صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: محمّد المرزوقي (1916-1981): الكاتب الذي يعود إليه الفضل في تدوين الأدب الشعبي

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

غزالي نفر بعد الغضب ما ولّى
وقلبي عليه حزين ما يتسلّى
ما راعني من بعد ما دللني
ردم قص غصن الحب قبل الغلّة.

هذه إحدى روائع الغناء التي كانت المطربة صليحة تشدو بها وهي من نظم إمام الأدب الشعبي ومدوّنه محمد المرزوقي المولود بدوز في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر من عام 1916.

انتقل إلى مدينة تونس وهو في العاشرة من عمره بعد أن حفظ القرآن في زاوية جدّه عمر المجدوب فتعلّم في مدرسة نهج الكنز ثمّ الزيتونة حيث تحصّل على الأهليّة عام 1935 ثمّ التحصيل عام 1944 بالموازاة مع انتسابه إلى الخلدونية، وهو ما زال يانعا في حرفة الكتابة، وانخرط في الصحف السيّارة حتى أصبح صحافيا قارا في جريدة “النهضة” من سنة 1944 إلى سنة 1953.
كما انخرط وهو في عنفوانه في الحركة الوطنية فكانت أوّل محنه أحداث 9 أفريل 1938 وهو ما ترتّب عنها إبعاده إلى موطنه، ثمّ اعتقاله يوم 01 ماي 1940 ونفيه من جديد إلى دوز ولم يعد إلا سنة 1943.
وقد جادت قريحته وهو في المنفى بهذه الأبيات التي ضمّنها ديوانه “بقايا شباب” الصادر عن الدار التونسية للنشر سنة 1966:

إذا ما سجنت أنا اليوم ظلما
لسوف أكون السجين الحميد
سجنتم زعيم البلاد الحبيب
وما كنت يوما إليه بديـــــــد
سأصبر حتّى أنل المعالي
وإلاّ فإنّي نعم الشهيـــــــــد

انضم إلى حزب بورقيبة

هذا التنويه بالزعيم الحبيب بورقيبة هو رديف لانضمام المرزوقي إلى حزب بورقيبة المؤسّس عام 1934 وتوليه مسؤوليات جسام في هياكله وأبرزها رئاسة الجامعة الدستورية بالجنوب من سنة 1947 إلى سنة 1954.
لقد جاء في كتاب “فصول من تاريخ تونس المعاصر” للصديق عميرة عليّة الصغير، الصادر بتونس عام 2010: ” من الجنوبيين المستقرّين بالعاصمة زمن أحداث 9 أفريل 1938 هؤلاء الذين عرف عليهم انضواء مبكّر ومتميّز للعمل الوطني ومن بينهم بلحسين جراد من المطويّة ومفتاح سعد الله من الحامّة ومحمد المرزوقي من دوز” ص 240.

انخرط في الحراك الثقافي

كما أنّه انخرط في الحراك الثقافي والفنّي في فترة ما بين الحربين فانضمّ إلى الرشيدية وعمل في لجنتها الأدبية وساهم بقسط في إثراء المدوّنة الشعريّة لها، ومن أشعاره: “عيون سود مكحولين” لا راضية لا مباغضة لا حسد” من تلحين خميس ترنان و”عودي” من تلحين عبد الحميد السلايتي وأداء فتحية خيري.
ولقد انضمّ إلى الهيئة المديرة للمعهد الرشيدي من سنة 1965 إلى ما بعد سنة 1980.
جاء في كتاب “الرشيدية” لمحمّد السقانجي الصادر عن شركة كاهية للنشر عام 1986: ” لم يتخلّ محمد المرزوقي عن الرشيدية التي عاشرها قرابة الخمسة وأربعين عاما فأعطاها عزّ أيّام شبابه وكهولته”ص62.
وقد تميّز خلال تلك الفترة بنصرته للفنانين التونسيين إلى حدّ التدخّل لفائدتهم وهم في المهجر.
جاء في كتاب “فتحية خيري فنّ وشجن” لفاخر الرويسي الصادر عن دار تونس للنشر عام 2018: “عندما اشتدّت الأزمة بين نقابتي الفنانين في تونس ومصر بخصوص بإيعاز من البعض، ونظرا للمكانة الأدبية التي كان يحظى بها في مصر الأديب محمد المرزوقي تدخّل هذا الأخير للتوسّط بين النقابتين وإرجاع الأمور كما كانت عليه وهو ما حدث”.

دخل الإذاعة

التحق بالإذاعة سنة 1957 فألّف الروايات وأنتج عديد البرامج ومن أشهرها “بين الخيمة والعين” و”جولة في الشعر الشعبي” و”شعراء من الماضي”.
كما أنّه انضمّ إلى جمعية “الكوكب التمثيلي” واهتمّ بالكتابة التاريخية وبسير الأبطال من أمثال الدغباجي وعلي بن خليفة والبشير سديرة ومصباح الجربوع.
ومثلما يقال عن الشعر بأنّه ديوان العرب فإنّ مسرح المرزوقي هو ديوان هذا البلد.

عرّف ودوّن الأدب الشعبي

ثمّ تأتي المرحلة الهامة في تاريخ الرجل وتاريخ تونس، إذ أنّه لمّا تولى سنة 1961 رئاسة قسم الأدب الشعبي إلى سنة 1976 جمع زخما من الروايات الشفوية للأدب الشعبي فعمل طيلة عقد ونصف على التعريف به وتدوينه، فإليه يعود الفضل في المحافظة على هذا الموروث اللامادي.
هو من مؤسّسي اتحاد الكتّاب التونسيّين سنة 1970 واتحاد الشعراء الشعبيين، وكذلك المهرجان الدولي للصحراء بدوز.

منشورات محمد المرزوقي

ألّف العديد من الكتب سواء بالاشتراك مع خلّه الجيلاني بالحاج يحي “الطاهر الحدّاد” الذي أحرز على جائزة بلدية تونس عام 1950 و”معركة الجلاّز” و”ليل الصبّ ومعارضاتها”، أو بمفرده كمثل “ثورة المرازيق” و”دماء على الحدود” و”مع البدو في حلّهم وترحالهم” الصادر عن الدار العربية للكتاب.
كتب عنه أبو القاسم محمّد كرّو في “حصاد العمر”: ” إنّ مكانة المرزوقي الثقافية مكانة لا تضاهى وخدماته الوطنية والأدبية قد تواصلت لمدّة خمسين سنة خلت أغنى في مرحلة منها بنضاله الوطني وما عاناه من آلام السجون والمنافي رصيدنا النضالي المجيد وملأ حياتنا الأدبية المسموعة والمقروءة بإنتاجه الخصب والمتنوّع ما لا نظير له ولا شبيه” ص 148.

الأعمال الكاملة

انتقل إلى رحمة الله يوم 14 نوفمبر 1981 ولقد تعهّد ابنه البار الشاعر والأكاديمي رياض المرزوقي بإنجاز الأعمال الكاملة للفقيد في 10 أجزاء، وقد صدر الجزء الأوّل منها عام 2012.
لقد رثاه الشاعر الملهم أحمد اللغماني فقال:
“طوباك! رحلت عزيز النفس !.
ورحلت عن الدنيا فبكينا
ورثيت لنا في محنتنا
فبكيت علينا
طوباك ! فأنت الحيّ الحيّ
تعيش على الآباد وتخلّد
فاذكرنا في جنّاتك
وادع لنا بالرحمة يا محمّد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى