صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ محمد الطالبي (1921-2017): المُفكِر الجَسُور

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

ديني هو الحريّة
الإسلام حريّـة
إذن الإسلام هو ديني..

كأنّي بهذا القياس المنطقي السقراطي يختزل فكر رجل منّا، شغل الناس في أواخر أيّامه وكان قد طلع عليهم بمدوّنة – تجاوزت الثلاثين سفرا – تقطع مع المألوف.

البدايات

هو محمد الطالبي المولود بمدينة تونس يوم 16 سبتمبر من عام 1921.
زاول تعليمه الثانوي بالمعهد الصادقي ثمّ بعد إحرازه على شهادة الباكالوريا التحق بجامعة السوربون بباريس حيث تخرّج عام 1952 بنيل التبريز في اللغة العربية التي درّسها بتونس في نفس المعهد الذي درَس فيه.
ولقد قدّم أحد تلاميذه وهو العميد الصادق بلعيد (1939-2026) شهادة مؤثرة عن ذلك في موقع Leaders بعد رحيل أستاذه يوم 06 جوان 2017.

عالم مجتهد

ثمّ ككلّ المجتهدين لم يكتف بهذا القدر من العلم فشدّ الرحال من جديد إلى مدينة الأنوار وبالذات بـ ‘السوربون’ لكي ينهل منها مادّة التاريخ، فتحصّل عام 1968 على الدكتوراه بفضل أطروحته عن الدولة الاغلبية (800-909م/184-296هـ) ولقد نشرها لدى دار maisonneuve et larose بباريس، ثمّ تمّ نشرها معرّبة من طرف دار الغرب الإسلامي ببيروت عام 1985 من قبل أن ينال هذا التميّز الجديد.
فلقد اعتلى وهو الأوّل منبر عمادة كليّة الآداب في الجامعة التونسية من سنة 1966 إلى سنة 1970، ثمّ ارتقى إلى سدّة رئاسة هاته الجامعة نفسها.
كما أنّه ترأّس لسنوات قسم التاريخ التابع لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وعمل لسنوات ضمن المجلس العلمي لبيت الحكمة.
وترأّس لمدّة عشر سنوات المجلة الأكاديمية: “دراسات تونسية”.
كما أنه انتدب ضمن الفريق الذي أعدّ موسوعة الإسلام، ثمّ أسّس مجلة “مقاصد” وبالطبع شارك مع صفوة من زملائه في إعداد “مدوّنة تاريخ تونس” وكان من نصيبه ما اختصّ به أي التاريخ الوسيط وبالذات الحقبة الأغلبية.

لقاءات مع الطالبي

لقد تسنّى لي أن عرفت هذا المؤرّخ الجليل محمد الطالبي قبل أن يتحوّل إلى مجادل متّـقد Un polémiste ardent مثلما أطلقت عليه مجلة Jeune Afrique في عدد يوم 12 ماي 2017 وذلك في حقبات ثلاث:
الأولى عندما كان مديرا لدار تونس في باريس عام 1965 وكنت وقتئذ طالبا،
ثمّ عندما كان عميدا للكليّة وكنت أمينا عاما لاتحاد الطلبة،
ثمّ لمّا كان على رأس اللجنة الثقافية القوميّة من سنة 1983 إلى سنة 1989 وكنت رئيسا للجنة الجهوية بأريانة بعد سنين من “التغيير” الذي أطاح بالرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان ينعته الطالبي بـ” المستبدّ المستنير le despote éclairé ” وأصبح صاحبنا معارضا شرسا لمن أصبح مستبدّا غير مستنير.
ولقد عامله بن علي بالمثل إذ أمر بحجب كتابه ‘عيال الله’ وحتى الناشر المنعّم محمد بن إسماعيل (1926-2018) فلقد وقعت ملاحقته من بُعد على الرغم من أنّه هو الذي سيّر الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة الأولى عام 1989.
انضمّ الطالبي إلى جبهات الدفاع عن الحريات، ثمّ غيّر وجهته تماما نحو قضايا الفكر والدين. وقد كان من قبل انضمّ إلى المجلس الإسلامي الأعلى وشغف بالحوار بين الأديان، ناهيك أنّه انضمّ إلى مجلس الفاتيكان المحدث للغرض، ولكن سرعان ما بان له الحدّ من هذا الحوار، ولكن رغم ذلك فقد أسّس فريقا للبحوث الإسلامية وشارك في العديد من المجامع التي تتناول مسائل الدين والدنيا.
ومن البدء كان شديدا مع الغلاة المتطرّفين الذي يتسربلون بالشريعة وهي من بنات أفكارهم، وما أنزل الله بها من سلطان، فالقرآن وحده هو الفيصل ولذلك أسّس الجمعية الدوليّة للمسلمين القرآنيين، وكذلك كان شديدا مع الذين يقوّضون كتاب الله لأغراضهم ويحلّون ما لم يحلّه الخالق.
الكتاب بيّن وهو يقرأه على مكث ويرويه لا كما قرأه بعض السلف.
هذا الكتاب فيه دعوة للحريّة ‘فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر’ سورة الكهف الآية 29.

الطالبي ضحية الـ BUZZ

ثمّ جاء زمن التقدّم في السنّ فطوّعت نفوس بعض الإعلاميين أن تتحصّل على Buzz من خلال استضافة الطالبي، فكان بالطبع متشنّجا أحيانا وخاصّة عندما يقاطعه بعض “المتثقّفين” مثلما يسمّيهم المنعّم مصطفى الفارسي (1931-2008).
طبعا ذهب البعض إلى تكفيره وكتب البعض الآخر على حائط منزله: ‘هنا يقطن الشيطان’.
ولكنّ ذلك لم يفتّ فيه ومات هانئا مثلما كان يصرّح به لمناوئيه ” أنا نحب ربّي وربّي يحبّني” والتحقت روحه رحمه الله ببارئها ليلة الثلاثين من شهر أفريل من عام 2017 ودفن من الغد بمقبرة الجلاز.
من أقواله المأثورة:
انا اقتنع أنّ ما يقنعني لا يقنع حتما وبالضرورة غيري، بل اعتقادي أنّ قناعات غيري مهما تناقضت مع قناعاتي لا تقلّ أهميّة عن قناعاتي، ولا يعلم الحق إلا الحقّ، كلّ الحق إلا الحقّ. كلّنا طلاّب حق، علينا الاجتهاد، ونترك الأمر إلى من هو “بصير بالعباد”.

من كتاب ” ليطمئنّ قلبي”
دار سيراس للنشر 2007

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى