صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: رسالة مضمونة إلى أهل الفن

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

أهل الفن الذين أعنيهم هم أهل الذكر في مجال المعمار، هكذا يسميهم الافرنجية Les hommes de l’art هم المهندسون المعماريون الذين أؤتمنوا من سالف الأزمان إلى يوم الناس على تعمير مدننا وتوفير أسباب الراحة للمتساكنين.

ولقد دلهم لذلك معلمهم الأول عبد الرحمان ابن خلدون في بعض فصول مقدمته وخاصّة الفصل الرابع من الكتاب الأوّل :”فيما يجب مراعاته في أوضاع المدن وما يحدث إذا غفل عن المراعاة” ويقصد بالمراعاة ‘مراعاة الأمور الطبيعية’…وهنا يكمن مربط الفرس.

فالطبيعة تأثر دوما لنفسها ولو طال الزمان، فالمياه كما هو معلوم تعود حتما إلى مجاريها.
فالحذر كلّ الحذر من محاولة انتهاكها فهي قد ترضخ لمعاول الإنسان وتبدي له ما ليس في باطنها ولكنها تنتفض لا محالة.
والذي يدعونا للاستئناس بالمقدمة الخلدونية التي نتأهّب لترسيمها في التراث العالمي، هو هذا الاسترسال رغم كل الذي جرى ويجري في البناء وحيث لا يتفق كيفما اتفق، أي دونما احترام للتضاريس ولحرمة الأودية وبخاصة للأوضاع المناخيّة لهذا البلد.

هل هذا مقبول؟

فهل من المقبول أن نلجأ في تونسنا التي تلامسها أشعة الشمس قرابة الثلاثة مائة يوم في السنة إلى مواد مثل البلور والالومنيوم وهما اللذان يميّزان العمارة في بلاد الصقيع.
ثم نتساءل من بعد ذلك لماذا نحن شعب يستهلك الطاقة بنهم، والحال أن مبانينا الحديثة مصنفة في خانة ما اصطلح على تسميته بـ ‘الملتهمين للطاقة’ Énergivores
لماذا لم نحافظ ـ مع تطويرها بالطبع ـ على أشكال عمارتنا في المدن العتيقة أو ‘العربي’ مثلما كان ينعتها المستعمر لقد استبطنا هذا المدلول في وعينا فلمّا تحرّرنا من ربقة الاستعمار ملنا بشراهة إلى المعمار الأوروبي ظانين أنّ ذلك سيُعلي من شأننا الحضاري.
والأغرب من ذلك أننا حتى في جهات اعتمدت منذ قرون على المواد الطبيعية وعلى الاشكال المحلية Vernaculaires مثل الجريد وجربة قفزنا قفزة مريبة نحو الجديد غير الملائم للذائقة العريقة والتي آمنت المتقدمين من القرّ والحرّ، فأين الحوش وأين البهو وسط الدار واين الآجر الملآن والقبو وأين المقصورة.
كل أولئك أصبحوا نسيا منسيا بينما هي مواد عازلة بامتياز، ولقد تفطن إليها مهندسو ما وراء البحر وأشاروا إليها بالبنان.

الوظيفية والجمالية

فمتى نعي بأننا سرنا في الاتجاه الخطأ وقوّمنا وجهتنا وعدنا إلى رشدنا.
ومتى نتخلص من مقولة المغلوب يتأسّى بالغالب، فلا غالب إلا الله، ولنبدأ بجعل مناهج التدريس في مدارس الهندسة المعمارية ملائمة لخصائص طبيعة هذا البلد وموروثه المعماري وما يميّزه في بعدين: الوظيفية والجمالية Fonctionnalité et Esthétique.
ألم يرد في أثرنا الشفوي: ‘كلّ بلاد وأرطالها’، و’كلّ واحد يبني من طينو’.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى