لولا الحقيقي لا يبدأ من نشوة الفوز، بل من قدرته على تحويل انتصار الصناديق إلى أمل يسكن حياة البرازيليين. فالتاريخ يصفّق للمنتصر مرة، ولا يخلّده إلا الإنجاز..




