عيسى البكوش يكتب/ توحيدة بن الشيخ بن زينة (1909-2010): أوّل طبيبة أهليّة في تونس


كتب: عيسى البكوش
هي واحدة من تلكم النساء التي قال فيهنّ أولاد أحمد ‘نساء ونصف’
هي امرأة شامخة شموخ قرية رأس الجبل موطن آبائها..
هي توحيدة بن زينة بنت المنصور بن الشيخ وحلومة بن عمّار شقيقة الزعيم الطاهر (1889-1985) الذي أمضى على وثيقة الاستقلال يوم 20 مارس 1956 بصفته رئيس حكومة التفاوض مع فرنسا.
ولدت توحيدة في الثاني من شهر جانفي من عام 1909.
توفي والدها وهي رضيعة وكفلتها والدتها وآلت على نفسها أن تبلغها أعلى مراتب العلم والمعرفة فألحقتها في مدرسة نهج الباشا ثمّ بمعهد نهج روسيا حيث تحصلت على شهادة البكالوريا ـ آداب ـ بامتياز عام 1928 وكانت أوّل فتاة مسلمة تنال هذه المرتبة.
طارت إلى باريس
وشاء القدر أن تتعرّف على زوجة الحكيم Etienne Brunet (1873-1960) مساعد الحكيم Charles Nicolle (1866-1936) مدير معهد باستور والمتحصّل عامئذ على جائزة نوبل ليتدخّل الأوّل لتمكين فتاتنا من السفر إلى فرنسا للالتحاق بكليّة الطب بباريس واتخذت هناك إقامة بالمركز الدولي للطالبات الكائن بشارع Saint Michel على مرمى ورد من المطعم الإسلامي المعروف بـ115.
وفي عاصمة الأنوار نشطت صحبة أترابها من الذكور في رحاب جمعية طلبة شمال إفريقيا التي ترأسها الدكتور سالم الشاذلي (1896-1951).
ولقد أوردت مجلة الصادقية في أحد أعدادها صورة تتصدّر فيها الشابة توحيدة صفوة الطلبة التونسيين في تلك الفترة من أمثال أحمد بن ميلاد ومحمد علي العنابي ومحمد عطية وعثمان صفر وأحمد وعبد الرحمان علولو والطاهر الزاوش.

نالت الدكتوراه في الطب
نالت شهادة الدكتوراه في الطب بتفوّق عام 1937 وولّت وجهتها إلى وطنها وفتحت في البدء عيادة بنهج باب منارة وأقبل عليها النساء والرجال، ولكنها أولت اهتمامها المهني والاجتماعي للأطفال فكانت الراعية لهم والأمّ الحنون، وقد منّ عليها الخالق من زواجها سنة 1943 من الدكتور محمد الصادق بن زينة بالبنت والابنين..
في مستشفى شارل نيكول
يقول الصديق محمد علي بالحولة في كتابه ‘الطبيب التونسي’ الصادر سنة 1995: ‘عملت الدكتورة توحيدة بمستشفى شارل نيكول وأسهمت مع الدكتور Valensi في برامج مدرسة النساء للقوابل سنة 1955… ثمّ ساهمت في الجمعية التونسية للتنظيم العائلي وأحدثت أوّل مصحّة في عام 1968 وتولت إدارة العمران البشري التي أصبحت فيما بعد ديوانا.
كما أنها انضمّت بحسب ما ذكره ابن خالها الصديق الشاذلي بن عمّار في كتابه عن والده الصادر سنة 1995 إلى جمعيّة “جهاز الوليّة” La layette Tunisienne والتي أسّستها والدته زكية بن عيّاد سنة 1950 ويذكر أنّ ” توحيدة بن الشيخ كانت متفرّغة للنسوة المقبلات على مقر الجمعية بسوق العصر ثلاث مرّات في الأسبوع. وقد تواصل نشاط هذه الجمعية إلى سنة 1958 لتصبح فيما بعد ‘أطفال بورقيبة’.
أوّل مجلّة نسائيّة
هذا إلى جانب أنشطتها الأخرى مثل إدارة أوّل مجلّة نسائيّة بالفرنسيّة “Leyla” سنة 1937 ثمّ إسهامها في الحركة الوطنية من ذلك أنها كانت ضمن الوفد الذي تحوّل يوم 4 فيفري 1952 إلى منطقة الوطن القبلي لمعاينة فظائع الجيش الفرنسي من 25 جانفي إلى 02 فيفري من تلك السنة.
ولقد قاد الوفد المنعّم الطاهر بن عمّار بصفته آنذاك رئيس الجبهة الوطنية التي كانت تضمّ فيما تضمّ الزعيم الحبيب بورقيبة.
ولقد انتسبت إلى الاتحاد النسائي الذي بعثته المناضلة بشيرة بن مراد، كما أنها شغلت لعدّة سنوات خطّة نائب رئيس للهلال الأحمر التونسي.
كادت أن تصبح أوّل وزيرة
هذه الامرأة التي غادرتنا إلى عالم أفضل يوم السادس من شهر ديسمبر سنة 2010 كان ممكنا أن تصبح أوّل وزيرة في تونس.
في شهادة للمنعّمة فتحيّة مزالي (1927-2018) أدلت بها إلى مجلة “حقائق” إثر وفاة مواطنتها الدكتورة بن الشيخ خطّت: ‘لم يكن الرأي العام سنة 1956 ليصطدم لو أنّها عيّنت وزيرة من قبل خالها رئيس الحكومة ولكن ذلك لم يقع” ولعلّه لم يقع لأنّ فعلا خالها هو رئيس الحكومة لئلاّ يرمى بالمحسوبية.
وعلى كلّ فإنّ توحيدة بن الشيخ نالت من الحظوة في حاضرها وفي غائبها ما هو أرقى وأبقى. فلقد بادرت بلادنا سنة 2012 بإصدار طابع بريدي يحمل صورتها ثمّ من بعد ذلك وبالتحديد يوم 27 مارس سنة 2020 بإصدار ورقة نقدية تخليدا وتكريما لهاته الأسطورة التونسيّة.
اسم خالد
لقد ختم الصديق محمد علي بالحولة الحديث عن مترجمته بهذه الإشارة الثمينة: ” لقد عدّت توحيدة بن الشيخ من شهيرات النساء لا في تونس وإفريقيا بل في بلدان العالم كما أثبتته الصحفية الإنقليزية Perdita Huston في كتابها The Right to choose الصادر في لندن سنة 1992.”
ويلذّ لي أن أشير أيضا إلى ما قامت به السيدة Dominique Voynet الوزيرة الفرنسية السابقة للبيئة بصفتها رئيسة بلدية Montreuil وهي إحدى ضواحي باريس بإطلاق اسم توحيدة بن الشيخ عام 2019 على المركز الصحّي بمدينتها.
فعود على بدء إذ تعود توحيدة الفتاة المجتهدة في عشرينات القرن الماضي إلى معينها المعرفي وهي معمّرة لتنحت اسمها في الديار الفرنساويّة وهي كما انطلقت … شامخة…




