جهات

رضوان مات وهو ينقذ الناس..وربح ماتت حزنا عليه..وبقيت لارين وحدها!

تصدير:
الرجال الأنقياء يولدون مصادفة في الزمن الخطأ، ويرحلون كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر..(الكاتب)

هناك أخبار تمر أمام العين..وأخبار تسكن القلب وتؤلمه.
وبعض المآسي لا تشبه الحوادث العابرة،بل تبدو كأنها فصل أسود من تراجيديا إغريقية،كتب القدر نهايتها بقسوة لا تترك للقلب متسعا لالتقاط أنفاسه.
رضوان الحاجي، عون الحماية المدنية، خرج لأداء واجبه في حرائق الشمال الغربي.دخل إلى حيث كانت النيران تلتهم الأرض وساهم،رفقة زملائه، في إنقاذ أرواح وإبعاد الخطر عن أناس ربما لم يعرفوا حتى اسم الرجل الذي خاطر بحياته من أجلهم.
كان يؤدي واجبه…
وكان عائدا إلى بيته.
لكن الطريق كان له رأي آخر..
انقلبت شاحنته وهو عائد من المهمة، فرحل رضوان رفقة زميله، تاركا وراءه بيتا ينتظر عودته، وزوجة لم تكن تعلم أن انتظارها سيتحول إلى فاجعة،وطفلة صغيرة لم تكن تعرف أن أباها لن يعبر الباب من جديد.

لحقت بن ربح!

ثم حدث ما يفوق قدرة القلب على الاحتمال.
فجر اليوم…
لحقت به زوجته ‘ربح’.رحلت،كما يُقال،حزنا عليه،وكأن قلبها لم يجد في هذه الدنيا مكانا يستمر فيه بعد رحيله.
رحل رضوان أولا…
ثم رحلت ربح وراءه بأيام…
وبقيت لارين،ابنة الست سنوات،وحدها.
يا الله…
طفلة في السادسة فقط،كان يفترض أن تكون أكبر أحزانها لعبة ضائعة أو يوما دراسيا شاقا،فإذا بها تجد نفسها فجأة أمام أكبر فقد يمكن أن يعرفه طفل: أب غاب، وأم غابت،وبيت كان بالأمس عامرا بالدفء صار يحمل صمتا لا يشبه أي صمت.
من سيخبر لارين أن أباها لن يعود؟
ومن سيشرح لها لماذا لم تعد أمها توقظها في الصباح؟!
من سيجمع لها في صورة واحدة وجهين رحلا معا،ويقول لها إنهما سيبقيان في ذاكرتها إلى الأبد؟
أيّ قسوة هذه التي تجعل طفلة في السادسة تبدأ حياتها بتعلّم معنى اليُتم ؟!

انكسر قلبها

رضوان الذي ذهب ليطفئ الحرائق، أطفأت الحياة آخر شمعة في بيته. وربح التي حاولت أن تواصل الطريق بعده،انكسر قلبها تحت وطأة الغياب.
أما لارين..فقد وجدت نفسها في منتصف المأساة، بلا أب يحميها،ولا أم تضمها.
هذه ليست مجرد حادثة وفاة.
هذه حكاية بيتٍ انطفأ في أيام قليلة.حكاية رجلٍ مات وهو يؤدي واجبه.وحكاية امرأة لم يحتمل قلبها فراقه.وحكاية طفلة صغيرة ستكبر،وسيكون أول ما تتعلمه عن الحياة أن الذين نحبهم قد يرحلون دفعة واحدة، وأن بعض الأبواب حين تُغلق لا تُفتح أبدا.
رحم الله رضوان الحاجي وزميله،ورحم زوجته ربح،وأسكنهم فسيح جناته.وربّط الله على قلب لارين الصغيرة،وجعل لها في هذا العالم القاسي من يحتضنها،ويرعاها،ويحفظها،ويمنحها شيئًا من الحنان الذي حُرمت منه فجأة.
أما نحن،فلا نملك أمام هذه الفاجعة سوى أن نصمت قليلا..وأن نبكي كثيرا.فثمّة مآس لا تحتاج إلى تعليق..يكفي أن نذكر أسماء أصحابها،فنشعر أن شيئا في داخلنا قد انكسر.
رضوان..ربح..لارين.
ثلاثة أسماء،وقصة واحدة،وطفلة صغيرة تقف وحدها عند آخر المشهد.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى