صالون الصريح

يوسف الرمادي يكتب/ شطوط أحواز العاصمة سنة 1909: شاطئ حلق الوادي (الجزء الثاني)

aramadi
كتب: يوسف الرمادي

قبالة رادس والتي يمكن أن نصل إليها عن طريق البطّاح توجد نقطة ‘حلق الواد’ ثمّ خير الدين فالكرم فـ صلامبو وهي منتشرة على المضيق الضيّق وتصل حتّى قرطاج و سيدي بوسعيد والمرسى وهو الشاطئ الأكثر أرستقراطيّة…

لكن من بين كلّ هذه الشطوط يبقى شطّ “حلق الواد” الأكثر شهرة وارتيادا والذي لم يره في الشتاء سوف لن يعرفه عندما يزوره في الصيف، فهو مستعمرة لليهود الذين طردوا في الماضي من الأندلس وصيادين من صقليّة، فحلق الواد تصبح مع أوّل موجات الحرّ (تروفيل) افريقيّة حقيقيّة والجزيرة العالميّة اليونانيّة (سيتار) ومكان عالمي للبرودة، فهي تسبح على الأعمدة وتنشر السُرور…

ومن يريد أن يذهب أو يرى حلق الواد عليه أن يكون ذلك يوم السبت أو الأحد عندما تكون تونس محمولة على سككها الحديديّة وعرباتها العرائسيّة حشودا من كلّ الأجناس ومن كلّ أنواع الثياب ومن كلّ أنواع الجنسيّات ومن بقيّة المحطات البحريّة وينتشرون على البرزخ كما يأتون بالعربات وبالدرّاجات الهوائيّة وبالسيّارات أمّا من رادس فكانوا يأتون عن طريق البطّاح…

لكن الذي يبقى مسيطرا على حلق الواد هو العنصر اليهودي، هذه الجاليّة المختلفة في المظهر الخارجي ومن خلالها فقط نرى حياة التطوّر المتواصل من خلال القرون المختلفة.
إذ نجد هنا القرون الوسطى المظلمة لإسبانيا بمحاكم التفتيش والمحارق وحكم ( الألشيمي ) والسحر، ونرى هذا بالكامل من خلال هذه المسكينة الذابلة والمرتعشة وكأنّها مازالت مضطربة من تذكّر كلّ الأهوال التي عاشتها وهي شاحبة وكأنّ جلدها قد تكلّس بلهيب المحارق فهذه العجوز المسكينة التي تلبس معطفا وقلنسوّة سوداء وقبّعة مذبّب التي فرضتها -سيّئة السمعة- “ايزابيل” المسيحيّة على الساحرات والتي حافظ عليها العرب في ما بعد. كانت بناتهنّ -بعد أن تحررن من العادات – يتفسّحن بسراويل بيضاء منتفخة بأقمصة بألوان بارزة وكانت الأذرع الحمراء والمنتفخة تبرز من خلال كمّ الأطفال وأرجلهنّ السمينة تنزلق في حذاء الساحرات…ومنهنّ من رَمَينَ فوق سراويلهنّ “الزواف” شالا هامشي من زمن جدّاتنا فنحسبهنّ نسوة منتشيات وقد نسين أن يلبسن تنوراتهنّ.
فكلّ هاته “الدَنْدُونَات” وكلّ هذه البَالُونَات المنتفخة كنّ يلبسن أحذية طويلة كبيرة (برودكان) رائعة، وهذه البغلات المسوّمة بالذهب والفضة وأحذية “سندرييان” وأحذية صينيّة لذلك نتساءل كيف لمثل هذه القلاع أن تتفسّح على هذه الارجل الجميلة للساحرات..
بينما وفي نفس الوقت نساء كثيرات أصغر منهنّ يتركن ملابس الأسلاف المرعبة ويُعَوِّضْنَها بثياب أكثر عصريّة وكان من حين لآخر يَعْتَرِضَنا صدفة جنبا إلى جنب الأسلاف بقبّعات الساحرات والأمّ بلباس الحمّام الإيطاليّة مع البنت الخفيفة ,الضعيفة ,والمرتجفة وقد لبستْ آخر صيحات الموضة الباريسيّة .
وكذلك عند الرجال نفس التطوّر المتوازي شال (تيربون) أسود و تبان رمادي عند المتقدّمين كثيرا في السنّ ثمّ الشاشيّة الحمراء والأحذية الملوّنة وفي الأخير بدلة مع سترة و قبّعة أصحاب القوارب. لكن الموجة البارزة هذه السنة للاستحمام في البحر هي جبّة الحرير الرقيقة وقبّعة سائقي السيّارات.
لكن وسط هذه المهزلة وبين “أفراس البحر” من اليهوديات نجد ضبّاط فرنسييّن وممرّضات (توسكان) بدبابيس لمسك الشعر من ذهب ووشاحات الدانتيل.
والجنود العرب المأخوذين بأكوام الشحم هذه والمُحِبّين للحفلات الذين رشقوا زهرة وراء الاذن اليسرى. والمتأنّقين من التونسييّن بأنوفهم “الإستنبوليّة” وقد رشقوا الزهر في مكان أقْفَال أقمصتهم، والصقلييّن المساكين الذين يشبهون قليلا سكّان “بروتون “الفرنسيّة وبعض البدو بحميرهم ولاعبات التياترو في ملاهينا ومن هنا وهناك وجه صوفيّ لمالطيّة كُسِيَتْ بالأسود.
والتي لا نراها إلّا قليلا في أنهج حلق الواد هي المرأة المسلمة، إذ أنّها تبقى ظاهرة هنالك في الارتفاع ومن وراء “البرمقلي” ترى وتلاحظ و تنتقد كلّ شيء.

شاطئ ‘الروتند’

لكن يجب أن نذهب خاصة للشاطئ هذا الشاطئ المشهور ب”الروتند” وهي باختصار عبارة عن ‘مركب من زهور’ الإفريقي وهي تسمّى هكذا بدون شكّ لأنّها مربّعة وقد تقدّمت كثيرا في البحر. وهي مقامة على أعمدة مرتبطة بالساحل عن طريق قنطرة صغيرة وهذه ال”روتندات” منتشرة على ضفاف البحر وعندما ننظر إليها من بعيد وقد لفّة ب” قماش الباش” نحسبها حيوانات بحريّة أو هي رخويات كبيرة وعجيبة خرجتْ إلى سطح الماء لأخذ الدفء من الشمس ومن أحسن هذه الرونتندات “الروتند المصريّة ” وروتاند اللذّة البحريّة ” “وروتاند اللذّة الحقيقيّة “.
عرب ويهود وحتّى أوروبيون يأتون في النهار وحتّى في الليل لأنّه بقدر ما تكون الحرارة شديدة في تونس فهنا درجة الحرارة تكون رائعة فريح البحر المحمّلة بالملوحة تكون رطبة وباردة.
وكانت قد اصطفّت ب شبه الطوّافات المطلّة على البحر(الرونتندات)- الكراسي والطاولات والأبناك أين يجلس المصطافون وهم يَقْدِمون الفستق ويشربون الليمون و يستنشقون زهر الياسمين ويتفرّجون على السبّاحين ويرمون الفلس للأطفال المتطفّلين المتشرّدين الغير خطيرين, وكان بعضهم يلعب ألعاب الحظّ يقترحها المالطيين أين يمكن أن نربح دجاجة أو أرنبا أوبطّة, والتي كان يتجوّل بها المالطي في قفص. ثمّ إن كان الشعور بالحرّ شديد يذهب لكراء ثياب السباحة ليرتميّ في الماء ويصعد للسطح ثمّ يرتمي من جديد..

طالع أيضا/ يوسف الرمادي يكتب: كيف كانت شواطئ أحواز تونس سنة 1905 (الجزء الأول)

للمقال صلة في جزء ثالث..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى