يوسف الرمادي يكتب: كيف كانت شواطئ أحواز تونس سنة 1905 (الجزء الأول)


كتب: يوسف الرمادي
الحديث عن شواطئ تونس سنة 1909 جاء في كتاب الأديبة الكاتبة الجوّالة ‘هاري مريام’ فقد زارت تونس في هذه السنة، وكتبت عدّة مقالات عن المدينة وعن عادات وتقاليد سكّان العاصمة وأحوازها، ونشرتْ هذه المقالات تباعا في الجرائد الفرنسيّة ثمّ جمعتها في كتاب بالفرنسيّة تحت عنوان “تونس البيضاء” وأنا بصدد ترجمة هذا الكتاب…
وبمناسبة الصيف أنشر ما كتبته عن شواطئ أحواز تونس العاصمة.
(1)
الإعلان عن دخول الصيف/ وصف شاطئ رادس وسيدي بو سعيد
في أوّل شهر أوت من السنة العربيّة يقع الإعلان رسميّا على دخول الصيف. فبعد ساعة من منتصف النهار يقع الإعلان من أعلى الصوامع عن انتهاء الربيع الشيخ وتعلم الجهات الأربعة ولادة الصيف ببهجته.
كانت القطارات تنطلق من محطّة الايطالييّن (الباساج حاليّا) ومحطّة الفرنسييّن (تونس البحريّة حاليّا)قبل الفجر وقد ازدحمتْ بالجباب والحايك قاصدين للاستحمام وتحيّة الشمس عند خروجها من البحر وهي عادة قديمة عندهم من علامات الوثنيّة .
أمّا في المدن فكانوا يقومون بغسل المنازل وإعادة طليّ ” يد فاطمة ” التي كانت معلّقة على أعلى الأبواب وعندما لا يجدون الماء المالح يتبلّلون حول الآبار والحنفيات .
كُنَّ يعترضنك في كلّ لحظة وقد سَدَدْنَ الانهج الضيّقة متّجهات نحو الحمّامات وهنّ كالصناديق الضخمة والصافيّة وتتقدّمهنّ وصيفة وقد كُوَّمَتْ منديلا اسفنجي على رأسها وتحمل في يدها منديلا أخر به عجينة مزيلة للشعر وأنبوبا معطّر لصقل البشرة وتطهيرها…
وعندما تصعد الشمس وراء الولّي “سيدي بالحسن ” تكون تونس على درجة من البياض واللمعان والإضاءة وعلى درجة من التعب والضجر نحسبها معها سيّدة جميلة ذهبت باكرا لتنغمس في البحر.
لكن هذه سباحات لا تهمّ العنصر البشري فقط بل تهمّ كذلك ذوات الأربعة التي لها شواطئها وهي مخصّص للحيوانات. وهي شواطئ تأتي في الترتيب مباشرة بعد شواطئ النساء .فلكي يكون للحمار قُدْرَةُ على التحمّل وللبخل أعصاب قويّة وللثور القوّة فمن الضروري أن تذهب هذه الحيوانات كذلك لترتميّ في أمواج البحر.
وليس هنالك ما يثير لاهتمام ويدفع للتَفكُّه أكثر من تفريغ سفينة نوح فيندفع الصهيل والمواء لا يستطيعون مقاومة هذه القدرة العجيبة لهذه الارتماءة الصيفيّة في البحر.
أمّا الجمال التي كانت تقاد من طرف البدو بدون شكائم وكانت تتمعّن في هذه الصحراء من المياه بأعين مثبّتة وذاهلة, بينما كانت الأمواج تتكسّر تحت قوائمها كأنّها بين سواري قنطرة قديمة و منحدرة..
ثمّ تذكّرتْ –بدون شك-أنّه منذ العصور القديمة قد شبهها الشعراء بسفينة الصحراء وعندها ترتمي بحزم واقتناع وتبدأ في السباحة وهي تميّل أعناقها الطويلة وقد غرقتْ سنانها الشبيهة بالقطّ الوحشي وكأنّها آلة إنقاذ تتقاذفها الأمواج.. أمّا الجمال الصغيرة فقد كانت والوبر على ظهورهنّ وبرؤوسهنّ التي تشبه العصافير يتبعن أمّهاتهنّ مثل البطّ قبل الطوفان وقد صعدنا على أرجلهنّ وكأنّهنّ مناطيد صفراء.
شمّ ريح البحر
مع أوّل شهر أوت كلّ تونس العربيّة تُخْلِي المدينة لتذهب لـ “شمّ ريح البحر” وكانت مختلف الطرق المؤدّية للشواطئ تمثّل استعراضا غريبا لكلّ أنواع نقل المتاع. فالبداية تكون مع العربات وهي عربات “ميروفجيانيّة” بعجلاتها المنحوتة عبارة عن نقّالة بدون أذرع أي صندوق مربّع وقد زخرف بالأسماك فيبدو كأنّه علبة سردينة كبيرة.
هنالك كان يزدحم الأثاث الصيفي وهي عبارة عن حشايا من القش رصّفتْ بدون نظام فوق بعضها ترصيفا عجيبا وكانت محاطة بقصاع كبيرة للكسكسي ومن الوراء علّقت “دربوكة ” التي بدونها لا يمكن لأيّ قافلة أن تتمتّع بالراحة والاستجمام. وفي بعض الأحيان وعندما تكون العائلة المتنقّلة من العائلات الارستقراطيّة نرى -وقد علّقت فوق قلعة الحشايا وهي تضحك للشمس وقد أذهلتْ السهول العتيقة- خزانة بمرآتها التي صنعت في ضواحي “سان أنطوان ” فكلّ عربيّة تحترم نفسها لا يمكن أن تسافر في أيامنا هذه دون هذه الملحقات فهي مثل حقيبة اليد بالنسبة للبارسيّة.
كما نرى في بعض الأحيان تشكيلات من” الكراريس”(جمع كرّوسة) المطليّة بأزرق سماوي و اصفر زعفراني مجرورة ببغال في أعناقها قلائد نسائيّة يسوقها سائق يلبس ثيابا مطرزة زاهية وهي “كروسات” عميقة وقد أغلقتْ بحاجز هو عبارة عن خزانة رسم عليها زهرة ترمز للنبّ وكانت تنشر رائحة العنبر والياسمين على غبار الطريق هؤلاء هنّ أميرات البايات أو قد يكنّ من حريم الأسياد الأقوياء.
وهنالك مجموعة أخرى أقلّ غموض لكن أكثر مخلّفات وكنّ يُظْهرن من خلال الستائر كثيرا من الخواتم بأياديهنّ وأظافر محمّرة ولهنّ لمعان أسود لعيون خبيثة. هنّ ‘العاهرات’ (هكذا في النصّ الفرنسي) وهنّ كذلك يغيّرن مكان إقامتهنّ ولولا صعوبة الشرطة القرآنيّة التي تحرص على الاستقامة النسائيّة لكنّ قادرات على الكشف على أطراف أنوفهنّ.
وهنالك قافلات كتابيّة (تقصد اسلاميّة) تستعمل الأحمرة أين تكون المرأة موثوقة للأثاث وزوجها يتبعها راجلا. لكن هذا النوع من التنقّل صار قليلا فالطبقات المتوسّطة والرجال بصورة عامة يستعملون القطار الذي تحيط سككه بالعاصمة وبحيرتها بشبكة متقلّبة وهو تناقض غريب بين هذا الميكانيك العصري المثير للدخان وهذه الرؤوس الباليّة و الأقمشة الأولمبيّة التي تنحني من الأبواب بينما الإوزّ الوردي يتطاير مفجوعا وكانت على طريق “رادس الرومانيّة” العصافير الصغيرة تزقزق هازئة بين أشجار الزيتون.
رادس –مكسولا القدامى- الموجودة بين بحيرة تونس والخليج أين توجد مدينة صغيرة مُبْهِرَةْ وهي مائلة على الربوة أين حقول الدلّاع وسط السهل وأين عدد كبير من أكوام الرمال أمام البحر فهو الشاطئ الشعبي للعرب.
هو ( دياب) أو” التريبور الافريقي” أين تجار الأسواق ومترجمي المحاكم وصغار ملّاكي الأراضي يأتون للكراء بالشهر أو بالأسبوع “برّاكات” صغيرة غريبة حمراء وزرقاء وخضراء وهي عبارة عن منازل صغيرة كأنّها منازل أوراق اللعب بُنِيَتْ على ارتفاع وبشرفات مغلقة ودرج مفتوحة وعندما نرى هذه المنازل نتعجّب كيف صمدتْ ولم تتطاير مع أوّل هبات رياح البحر.
وفي المساء بينما يكون الرجال يرتاحون في المقاهي العربيّة الموجودة على شاطئ البحر ينبعث من هذه الخلايا أو من صناديق العرائس هذه, حركة منزليّة خارقة للعادة من الهمس والضحكات المكتومة ر وتختم بمجموعة من الفتيات اللاتي ينزلن من هذه البيوت وهنّ ماسكات بأيادي بعضهنّ ويجرين ليرتمين بثيابهنّ في البحر. وكنّا نراهنّ وهنّ يقفزن ويرقصن وعلى رؤوسهنّ “فولاراتهنّ” الورديّة والصفراء والبنفسجيّة. ثمّ ترجع المجموعة وتكون أحزمتهنّ ذات الألوان الحلوة قد التصقتْ على خصورهنّ الرقيقة بينما تكون سدرياتهنّ القصيرة قد ارتفعتْ بمفعول صدورهنّ حديثة البروز.
أمّا النساء اللاتي كنّا ملفوفات تماما ب”السفاسير”(جمع سفساري)فكنّ يسبحن بعد ذلك في مكان منعزل بعيدا عن الأنظار ومحروسات بأعين الوصيفات اليقظة .
الهي …كم هنّ جميلات وشاعريات هاته الملفوفات إلى الأبد في هذه الساعة من الشفق وفي هذه الوحدة الحزينة إذ نخالهنّ تاج من القطع صغيرة من الرغوة أو هنّ تَحْلِيقَة من عصافير البحر الثلجيّة والتي تُدَوَّحُ بها طوال أحلامها وأمواج.
سوف لن أنسى إحدى الأمسيات “برادس” بينما كانت الشمس النّاريّة تنام وراء السهل , من خلال الجريد الحارق لنخلة وحيدة, ومن بعيد كان بوقرنين وجبل الرصاص وهضاب الـ(البيزاسين) تنشر زرقة ساطعة. وكان الخليج كلّه وردي بينما ثلاث أشكال بيضاء تخرج من الماء بتأنّي وكأنّهنّ حوريات من الغوة (منفيس جيكوم ) يأتين إلى الشاطئ.
كانت فخامة الأميرة” نازلي” المصريّة تملك منزلا وكان مخفيّا في حديقة من الأزهار وشجر القوارص وكان لفرنسا مقرّها الصيفي والباي قصوره.
وفي القديم -قبل احتلالنا (تقصد فرنسا) للبلاد -كان كلّ الشاطئ ملك للباي ولحرمه البحري وإلى اليوم ما زلنا نرى حمّامات النساء وهي عبارة عن أحواض فسيحة أين تدور العجلات العجيبة للتأرجح التي كانت تجلس فيها الشركسيات الجميلات اللاتي تغصن تحت الماء ثمّ تظهرن وهنّ مبلّلات كأنّهنّ سبّاحات وكان هذا يقع تحت أنظار أسيادهنّ.
سيدي بوسعيد هو مكان إقامة مخصّصة للمسلمين فقط وهي مسكونة خاصة من العائلات الشريفة شيوخ القرآن الذين علّقوا مساكنهم على الصخرة المنحدرة ليكونوا قريبين من الهدوء ومن الله. وفي الأسفل حُفِرَ مرفأ أو مخبأ في الصخور أين نرى تتقدّم “شاليهات” مبنيّة على العرصات التي طليتْ بالوردي الباهت والأزرق السماوي والأخضر الباهت كذلك, وفي داخلها توجد شقق كاملة مكسوّة بثراء ومطبخ وركن للأكل وقاعة كبيرة محاطة بالأرائك و كان تحت ألواح أرضيتها مكان ترابي يفتح مباشرة عند الرغبة على مربّع من البحر.
وبعد أن يكونوا قد تعبّدوا في النهار هنالك في الأعلى في المسجد فإنّ المسلمين المحترمين ينزلون إلى هنا لهذه المقاصير لقضاء الليل وكانوا ينظرون للماء وهو ينساب تحت أقدامهم ويستمعون لـ ‘الدربوكة’ والمزمار ويحرقون عجين العنبر ومن خلال هذه الفتحات تخرج النسوة للاستحمام في البحر فيرتمين ويصعدن ثمّ يرتمين ثانيّة ويطلقن العنان- تحت أنظار أسيادهنّ- لكلّ الألعاب البهلوانيّة وهنّ محصّنات من أعين الخارج بستار محيطا بعرصات “الشالي” وكأنّه خيمة بحريّة…
للمقال صلة في جزء ثان…




