صلاح الدين المستاوي يكتب: قراءة في ديوان ‘المديح النبوي’ للشاعر الليبي عبد السلام خليل


كتب: محمد صلاح الدين المستاوي
صاحب هذا الديوان أديب من أدباء ليبيا وشيخ من شيوخها الكبار كان لي شرف التعرّف عليه في منتصف الستينات، وكنت لا أزال تلميذا في التعليم الابتدائي كان صديقا حميما للشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله، وزميلا له في التدريس في معهد أحمد باشا في طرابلس وفي إعداد الحصص الدينية في الإذاعة الليبية، وكان يجمع بينهما الكثير من المشتركات إذ كلا منهما من الشعراء..
منذ تلك الفترة المبكرة وأنا أرقب وأتابع تلك العلاقة المتينة بينهما والتي امتدت الى أخريات حياة الوالد سنة 1975.
عرف التونسيون وشيوخ الزيتونة وأدباؤها الشيخ عبد السلام خليل رحمه الله لأول مرة في أربعينية فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله التي أقيمت في المسرح البلدي وشهدت مشاركة تونسية وعربية (من ليبيا والمغرب ومصر والجزائر وسوريا..) يومها هز الشيخ عبد السلام خليل أرجاء المسرح بقصيد عصماء مطلعها
(إن فاضل والفاضلون قليل وكذا الحياة تنعّم وأفول)..والقصيد تضمنه العدد الخاص الذي أصدرته مجلة جوهر الإسلام عن الاربعينية.
تواصل مستمر
واستمر التواصل بين شاعرنا الكبير عبد السلام خليل والوسط العلمي والثقافي في تونس من خلال تردده عليها حيث جمعه الوالد بشيوخها في المنزل بمقرين كلما حل ضيفا على بلادنا ومن خلال ما نشرته له مجلة جوهر الإسلام من بحوث وقصائد شعرية.
قلت إن الشيخ عبد السلام خليل رحمه الله من كبار شعراء ليبيا واشعاره متنوعة ولعل ارقاها هو شعر المديح النبوي والذي احسنت صنعا دار الرائد للنشر عندما جمعتها في سفر حقق ما تضمنه من قصائد وقدم له وعلق عليه الدكتور محمد المنصف القماطي الذي تتبع كل مراحل حياة ومسيرة الشيخ عبد السلام خليل منذ نشأته وتدرجه في التحصيل العلمي إلى أن خرج إلى ميادين العطاء تدريسا وتعليما وتوجيها وإرشادا متوقفا عند مختلف أغراض شعره في المديح المحمدي.
تضمن ديوان المديح النبوي قصائد مطولة تحمل عناوين ( البردة الخليلية; يارب صل عليه منقذ الامم؛ يا آمنة بشراك؛ صلوات زكية؛ طلع البدر علينا؛ محمد سر الوجود؛ الله زاد محمدا تكريما؛ الهمزية الخليلية).
ضمن الصفوة من الشعراء
ومن خلال هذه القصائد نلاحظ أن الشيخ عبد السلام خليل اختار أن يكون من تلك الصفوة من الشعراء الذين يمتد سندهم الى حسان بن ثابت وكعب بن زهير وصولا الى البوصيري و الشقراطسي و امير الشعراء احمد شوقي الذين لا تزال قصائدهم الرائعة يخلد التاريخ ذكرها تنشد في المناسبات الدينية وفي الأفراح والمآتم متضمنة سيرة وشمائل الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ولعل سبب خلودها وانتشارها مشرقا ومغربا أن من قيلت فيه تلك القصائد هو من رفع الله ذكره وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
من عناوين قصائد ( ديوان المديح النبوي) والتي يبدو فيها ومن خلال عناوينها ومضامينها أثر قصائد الامام البوصيري( البردة الخليلية والهمزية الخليلية) وكذلك القصائد التي يجرى ترددها على ألسن الناس ( يارب صل على منقذ الامم؛ يا آمنة بشراك؛ طلع البدر علينا؛ الله زاد محمدا تكريما)
وليس من هدفي في هذه الإطلالة أن أحلل وأدرس مضامين( ديوان المديح النبوي) فذلك ما قام به الدكتور محمد المنصف القماطي في المقدمة التي كتبها دراسة وتحقيقا لديوان المديح النبوي في ما يزيد على ستين صفحة من الديوان الذي تبلغ صفحاته حوالي 160 صفحة
حسبي أن أورد للقارىء بعض ابيات من قصائد ديوان المديح النبوي
يقول الشيخ عبد السلام خليل في قصيد( يارب صل عليه منقذ الامم)
يارب صل عليه منقذ الأمم في يوم بعث الورى من ظلمة العدم
يوم الوجوه ترى بيضا وسودا وما تجدي العصاة دموع التوب والندم
ويوم من جعلوا الأهواء الهة يأتون بكما وعميانا وفي صمم
ما من مغيث يغيث الناس يومئذ سوى إمام الهدى المفرد العلم
محمد اية كبرى سماوية لارضنا قد حباها بارىء النسم
محمد لبني الإنسان مدرسة علوم منهجها من واهب النعم
وفي( الهمزية الخليلية )يقول الشيخ عبد السلام
أيها الكوكب المشع الضياء في آفاق الخضراء والغبراء
كنت للعالمين فتحا مبينا اسعد الأرض بعد طول شقاء
وبعثت مؤيدا لكتاب هو نور هدى وسر شفاء
كان حقا منهاج دين ودنيا وملاك سياسة وقضاء.
( يا آمنة بشراك )
يقول الشيخ عبد السلام
يا آمنة بشراك سبحان من اعطاك
بحملك لمحمد رب السما هناك
في رجب شهر العجب
كما تسميه العرب
حملته دون تعب
او نصب أضناك
ورجب شهر حرام
سفك الدم فيه حرام
بشير أمن وسلام
قد شع فيه سناك
وفي قصيد (صلوات زكية )
يقول الشيخ عبد السلام
يارب صل على النبي وآله
مع كل نفس في الصدور ترددت
وفي قصيد( طلع البدر علينا)
يضيف الشاعر أبياتا عديدة في نفس النسق من حيث المبنى والمعنى الى ما اعتاد الناس انشاده مما توارثوه عن أسلافهم
قد أتيت في سرور وبخطوات سراع
وبدأ الصبح جليا ليس يعلوه قناع
حين اطللت لوجه مشرق مثل الشعاع
وفي قصيد محمد سر الوجود( انشودة الإسراء)
يقول الشيخ خليل
محمد سر الوجود رمز البشارة والسعود
نبع الصفاء عطر الورود سامي الخلال والشيم
كان مثالا للوفاء كان عفوا منصفا
صلوا على المصطفى نور الدجى منذ القدم
ويقول الشيخ خليل :
الله زاد محمدا تكريما وحباه فضلا من لدنه عظيما
وسما به الرحمان جل جلاله فوق العباد وزاده تكريما
ما هذه الأبيات التي أوردتها من ديوان المديح النبوي للشاعر الليبي الشيخ عبد السلام إلا مطالع لقصائد طويلة أبيات بعضها بالمئات ضمنها صاحبها احاسيسه و مشاعر الحب الشديد الذي يكنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا غير غريب عن شعراء ربوع الغرب الاسلامي التي تمتد من فزان وطرابلس مرورا بتونس والقيروان وصولا إلى بجاية وتلمسان وفاس ومكناس ومراكش وبلاد شنقيط وتمبكتو والقديس وكانو دون أن ننسى سبتة وقرطبة وإشبيلية في الأندلس…
فقد ترك ولا يزال علماء وادباء وشعراء هذه الربوع في الادب المحمدي نثرا وشعرا ما خلد ذكرهم وعظم ثوابهم مما يعبر عن صادق حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين نعد الشيخ عبد السلام خليل رحمه الله بما صاغه من قصائد في ديوان (المديح النبوي+ والذي لا يعني هذا العرض المختصر عن العودة إليه للنهل من معينه العذب.




