علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجة
والله لا ثمة شيء يستاهل تتأسف عليه ولا تبكي عليه ..
حكاية فارغة ..دخول وخروج ..
قال هاك الراجل وعندو الف حق : الدنيا ممر وليست مستقر ..
اضحك ..وانس ..وتفرهد ..وخليها على الله …
وارخي جنبك تتعلم العوم ..
واللي يعرف يعوم حتى كيف يغرق يقوم ..
تذكر دائما :
نحن عابرون …
هم سيعبرون وما انت الا عابر سبيل …
ستعبرها خطوة خطوة ..موجة موجة ..
و فجأة وبغتة يبتلعك بحر الظلمات …
يبكون عليك قليلا ..
عيون تودعك بقطرات من الدموع..
ثم وفي لمح البصر تنضم الى نادي الغابرين ..
وقد تذكرك بعض الألسن ..
كان ..وكان ..وربي يرحمو كن ” ناس ملاح “..
وهكذا ..
وصدق من قال : وتلك الأيام نداولها بين الناس ..
وعندي الصحيفة مثل الإنسان ..
للجريدة عمر محدد محدود تعيشه ثم ترحل ..
افتح كتب تاريخ الصحافة وستصادفك قائمة لها أول وليس لها آخر عن الصحف في تونس وفي العالم التي اختفت وغابت واحتجبت ..
كانت هناك مجلة راقية وجميلة اسمها ” الناقد ” ..
كان يصدرها الكاتب والناشر السوري رياض الريس ..
صدرت من لندن في حلة من اروع الحلل ..
كانت عبارة عن قطعة فنية من حيث الإخراج الفني والتبويب والطباعة والورق ولكنها لم تصمد في السوق طويلا ..
كانت تباع في كل الأسواق العربية من المحيط الى الخليج ولكن الإقبال عليها كان ” يحشم “..
صبر رياض الريس وصمد وتحمل الخسائر ولكنه في النهاية ” باع وروح “..
اغلق مجلته العروس وبحث عن مقهى لندني كئيب يجلس فيه ليمضغ همومه ..
كانت المجلة جادة ..وكانت اقلامها ممتازة ..وكانت تطرح القضايا الكبرى ..قضايا الثقافة العربية …ولكن في الريح …
امة لا تقرا لا تقبل على مثل هذه المطبوعات ..
هي تريد خرافات وخزعبلات وفرقعات ..
وما أكثر ” الناقد” ..فلقد تعددت الاسماء والموت واحد ..
قال لي عبد الباري عطوان :الصحافة الورقية فات زمانها ..ولذلك تركت جريدة ” القدس العربي “..
سألته وكنا في مكالمة تليفونية غداة انسحابه من ” القدس العربي ” : كيف تغادر امبراطوريتك الشامخة وتكتفى بصفحة فيسبوكية الله اعلم كيف سيكون مصيرها ..
ضحك عبد الباري وقال : اولا “القدس العربي ” لم تعد إمبراطورية لقد صارت مكانا خانقا وضيقا وقاصرا ..أما عن التي تصفها بالصفحة الصغيرة فإنها ضربت رقم قرائي في العشرة ..
واضاف : انا لم اعد اتحمل الخسائر واريد ان امارس حريتي …إنني عبر تلك الصفحة الصغيرة اتنفس فوق الماء..
ومضى عبد الباري في طريقه …
وقلده الكثير من الصحفيين العرب ومشوا في نفس الطريق …
وليس لي ان أحكم على التجربة الجديدة ولكن ما أنا متيقن منه ان الصحافة الورقية صارت تثير الرثاء والبكاء ..
اقول لكم ذلك وانا متيقن مما اقول ..
انا ” طايح من السلوم ” .
اعرف ان التوقف عن لمس الورق ليس بالأمر السهل ..
اعرف ان الخروج النهائي من غرف الأخبار ليس ” لعبة “..
اعرف ..واعرف ..
ولكن ” مخزن مسكر ولا كرية مشومة “..
ان سياسة ” اجبد ماترد ” لا يمارسها الا الاغبياء والحمقى والمجانين ..
ومن يصر على ” ضرب راسو على الحيط “…ليس بطولة ولكنه ” بهامة ” ..
والعاقل لا يلقي بنفسه الى التهلكة ..
والدنيا دوارة ..
وكل زمان له أحكامه …ولا بد من المرونة …والواقعية…
وكما ان كل نفس ذائقة الموت …فإنه كل جريدة ذائقة الموت …
ومن لم يمت اليوم سيموت غدا …




