صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الفقيد محمد لخضر لالة..أحد زعماء حركة فيفري 1972، كما عرفته

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

وُوري يوم الأربعاء 22 أكتوبر الرفيق لخضر لالة التراب في أرض آبائه وأجداده نفطة، وهكذا كمثل الطيور المهاجرة يعود هذا الجسد المثقل بتجارب نصف قرن من ديار الغربة إلى وكره بالكوفة الصغرى…

قضية مؤتمر 1972

يمتاز الفقيد على كلّ رفاقنا في اتحاد الطلبة الذي جمعني وإياه بأنه من الأقلية التي شاركت في مؤتمر السابع عشر بقربة عام 1971 وظلّ طيلة 17 عاما يناضل من أجل إتمام أشغاله، وهو ما تمّ فعلا خلال المؤتمر الخارق العادة المنعقد يومي 30 أفريل وغرة ماي 1988 بكلية الحقوق بتونس.
وهو الذي نادى بانعقاده منذ 1972 بتونس وكاد يتم لولا التدخل التعسفي لأنصار السلطة القائمة آنذاك وما انجرّ عنه من غلق الكليات وإيقاف الطلبة ومن ضمنهم الفقيد.
لقد اجتمع قرابة الأربعة آلاف طالب بكلية الحقوق بتونس يوم الأربعاء 02 فيفري 1972 وكاد ينهي أشغاله يوم السبت 05 فيفري بإعلان البرنامج الذي شارك لخضر لالة في صياغته بمعية الصديق النوري عبيد.
ولكن لم يستعد الاتحاد أنفاسه بل اقتصر الأمر على بعث الهياكل المؤقتة واقتضى أن يترقب الأنصار وقتا ملائما عام 1988 أي أشهر بعد التغيير الذي طال هرم السلطة في نوفمبر 1987.
لقد قدّم لخضر شهادته عن تلك الأحداث في سفر صدر عن دار محمد علي عام 2023 ومن مظاهر تواضعه أنّه قال: ‘أرفض توصيف حركة فيفري بالمجيدة فالذين قاموا بها بشر يخطئون ويصيبون وأنا منهم، ومثل هذه النعوت من شأنها أن تقدّس هذه الحركة وتحوّلها إلى عقيدة لا تُناقش’. ص 109.
ولقد ذهب أحد المساهمين في هذا الكتاب الوثيقة – مطاع أمين الواعر- إلى التأكيد على أمر واقع يُهمله البعض من مؤرخي الحراك الطالبي : ” إنّه يجب النأي عن تطهير الحدث أي حركة فيفري إذ أنها تستنقص من دور الطلبة الدستوريين في مؤتمر قربة وتصوير 15 فيفري على أنها ملحمة يسارية بحتة”.
وهو ما أكده لالة بنفسه في لقاء انتظم في مدينة الحمّامات بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين لمؤتمر قربة بمبادرة من العميد الحبيب القزدغلي. ولقد كانت فرصة سعيدة بالنسبة لي أن ألاقي من جديد الرفيق لخضر وزمرة أخرى ممّن ناضلنا سويّا داخل هذا الاتحاد الذي ولد شامخا ذات 14 جويلية 1953.

عريضة 104

ولقد استعرض جلّ الذين انسحبوا من المؤتمر الثامن عشر عند استحالة مواصلة أشغاله بفعل الطغمة الحاكمة شهاداتهم وأجمعوا عن قوة الائتلاف الذي التأم بين كلّ المشارب الدستورية واليسارية والقوميّة.
وفعلا فقد أوكل إليّ من طرف الممضين على عريضة 104 مهمّة النطق ـ وأنا البكوش ـ! باسمهم لدى وسائل الإعلام في الداخل وحتى الخارج وهو ما فتأت القيام به إلى حدود تسليم المشعل إلى رئاسة المؤتمر الخارق للعادة، وبذلك برئت نفسي من وزر حملته منذ استقالتي يوم 13 أفريل 1971 من خطّة أمين عام منتخب مباشر من قبل المؤتمر السابع عشر المنعقد بالمهدية في شهر أوت سنة 1969.
لقد قدّر عليّ وعلى أترابي في الهيكل القيادي للاتحاد النضال من أجل ترسيخ الديمقراطية داخل المنظمة الطلابية، وكنا نتأسى لا بالمنعّم أحمد المستيري كما أُشيع ويُشاع بل بالمنعّم حسيب بن عمّار الذي أسّس فيما بعد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجريدة ‘الرأي’ وما أدراك ما الرأي والرأي الآخر.

أزمة الحركة الطلابية

هذا غيض من فيض فيما يخصّ مسيرة هذا الرجل الذي فقده الوطن، ولعلّ ممّا يفيه حقّه ما جاء بقلم المؤرّخ محمد ضيف الله في كتابه الصادر عن المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر الصادر عام 2020 تحت عنوان ‘أزمة الحركة الطلابية التونسية من خلال الوثائق’:
‘إنّ برنامج 1973 الذي حرّره الطالب محمد لخضر لالة وآخرون وقعت المصادقة عليه يوم 19 جانفي من تلك السنة من قبل وزير التربية محمد مزالي الذي وجّه بتاريخ 14 فيفري منشورا إلى العمداء يدعوهم فيها إلى تمكين الطلبة من إجراء انتخابات الهياكل النقابية المؤقتة التي أسندت لها مهمّة تحضير المؤتمر الاستثنائي إلا أنّ السلطة ما لبثت أن تراجعت عن موقفها يوم 17 مارس عند تعويض الوزير” ص 425.
لقد عمل المنعّم لخضر طوال إقامته في فرنسا بنفس الحماس لمساعدة مواطنيه العرباء فأسّس سنة 1982 جامعة تضمّهم Association des Tunisiens en France
كما تجدر الإشارة بأنّه استنجب كعضو باللجنة العليا لتحقيق أهداف الثورة سنة 2011، وهو المناضل الطلابي والاجتماعي والسياسي الذي لم يغادر ساحة النضال قط منذ بواكير شبابه وعلى امتداد قرابة الستة عقود.
رحمه الله رحمة واسعة ورزق أهله وذويه وجميعنا جميل الصبر والسلوان.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى