صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: الاستفزازاتُ الفرنسيّة لجمهوريّة مالي والحَنينُ إلى ماضٍ استعماريٍّ آنَ لَهُ أن يَنْدَثِر!

adanille
كتب: هادي دانيال

بعد أن رَزَحَتْ شُعوبُها تحت نيْر الاستعمار الفرنسي ستّة عقود تقريباً كجزء مِمّا كان يُسمّى ‘السودان الفرنسي’ حصلت جمهوريّة مالي سنة 1960 على استقلالٍ مشروطٍ بِنُفوذ فرنسي وعسكري يضمن لباريس مواصلة نهْب ثرواتها..

إلى أن أنهى المجلس العسكري المالي الحاكِم الوُجُودَ الفرنسيَّ سياسيّاً وعسكريّاً ومُغادرة آخِر كتيبة عسكريّة فرنسيّة البلاد رسميّاً بتاريخ 15 أوت 2022، وذلك بعْد خروج مظاهرات شعبية عارمة في مدن مالي الشمالية خاصة تطالب بخروج القوات الفرنسيّة من الأراضي المالية فوراً.

بلدٌ زراعيٌّ

فالمعروف عن مالي أنّها بلدٌ زراعيٌّ فقير يقوم اقتصادُه على زراعة القطن وقَصَب السكّر والذرة وماشا بَه وتربية الماشية وصَيْد السَّمَك النهري، فمالي جمهوريّة داخليّة لا تُطِلُّ على بَحرٍ لكنْ يخترقُها نهرا “باني” و”النيجر” وتتوسّطُها بُحَيْرَةُ ديبو، وعدا عن موقعها الجغراسياسي اللافت غرب إفريقيا حيث تحيط بها الجزائر، موريتانيا، السنغال، بوركينا فاسو، غينيا، والنيجر، فإنّ هذه البلاد تزخر بالثرواتِ المعدنيّة كالذهب واليورانيوم والليثيوم وخام الحديد والمنغنيز والماس والفوسفات والنحاس والاسمنت والرخام والغرانيت والملْح وغيْرها، ناهيك التنقيب ذي النتائج الجيّدة مؤخّراً عن النِّفْط واستغلال الهيدروجين الطبيعي.

الثروات المعدنيّة وراء الأطماع

الأطماعُ الفرنسيّة بالثروات المعدنيّة مُضافاً إليها ما تّمَّ التنقيب عنه مِن ثروات الطاقة، كانت وراءَ التدخُّلِ العسكريِّ السافر في شؤون مالي الداخليّة، خاصّة التدخُّل المعروف بعملية برخان سنة 2013 بذريعة الوُقوفِ إلى جانبِ النظامِ الحاكِم لِمُواجهةِ الجماعاتِ المُسلَّحة مِن الجهادِيِّين والمُرتزقة، وواقعُ الحال أنّ جهات خارجية كانت وراء زَرْع هذه الجماعاتِ لِضَرْبِ استقرارِ البِلادِ وإشاعةِ فوضى تستثمرُها لِنَهْبِ ثروات جمهوريّة مالي. وهذا دَيْدَنُ سياساتِ “عاصمة النور؟” ازاء المُستعمرات الفرنسيّة السابقة التي كانت ولاتزال تعدُّها فناءً خلفيّاً مُباحاً لها تعبَثُ بمصائرها كلّما اقتضت “مصالِحُ باريس الاستراتيجيّة” ذلك.

ولكنّ المُستعمِر الذي خَرَجَ جيشُه يجرّ ذُيولَ الخيْبة لا يزال يُكابِر مُحاوِلاً العودةَ إلى البلاد مِن نافذةِ التجسُّسِ، حيث يتحرّك تنظيمَي “القاعدة و “داعش” وغيْرَهُما مِن جماعاتِ الإرهابيِّين التكفيريِّين والمُرتزقة ضدَّ حكومة “باماكو” لزعزعة استقرارها، فكانت في هذا السياق فضيحةُ “الدبلوماسي” الفرنسي اللفتانت كولونيل يان ف ، الضابط في الاستخباراتِ الخارجيّة الفرنسيّة الذي أصدرت محكمةٌ في باماكو حكْماً يقضي بِسجْنِه عشرينَ عاماً، إلى جانب غرامة ماليّةٍ وتعويضٍ رمْزيٍّ لصالح الدولة الماليّة.

إنهاء التعاون وغضب فرنسي

والمُفارقة أنّ أوّل ردّ فعْلٍ لباريس كان إنهاء “تعاوُنها” مع باماكو في مجال “مكافحة الإرهاب” وطرْد دبلوماسيّين ماليين، مُهَدِّدَةً بإجراءاتٍ أخرى إذا لم يتمّ الإفراجُ عن ضابط المخابرات الفرنسي، ومتلطِّيةً وراءَ الزعْم بأنّ ضابطها هذا يَتمتَّع بحصانة دبلوماسيّة وفْق اتفاقية فيينا 1961. لكنّ الذي بات واضحاً أنّ حكمَ القضاءِ الماليِّ الصارمَ صدرَ بَعْدَ أحَد عَشَر شهراً مِن إيقاف الضابط الذي كان يعمل في مالي تحتَ قِناعٍ دبلوماسيٍّ رسمِيّ، قبْل أن تلقي السلطاتُ الانتقاليّة في باماكو القبْضَ عليْه بتهْمة المُشارَكة في “تحريكِ شخصيٍّات سياسيّةٍ وفاعِلين مِن المُجتمَع المدني وعسكريِّين، بينهم جنرالات”، بهدفِ زعزعةِ استقرارِ مُؤسَّسات الدولة.
لقد حَمَّرَت “باماكو” عينيها الإفريقيّتَين في لحظةِ “إعادةِ تعريفٍ للسِّيادةِ” يرفضُ وُجُودَ أيّ ظلٍّ للنفوذ الاستعماري السابق حتى لو كان هذا الوُجُود ذا صبْغة دبلوماسيّة، فأيّ تهديدٍ للأمْن القومي المالي سيُحاسَب مَصْدرُهُ ويُعاقَب، و”النفوذ التقليدي” الفرنسي الذي يُكابر باستعراضِ قدراته الخفيّة على الرّغْمِ مِن أنّه يُحتَضَر سيتلقّى “رصاصة الرحمة” بِرَفْضِ التبعيّة وفَرْضِ الندّيّة.

مالي تُطالب بوقف ‘الأعمال العدوانيّة’

فباريسُ العاجزة عن أيّ ردّ عسكري تتوعَّد بِرُدودٍ دبلوماسيّة وقانونيّة، مُحاوِلةً حشْدَ دُوَل الاتحاد الأوربّي إلى جانِبِها في هذه “المعركة”، وفي الكواليس تبحث عن حلٍّ تفاوُضي قد يُفضي إلى “عفوٍ رئاسيٍّ” ماليٍّ أو السماح بنقْلِ الضابط المُدان إلى فرنسا لقضاء العقوبة التي حَكَمَتْهُ بها محكمةٌ ماليّة في السجون الفرنسيّة!. تتوهّم باريس إمكانيّة ذلك بينما جمهوريّة مالي كانت قد طالبت مجلسَ الأمن الدولي بوضْعِ حدٍّ لِما وَصَفتْه بـ”أعمال عدوانيّة” فرنسيّة تمثّلت بانتهاك سيادتها ودعْم جماعات “جهاديّة” والتجسُّس عليها، إضافة إلى “الانتهاكات المتكرّرة وكثيرة الحُدُوث” للمجال الجوّي المالي مِن قِبَلِ القوّات الفرنسيّة وتحليق الطائرات الفرنسيّة التي تقوم “بأنشطةٍ تُعَدُّ بمثابة تجسُّس” ومُحاولات “ترهيب”.
فالطائرات العسكرية كانت تُحلِّق في سماء مالي ليس فقط للحصول على معلومات استخباريّة بل وأيضاً لإلقاءِ أسلحةٍ وذخيرةٍ مِن الجو.

تصحيح الأخطاء بالأخطاء!

على الرُّغم مِن أنّ الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” كان قد اعترفَ بمؤتمرٍ صحفي خلال وُجُودِه في “كينيا” بأنّ حقبة نفوذ بلاده في الدول الناطقة باللغة الفرنسية قد انتهت، إلّا أنّه لاحقاً حاولَ تبرير التدخّل العسكري الفرنسي في مالي بأنّه “مُساعدة”، لتصرخ في وجهه مُواطنةٌ مِن بوركينا فاسو :”يجب التخلّص مِن هذا النوع من المساعدة التي تجعلنا عبيداً” مُستشهدةً بمَقُولة “توماس سانكارا” المناضل الشيوعي الذي عُرِفَ بتشي غيفارا إفريقيا وتسلّم مَنصِبَ رئيس دولة بوركينا فاسو مِن أوت 1983 إلى أكتوبر1987 ، أعني مَقولة سانكارا الشهيرة ” المُساعَدَة الحقيقيّة هي التي تقود إلى الاستِغناءِ عن المُساعَدَة”. وهذه الصرخة تتقاطع مع صرخة الناشطة المالية “آدام ديكو” التي صرخت بوجه ماكرون أيضاً قائلة :”أنا هنا لا أخاطب شَخْصَكم بل أخاطب منصِبَكُم. إنّ ما يَحصلُ في دُوَلِ الساحل (ساحل الصحراء) هو مِن تداعياتِ ونتائجِ ما حَصَلَ في ليبيا مِن تدخُّلٍ عسكريٍّ قادتْه فرنسا، وأنا لا أريد أن يحصلَ لبلدي ما يَحصل بليبيا. تعترفون بأنّ ما حصلَ في ليبيا خطأ ولكنكم تُصحِّحُون أخطاءكم بارتكابِ المزيد مِن الأخطاء”.

مٌفارقة عجيبة!

المُفارقة المُرّة هي أنّ فرنسا التي تزعمُ أنّها تتدخّل لِمُساعدةِ الشعوب الإفريقيّة هي التي تستثمِرُ في طباعةِ النقودِ المُسمّاة العمْلة الاستعمارية (فرنك CFA) لأربعة عشر بلد إفريقي مُقابل الحُصول على خمسين بالمائة مِن صادراتِ هذه البلْدان، وفرنسا هي التي تُشغّل الأطفال الأفارقة في مناجم الذهب ببوركينا فاسو وتزجُّ بأجسادهم النحيلة في ثقوب ضيّقة تحت الأرض لمُراكمة عائداتِ ذلك في الخزينة الفرنسيّة، ومِن النيجر تستخرِجُ ثلاثين بالمائة مِن حاجتها إلى اليورانيوم لتشغيل مُفاعلاتها النوويّة بينما قرابة التسعين بالمائة مِن مُواطنيّ النيجر يعيشون بِدُون كهرباء. ومع ذلك يتبجَّح “ماكرون” بأنّه لولا تدخُّل فرنسا في “الساحل الإفريقي” لما وُجِدَت حكومةٌ فعْليّة في مالي، لتردّ عليه الناشطة المالية “آدام ديكو” بأنّه “لولا الأفارقة لما كانت فرنسا مَوجُودة اليوم”.

لم تكن تصريحات “ديكو” المالية و زميلتها من بوركينا فاسو مجانبة الصواب، فـ الأفارقة كانوا فحْمَ قاطرة فرنسا الاستعمارية كمُقاتِلين في جيشها الاستعماري وكبنّائين لِمُدُنِها وبلْداتِها ومَصانِعها ومَباني مُؤسّسات الدولةِ بَعْدَ الحرب العالميّة الثانية، والمُؤسف أنّ فرْض اللغة الفرنسيّة لغةً رسميّة على المستعمرات الفرنسية لم يكن مِن أجْل تنوير شُعوبِ المُستعمَرات بأفكارِ روسو وفولتير ومبادئ الثورة الفرنسية المزعومة “الحُريّة والمُساواة والأُخوّة”، بل كان الهدف مِن تعليمِ شُعوب المُستعمرات اللغة الفرنسية هو تسهيل عمليّة استعبادِ تلك الشعوب.

اضطرابات وفوضى

إنّ التدخُّل العسكري الخارجي في شُؤون الدول المُستقلّة يُفضي فقط إلى الاضطراباتِ والفوضى وعَدَم الأمْن والأمان بينما تطوُّر وتقدُّم وازدهار الدول والشعوب اقتصادِيّاً واجتماعِيّاً يكون باستقرارِها سِياسِيّاً وأمْنِيّاً، فالتدخُّلات العسكريّة مِن أجْلِ نهْب الثروات وإفقار الدول والشعوب هو الذي يفضي إلى الهجْرةِ غيْر المُنظّمة إن كان داخل القارّة السمراء إلى الدول الإفريقيّة المُجاورة أو إلى خارج القارة، هذه الهجرة التي بدورها تؤسس لأزمات إضافيّة للمُهاجرين والمُهاجَر إليهم، خاصة إن كان الوضْع الاقتصادي للدول المُهاجَر إليها هشّاً في الأساس.

ميلوني تفضح المستور!

وفي هذا السِّياق نتذكَّر تصريحات “جورجيا ميلوني” في البرلمان الإيطالي قبْل أن تُصبح رئيسةَ وُزراء إيطاليا مُخاطِبةً الرئيس الفرنسي “ماكرون” أيضاً، بأنّ “الذين قَصَفُوا ليبيا لأنّه كان يُقلِقُهُم أن تحصلَ إيطاليا على امتيازاتٍ مُهمّة في مجال الطاقة مع القذافي وتركونا نُواجه فوضى الهجْرة غيْر النِّظاميّة هُم الذين يُرسلون الدَّرَكَ إلى حُدودِ إيطاليا لِمَنْعِ أيّ مُهاجر مِن دُخولِ فرنسا”.
وبما أنّ الخِلافَ بين اللصوص يُفضي إلى الكشْفِ عن الحقيقةِ المُتعلّقةِ بالسَّرِقةِ، فقد صدحتْ “ميلوني” بالحقيقةِ عندما قالت إنّ حَلَّ المشاكل في إفريقيا ليس نَقْل الأفارقة إلى أوروبّا بل “تحرير إفريقيا مِن بعض الأوروبِّييّن”. وبالتالي مُساعدة الدول والشعوب الإفريقيّة على تأمينِ أمْنها السِّياديّ بأشكاله الغذائي والصحّيّ والثقافيّ والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعَيْش بكرامة اعتماداً على ثرواتهم الوطنيّة وعوائدها الماليّة، وهذا ما قامت وتقوم به شعوبُ الساحل الإفريقي وفي طليعتها المجلس العسكري الحاكِم الآن في جمهوريّةِ مالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى