نوفل سلامة يكتب: أي مستقبل للإنسانية في عالم متقلب يسير نحو تفكيك الدولة الاجتماعية؟


كتب: نوفل سلامة
نقاش فكري وسياسي كبير يدور هذه الأيام في فرنسا مداره قضايا مصيرية فجّرها اليسار الفرنسي بقيادة زعيم حزب فرنسا الأبية ‘جون لوك ميلانشون’ أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة تلامس، وتتناول معضلة الأجور التي باتت لا تفي بالحاجة ولا تغطي نفقات معظم العائلات الفرنسية…
هذه الأجور التي أصبحت مصدر توتر وقلق خاصة مع ارتفاع الأداءات والضرائب التي ارهقت العائلات والطبقة الشغيلة وهي وضعية انتجت حالة من اليأس وفقدان الثقة في العيش بسلام وفقدان الثقة في المستقبل .. ونقاش آخر حول التقاعد وفكرة العودة إلى سن 62 كحد أقصى للعمل حتى لا يرتهن العامل لمصلحة صاحب العمل ويتحول عبدا للجهاز الإداري والاقتصادي في عصر باتت فيه حقوق الانسان الميزة الأساسية وحتى يجد الإنسان سنا مناسبة للراحة والقيام بأعمال أخرى وشواغل مختلفة..
نقاش حول التعليم
ونقاش آخر حول التعليم ودور المدرسة بعد أن تراجع المستوى وكثُرت الأخطاء المنهجية البيداغوجية مما جعل العملية التربوية تتحول إلى عبء ثقيل على التلميذ ومصدر عناء للأولياء جعل المدرسة تفقد اشعاعها القديم كقاطرة للمدنية والتحضر والتثقيف ومصعدا لتحسين الوضع الاجتماعي والارتقاء في المكانة الاجتماعية…
المدرسة ‘مريضة’
فالمدرسة الفرنسية اليوم أصبحت مريضة بمشاكل كثيرة تفرض إصلاحات جذرية وتفكير جديد .. ونقاش آخر حول الخدمات العمومية وما حصل من تراجع رهيب في الكثير من المؤسسات خاصة التراجع في المرافق الصحية والمستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية، وكل ما يتعلق بالتغطية الاجتماعية في علاقة بفقدان الأدوية وارتفاع أسعارها وفقدان الأطباء الذين تقلص عددهم بصفة كبيرة حتى بات المريض يحتاج إلى أكثر من شهر ليظفر بموعد مع طبيب خاص أو عمومي لفحصه…
وهي كلها قضايا تطرح السؤال المصيري حول مدى بقاء هذه الخدمات حقوقا جماعية تضمنها الدولة وتكفلها وسؤال حول السبيل للمحافظة على هذه الخدمات كصورة من صور دور الدولة الاجتماعي في عالم متغير ومتقلب تعرف فيه الدولة تلاش لمهمتها الاجتماعية، وتغوّلا وتمكن منطق السوق ومنطق السلعة وتحكم الربح المادي في المقدرة الشرائية للأفراد..
هي معركة كبرى لا بد من خوضها للحفاظ على فكرة الدولة الحاضنة للمجتمع وفكرة المهمة الاجتماعية لهذا الكيان الجامع لأفراد تجمعهم روابط مشتركة عديدة فوق رقعة جغرافية محددة يتعين أن يلعب فيها دورا مؤثرا للإبقاء على هذه الوشائج الجامعة حية باعتبارها رمز هويتها ومصدر قوتها ودوامها…
رهان بقاء الدولة
إن رهان الإبقاء على فكرة الدولة بمفهومها الاجتماعي يقتضي التفكير في البدائل والحلول التي من شأنها أن تُقلص من الفجوة الموجودة بين ما يتم تحقيقه من ثروة و نمو اقتصادي وبين ما يتم توزيعه من هذه الثروة بالتساوي، وما يعود من عدالة اجتماعية بين كافة فئات المجتمع وخاصة الفئات الفقيرة وسكان المناطق والجهات المحرومة والمنسية والمهمشة..وهو مسار طويل يفضي إلى بذل الجهد لمحاصرة حالة الغضب وفقدان الأمل لدى عدد كبير من أفراد الشعب الذين فقدوا الثقة في الدولة والأمل في الحل الجماعي والتقليص من حالة الرفض والتمرد والانفلات التي نجدها عند فئة الشباب الذي يعيش حالة العجز ووضعية اللا معنى وحالة التيه وانسداد الأفق…
وهي فئة بدأت تفكر أو قل شرعت في اللجوء إلى حل مشاكلها من خلال التعويل على ذاتها وعلى الحل الفردي وهي وضعية تغيب فيها الدولة ويقل حضورها.
ما البديل الاجتماعي؟
وهذا الجهد المطلوب بذله يستوجب التفكير في البديل الاجتماعي للتخفيف من عبء الغضب المتنامي عند غالبية فئات الشعب بسبب تعثر التنمية وتراجع الحلم الجماعي في سياق عالمي يشهد تقلبات كثيرة وتوترات ومراجعات في كل الاتجاهات والمجالات وتمدد ظاهرة الشعبوية والقوميات والعودة الى الذات والنفس العميقة والهويات الضيقة والوطنية في مفهومها القومي اللصيق بالمصالح القُطرية التي لا تتجاوز الحدود الجغرافية للبلدان…
سؤال حول مستقبل الإنسانية
وهذا النقاش الواسع الذي يعيشه الفضاء الأوروبي اليوم ونحن معنيون به يطرح كذلك سؤال مستقبل الإنسانية ووضع الإنسان المعاصر، وصورة الدولة في ظل عالم متقلب يسير نحو تفكك هذا الجهاز وتراجعه عن لعب دوره الاجتماعي..
فما يجري اليوم في العالم من تطورات متسارعة وتحولات بنسق غير مسبوق وما نتج من مخاطر بسبب تداعيات السياسات الغربية، وما يحصل من انتشار للأنظمة الشعبوية وفكرها وارتداداتها على وضع العمال والفقراء والطبقات الاجتماعية المتوسطة يطرح بالضرورة سؤالا آخر يتعلق بمآل الديمقراطية وانظمتها السياسية وآليات حكمها وخاصة فكرة الديمقراطية التمثيلية ومدى حاجة المجتمعات إلى الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني…
ذلك أن الهاجس اليوم بعد كل هذه التحولات لم يعد يتعلق بموضوع التداول على السلطة ولا موضوع التنافس التقليدي بين الأحزاب السياسية، حول من يحكم بل أصبح الهاجس يتعلق بمصير الإنسان ومستقبل الدولة الاجتماعية، ومن يمولها ومن يديرها وكيف تدار الدولة وكيف يتم حمايتها من التفكك التدريجي الذي ينتظرها والتلاشي الذي وراءه تمدد الفكر النيوليبرالي ونمذجة العالم وفق فكرة الاقتصاد الرأسمالي المعولم…
أزمة عميقة
والأزمة تزداد عمقا وخطورة حينما نعلم التهديد الذي تمثله التحولات البيئية والتكنولوجية المتسارعة في سياق معرفي يعرف التشكيك في الكثير من المسائل العلمية والحقائق التي يُعاد النظر فيها في علاقة بالكثير من الأمراض التي تعطى لها أدوية وعلاجات أضحت اليوم موضوع تساؤل وبحث من جديد…
وفي علاقة بإعادة توجيه السياسات الفلاحية نحو حماية الصحة العامة والحفاظ على الموارد الطبيعية وهذا النقاش يأتي في سياق متوتر تبحث فيه شعوب دول الجنوب على الإمكانيات المتاحة للحد من التبعية للقوى النافذة والمتحكمة في منظومة العولمة وفك الارتباط مع علائق المستعمر القديم وصناعة مستقبل جديد بقرار سيادي مستقل وسياسات حرة وتفكير وخيارات حرة تحقق السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي.




