نوفل سلامة يكتب/ عبد المجيد الشرفي: لا يمكن أن ننهض ونتقدم إلا من خلال اللغة العربية


كتب: نوفل سلامة
يبدو أن الإصدار الأخير للأستاذ عبد المجيد الشرفي ‘خواطر في بناء مستقبل تونس’ سوف يحدث كغيره من إصداراته السابقة جدلا كبيرا ويفتح نقاشا عاما حول الأفكار التي يعرضها…
فرغم صغر حجم الكتاب إذ لا تتجاوز عدد صفحاته 128 صفحة إلا أنه مشبع بكم كبير من الأفكار والرؤى حول مستقبل البلاد والمآل الذي يراه يتحقق في أفق لا يحدد حيزه الزمني، ولكن يؤكد أنه سوف يتحقق لا محالة
فـ حركة التاريخ حسب رأيه تفرض الحركة والتغير والانتقال إلى الوضع السليم الطبيعي وإن تم التنكر إليه في فترات زمنية استثنائية.
اقتحام عالم جديد
في هذا الكتاب الصادر عن دار ‘نظر للنشر’ 2026 ينتقل عبد المجيد الشرفي من تناول القضايا الحضارية والإشكاليات الفكرية المرتبطة بالمسألة الدينية والحضارة الإسلامية وما يتعلق بفهم النص الديني وقضية التأويل وآليات التدبّر والقراءة الجديدة للقرآن، وغير ذلك من القضايا التي طرحها في كتبه السابقة والتي حملته إلى مناقشة الفكر الديني عموما وفكر حركات الإسلام السياسي بشقيه المعتدل القابل بالحياة الديمقراطية والعمل السياسي السلمي والشق العنيف المتطرف الذي يطرح فكرة الخلافة الإسلامية بديلا للحكم المعاصر، ينتقل إلى حقل آخر من المعرفة ويقتحم ميدانا حوله خلاف كبير ويضع نفسه في موضع عالم المستقبليات والمختص في استشراف المستقبل وتقديم الفرضيات والتنبؤات الممكنة عن وضعية المجتمعات..
وهو ميدان عبارة على خليط من الاختصاصات حيث يمتزج التاريخ بالجغرافيا والسياسة بالفكر والفلسفة بالاجتماع بالتجربة الشخصية، فهو يقول أن كتابه هذا هو عبارة على خواطر وتأملات توّصل إليها بعد تفكير عميق لصورة تونس في أفق لا محالة آت، ونظرته لتونس في قادم السنين ووضع البلاد كما يراه ويتمناه من خلال جملة من القضايا يراها ضرورة لصالح البلاد، فما يقدمه عبارة على رؤية استشرافية وخارطة طريق لبناء جديد مستقبلي يقطع مع حالة العتمة والركود والانسداد التي عليها البلاد…
يطرح عبد المجيد الشرفي في كتابه جملة من الأفكار يرى من الضروري أن نتبناها وننطلق في تطبيقها إن أردنا لهذا البلد أن يتقدم ويتطور ويواصل عملية النهضة التي بدأت بعد الاستقلال ويتخلص من وضع التعثر الذي حصل في السنوات الأخيرة وفي سنوات أخرى قبل الثورة، فهو يرى أن تونس هي دولة أمة وبلد يقوم على فكرة الأمة ذات الخصائص المميزة، والتي صهرت كل الثقافات وكل الوافدين عليها من شعوب مختلفة في كيان واحد وشعب واحد أفضى إلى وجود أمّة تونسية بخصائص ومميزات محددة لا يشاركها فيها أحد، وهذا لا ينفي حسب رأيه أن تكون هذه الأمة جزءا من العالم العربي وأن تكون لها روابط معه وهذه الفكرة تجعل من تونس بلد ذات سيادة كاملة.
في المسألة السياسية يرى أنه من الضروري العودة إلى دستور 1959 والقيام بتعديلات وإدخال بعض التغييرات بما يعيد إليه طابعه الديمقراطي ويقطع الطريق أمام الحكم الفردي والحكم الاستبدادي ويقدم ضمانة أن لا يتحول الحكم إلى ملك عضود وسلطة مطلقة إلى الأبد.
في موقفه من العمل الحزبي فهو يرى أن البلاد لا تحتاج إلى عدد كبير من الأحزاب والتشكيلات المشتتة من دون فائدة، لذلك فإنه من الضروري حسب رأيه الاكتفاء بثلاث عائلات حزبية لا غير وحصر التنافس السياسي بين حزب محافظ وحزب وسطي وحزب يساري وفي علاقة بتواجد حزب سياسي على أساس ديني فإن الشرفي لا يخفي معارضته قيام حزب على أساس ديني وموقفه هذا مؤسس على فكرة منع التمييز على أساس عرقي أو ديني او جنسي او لغوي فكل حزب يقوم على أساس من التمييز فهو مرفوض عنده.
مواصلة التحرر الاقتصادي
في الجانب الاقتصادي يرى أنه من الضروري المواصلة في عملية التحرر الاقتصادي ودعم حرية المبادرة بالنسبة للأشخاص، ولكن في إطار تحقيق هدف الارتقاء الجماعي ومن أجل الرفاه لكل أفراد الشعب فهو يرفض الرؤية الليبرالية للاقتصاد ويعارض الحلول الرأسمالية لذلك فهو يرى أن البلاد لا تتقدم إلا برؤية اقتصادية يمتزج فيها البُعد التحرري بالبعد الاجتماعي.
في المسألة الدينية يرى الشرفي أن التجربة الأوروبية في علاقة الكنيسة بالسياسة لا يمكن أن تنسحب على العالم الإسلامي، وهذا يجعل حسب رأيه إيجاد مقاربة خاصة في علاقة الدين بالشأن العام والفضاء العام، فهو يقترح أن تستقيل المؤسسة الدينية عن الدولة وأن نٌنهي التبعية لها فهو يعتبر أن من مصائب المسلمين إلحاق الشأن الديني بالدولة وتفردها بإدارته والإشراف عليه، وهذا يعني أن يعطى مهمة إدارة الشأن الديني إلى الفاعلين الدينيين والاتباع من حيث بناء المساجد وخلاص أجور العاملين فيه والاعتناء بالبنية التحتية على أن تبقى عملية مراقبة الخطاب الديني من مسؤولية السلطة المحلية في كل جهة للنأي به عن ترويج مشاعر الكراهية والعنف.
العربية لغة أولى
هذه أهم الأفكار التي تعرض لها عبد المجيد الشرفي، وكانت مدار نقاش ثري غير أن المسألة التي أخذت حيزا من الحوار وشكلت صدمة للحاضرين موقفه من مكانة اللغة العربية في عملية التعليم والتفكير والابداع فهو يرى أن البلاد لا يمكن لها أن تتقدم إلا إذا أحلت لغتها الوطنية المكانة التي تستحقها كلغة أولى، ولغة علم وإبداع وأن تونس قد تأخرت كثيرا في تعريب كل العلوم وتدريسها باللغة العربية، وأن أخطر قرار اتخذته الدولة حينما أقرت ازدواجية اللسان وتركت للفرنسية مجالا رحبا لمزاحمة العربية و التقدم عليها…
والحال أن الواقع يؤكد أنه لا يمكن لأمة وشعب أن يتقدم ويحقق نهضته من دون لغته الأصلية فكل الأمم المتقدمة تدرس جميع العلوم بما في ذلك العلوم الصحيحة بلغتها الأصلية، ومثال ذلك النموذج الياباني والإسرائيلي والبرازيلي والاسباني والماليزي وغير ذلك من الدول التي تدرس كل العلوم بلغتها الوطنية رغم أن الكثير من اللغات صعبة التعلم كـ اليابانية وبعضها لا وجود له كـ العبرية، ولكن هذا لم يمنع هذه الدول من تدريس جميع العلوم دون استثناء من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة باللغة الوطنية ولم يمنعها هذا الخيار من أن تكون رائدة في مجال التطور العلمي والتقدم الصناعي وتحقيق النهضة.
الاعتزاز باللغة العربية
عبد المجيد الشرفي يتحدث عن ضرورة الاعتزاز باللغة العربية كما تفعل بقية الأمم التي تعتز بلغتها وأن الوقت قد تأخر كثيرا ونحن على أبواب اصلاح تعليمي شامل لتدريس كل العلوم والمعارف وفي كل المستويات باللغة العربية، وهذا لا يمنع من أن يكون الى جانب اللغة لغة ثانية وثالثة وحتى رابعة ولكن الأولوية يجب أن تعطى إلى اللغة العربية فهي لغتنا الوطنية وهي لغة علم ومعرفة ولها القدرة على تحقيق الإبداع المنشود في كل المجالات والميادين.
هذا الموقف من الشرفي كان صادما ومذهلا للكثير من الحضور الذي لم يكن يُنتظر من مُفكر عُرِّف بآرائه التقدمية و التنويرية الحداثية مثل هذا الموقف من اللغة العربية وخاصة من أتباع الفرنكوفونية، ومن يرى أن العربية ليست لغة علم من منطلق أيديولوجي حاقد على الهوية العربية الإسلامية لقد حاول البعض مناقشة الشرفي وإبداء استغرابهم من هذا الموقف على اعتبار أن لغة العلم اليوم هي اللغة الانقليزية فكانت إجابة الشرفي واضحة وقاطعة من أن العلم لا لغة له ويمكن أن يُدرس ويُتعلم بأي لغة حتى باللغات الصعبة كاليابانية واللغات الميتة و المهجورة كـ العبرية… فقط ما ينقصنا نحن التونسيين هو الاعتزاز باللغة الوطنية والحماسة والإرادة الواضحة والإيمان بأن اللغة العربية لغة قوية وهي لغة علم ومعرفة..
وهذا طبعا من دون أن نتخلى على تعلم لغات أخرى متعددة فمن دون إعادة الاعتبار للعربية واعطائها المكانة التي تستحق فلن نحقق نهضتنا، فالسيادة والتقدم والإبداع يبدآن حسب عبد المجيد الشرفي من اللسان ومن إعادة الاعتبار للغة العربية.
كتاب خواطر في بناء مستقبل تونس هو كتاب إشكالي وكتاب يحمل في ظاهره الكثير من المواقف المتناقضة والكثير من المواقف غير المفهومة والكثير من الأفكار المحيّرة في علاقة بشخصية الشرفي وأفكاره وتوجهاته واختياراته حيث بدا في هذا الكتاب تقدميا من جهة ومحافظا من جهة أخرى مؤمن بالقيم العالمية من ناحية ومنتصرا للهوية الوطنية المحلية من ناحية أخرى تحرّريا في مسائل مقيّدا بالضوابط المحلية في مسائل أخرى..في هذا الكتاب الكثير من الحاضرين لم يجدوا الشرفي الذي يعرفونه…




