فنون

‘حين يصبح المجد عبئا’.. جورج وسوف بين سطوة التاريخ..وقسوة الزمن

Mohamed-El-Mohsen-ce
كتب: محمد المُحسن

ليس من السهل على جمهور أحب فنانا بحجم جورج وسوف أن يراه اليوم يصارع المرض والوهن فوق خشبة المسرح، مستندا إلى كرسي متحرك وإلى ذاكرة فنية صنعتها عقود طويلة من الإبداع والنجاحات…

فذلك الصوت الذي هز الوجدان العربي لعقود، وغنى للحب والخذلان والفرح والانكسار، لم يكن مجرد مطرب عابر، بل كان حالة فنية استثنائية حفرت اسمها في الذاكرة الجماعية لأجيال كاملة.

بين الوفاء والأسى

في مهرجان جرش الأردني العريق، ظهر سلطان الطرب منذ أيام أمام آلاف المحبين، وغنى سبع أغنيات، بينما تكفل الجمهور بإكمال معظم المقاطع التي أثقلها التعب وأرهقها الزمن.وبين التصفيق الحار والدموع المختبئة في العيون،بدا المشهد بالنسبة إلى كثيرين مزيجا مؤلما من الوفاء والأسى، وفاء الجمهور لفنانه المفضل، وأساه على حال نجم كان يوما عنوانا للقوة والحضور الطاغي.

سؤال حارق

لا أحد ينكر مكانة جورج وسوف الفنية ولا يجرؤ على التقليل من قيمة تاريخه، فهو أحد أعمدة الأغنية العربية الحديثة، وصاحب رصيد هائل من الأعمال الخالدة.غير أن المسألة تتجاوز الفن والأرقام والأجور الباهظة،لتطرح سؤالا إنسانيا وأخلاقيا أكثر عمقا: هل يستحق الفنان،بعد رحلة طويلة من العطاء،أن يواصل الصعود إلى المسرح وهو في هذا الوضع الصحي الصعب؟! وهل يمكن للشهرة أن تتحول، في لحظة ما،إلى عبء ثقيل يستنزف صاحبه بدلا من أن يكرمه؟!

صون التاريخ أهمّ

إن الهيبة الفنية لا تصنعها الأضواء وحدها، بل يحميها أيضا حسن التوقيت والقدرة على الانسحاب الكريم حين يصبح البقاء مؤلما.فالكبار لا يعيشون في ذاكرة الناس بأصواتهم فقط،وإنما بالصورة التي يتركونها خلفهم، وبالكرامة التي تحيط بتاريخهم الإبداعي.
ولعل المقارنة التي يعقدها البعض مع فنانين آخرين اختارت عائلاتهم إبعادهم عن الأضواء في سنواتهم الأخيرة،تنبع من خوف مشروع على إرث فني وإنساني كبير، ومن رغبة صادقة في أن يبقى الجمهور محتفظا بصورة الفنان القوي الشامخ الذي عرفه وأحبه.
إن المحبة الحقيقية لا تعني التصفيق الدائم،بل تعني أيضا حماية من نحبهم من الاستنزاف، وصون تاريخهم من قسوة الزمن ومن نزعة الاستهلاك التي لا ترحم أحدا،مهما كان اسمه أو مكانته.

الأمجاد الحقيقية..

وفي النهاية، يبقى الفنان الكبير أكبر من حفلة عابرة وأعظم من رقم يضاف إلى حساب بنكي.. فالأمجاد الحقيقية لا تقاس بعدد الأغاني التي تؤدى فوق المسرح، بل بالكرامة التي تحرس الذاكرة، وبالصورة النبيلة التي تستقر في وجدان الناس إلى الأبد.
بعض الأساطير لا تحتاج إلى ظهور متكرر كي تبقى خالدة، لأن مكانها الحقيقي ليس خشبة المسرح، بل قلوب الملايين التي ما زالت تحفظ لها الحب والوفاء والاحترام.
وفي النهاية، ليست المأساة في أن يخذل الجسد صاحبه بعد سنوات المجد، بل في أن يتحول التاريخ الجميل إلى مشهد يختلط فيه التصفيق بالشفقة.فبعض القامات الفنية لا تحتاج إلى وداع فوق المسرح،لأن مكانها الحقيقي يبقى محفورا في القلوب،شامخة كما عرفها الناس،وكبيرة كما صنعتها الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى