نوفل سلامة يكتب: سؤال النظام العالمي القادم من التشابك الاقتصادي وعودة الدولة القومية إلى الخضوع للآلة


كتب: نوفل سلامة
ما يحصل اليوم في عالمنا المعاصر في هذا السياق التاريخي الذي يعرف تصاعد الأزمات والنزاعات، وما يشهده من تحولات كبرى في جميع المجالات خاصة التطورات المتسارعة في مجال تكنولوجيا الاتصال والتقنيات الرقمية الحديثة وما بات يعرف بالذكاء الاصطناعي ومجتمع الآلة…
بالاضافة إلى تحكم العقل المبرمج في كل مفاصل حياة الإنسان حتى وصل إلى مجالات دقيقة وخطيرة كانت في السابق حكرا على العقل البشري كالمجال الطبي..وما كشفت عنه الأزمات المتلاحقة والحروب والصراعات من هشاشة وضعف لكل الهياكل الدولية التي قام عليها النظام العالمي الحالي ومؤسسات المجتمع الدولي التي عرّتها الأحداث الأخيرة بدءا بالحرب على غزة وصولا إلى المواجهة العسكرية مع إيران وأكدت زيفها وخداعها…
لقد اتضح بالكاشف أنها غير جديرة بقيادة العالم وتوجيهه الوجهة الصحيحة بقيم العدل والإنصاف والإنسانية، وعدم قدرتها على إدارة العلاقات الدولية في كنف الاحترام المتبادل وضمان حقوق الشعوب وسيادتها، كل ذلك طرح السؤال حول وضع النظام العالمي الحالي، وهل نحتاج إلى إصلاحه أم تغييره بنظام آخر يكون أكثر عدلا وانصافا بين كل الشعوب والدول ومفيدا للإنسانية التي اتضح أنها تحتاج إلى نظام يُحدد قواعد العيش المشترك درءا لكل النزاعات ويرسم المبادئ في الخلافات؟
وأثار الأسئلة الكبرى التي بقيت مغيبة أو تم تغييبها عمدا طيلة عقود من الزمن كانت فيها أمريكا وحلفاؤها من حكومات الغرب الأطلسي متحكمة في كل شيء وفارضة للخيارات التنموية وأنماط العيش وطريقة الحياة لباقي الإنسانية…
النقاش العالمي اليوم تجاوز موضوع القوى التقليدية وتوازناتها في علاقتها بالمصالح والمكاسب ووضع دول عالم الجنوب في هذه المنظومة، وكل الدول الأخرى التي تعيش وضع الهيمنة والتبعية ورغبة القوى الرافضة لـ الكولونيالية الجديدة في مقاومة أشكال الاستعمار المتلوّن ليطرح سؤال طبيعة عالمنا الحالي: هل يسير نحو مزيد من الانصهار والذوبان تحت عنوان التكامل والتعاون في نظام العولمة المغلق بشبكات اقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود تقوده وتتحكم في كل مفاصله؟
تغيير وجهة العالم
أم أن العالم والإنسانية قد يغيران من وجهتهما، يقومان بحركة تمرد في اتجاه التخلص من روابط النظام العالمي الحالي وتتخذ الشعوب طريق العودة إلى الهويات التاريخية والنفس العميقة التي تُعرّف بها وتحدد شخصيتها وتختار العودة إلى الدولة القومية والمصالح الوطنية التقليدية التي يُعوّل عليها للمحافظة على الذات والجذور والتميز وتحقيق السيادة الوطنية الكاملة المهددة بالاضمحلال، والتلاشي في نظام عالمي لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا يعطي قيمة لخصوصية الشعوب وعناصر قوة هويتها؟
وفي ظل هذا المخاض الفكري والتاريخي وهذا الاختبار المصيري المرشح بحصول منعرج في تاريخ الإنسانية طُرحت جملة من الأفكار والمشاريع الفكرية والبدائل لتجاوز كل الإخلالات والمشاكل التي أنتجها النظام العالمي الحالي، ومعركة بين قوى تعمل على تغييره بنظام جديد وأخرى تحاول الإبقاء عليه واصلاحه من الداخل.
نحو إصلاح من الداخل؟
الرؤية الأكثر تداولا في هذا النقاش العالمي تقوم على فكرة عدم التخلي نهائيا على النظام العالمي الحالي وإنما إصلاحه من الداخل وإعادة هيكلته هيكلة شاملة لمسائل الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتعويل بالكلية على التطور الحاصل في ميدان التكنولوجيا الحديثة وعالم الذكاء الاصطناعي لصناعة عصر جديد، وتشكيل حضارة إنسانية جديدة تقوم على التزام الشركات الرأسمالية بخدمة المجتمع والموظفين وحماية البيئة في المقام الأول لتقليل الفجوة الموجودة للحصول على التنمية وتوزيع الثورة وتحقيق العدالة الاجتماعية إلى جانب مسألة تحقيق الأرباح، بما يجعل هذه الرؤية لهذا النظام العالمي المرتقب تتجاوز المنظومة الرأسمالية التقليدية التي تُركز بالكلية على موضوع الربح وجني الأموال.
التعاون بين الخاص والعام
هذه الرؤية التي تنسب إلى الألماني ‘كلاوس شواب’ مؤسس منتدى دافوس الاقتصادي والتي تدافع عن النظام العالمي الحالي ولا تعتبره قد انتهى، أو استنفذ أغراضه وإنما في نظره لا يزال قادرا على الإفادة من خلال إصلاحه بمزيد التعاون بين القطاعين الخاص والعام والمجتمع المدني، وبمزيد من الضبط والتدخل لمواجهة الأزمات الطارئة كـ التغير المناخي والأوبئة وتداعيات الحروب والنزاعات على سلاسل الإمداد الطاقي والغذائي، تلقى معارضة شديدة وانتقادات حادة من جانب كبير من النخبة الفكرية من بينها عالم الاجتماع الفرنسي ‘جيرالد برونر’ صاحب كتاب ‘نهاية العالم المعرفية’ الصادر سنة 2021، الذي انتقد فيه المشاريع الفكرية والسياسية التي تناقش فكرة النظام العالمي الجديد القائم على فكرة التكنولوجيات الحديثة وخاصة فكرة تطعيم آلياته بآخر ما توصل إليه العقل البشري في مجال الرقمنة وخاصة الذكاء الاصطناعي الذي يُراد له قيادة العالم وتطوير الحياة وإسعاد البشر..
فكرة خطيرة ومموهة
واعتبر أن فكرة التعويل على الذكاء الاصطناعي لبناء عالم جديد وحضارة جديدة تكون أكثر إنسانية وخدمة للبشر وإسعادها للطبقات الاجتماعية المهمشة، هي فكرة خطيرة ومموهة ومتحايلة فما يحصل في الحقيقة مع هذا الخيار الاستراتيجي، هو أننا أوجدنا منظومة جديدة أكثر خطورة من منظومة الحكم الاستبدادي والأنظمة الديكتاتورية من خلال التعويل على التكنولوجيا الحديثة، بما يعني أن هذه الأنظمة التكنولوجية الحديثة التي وُضعت هي اليوم الماسكة بالكلية بكل شيء في العالم وتحولت إلى بنى تحتية نافذة و مهيكلة ومؤسسات ولم تعد مجرد أدوات فقط…
أداة سيطرة وهيمنة جديدة
وهو نفس النموذج الاقتصادي الذي يواصل التحكم في العقل البشري و تخدير الوعي الذي يمنع الانسان من أن يحقق انسانيته وهذه التكنولوجيا هي في الحقيقة أداة سيطرة وهيمنة جديدة فهي من ناحية تتحكم في كل شيء وكل شيء ممركز لديها ومن ناحية أخرى أصبحت هي الوسيط على الفكر والتفكير بحيث أصبح الانسان لا يمكن له أن يفكر من خارج هذا الإطار المعرفي الذي يُراد له أن يبني حضارة جديدة تكون أفضل من الحضارة المادية الحالية..
وهذه الرؤية تطرح سؤالا فلسفيا وسياسيا كبيرا: ماذا يعني أن نفكر في زمن الذكاء الاصطناعي؟ وماذا نقصد بالتفكير في سياق تحكم الآلة الذكية التي أعطي لها إدارة كل شيء؟ وإلى جانب هذا النظام الشمولي الذي يٌقيمّه الذكاء الاصطناعي وصفة الهيمنة الكلية على الحياة فإن ما يطرحه
‘كلاوس شواب’ يحصر الفرد في عالم من التحكم النفسي من قبل المهندسين لهذه البنى التحتية الجديدة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، حيث ليس هناك من مجال يعمل خارج هذا الاطار وخارج النظام وخارج المنظومات الذكية فالإنسان في هذا السياق ينشأ في نظام اقتصادي وسياسي ومعرفي لقوى أخرى يجعلنا نطرح السؤال الوجودي الذي من أجله تقام اليوم معركة كبرى حول النظام العالمي ‘إلى من ننتمي’؟ بدل سؤال ‘من نحن’؟
تغييرات جذرية
نهاية العالم التي يشير إليها جيرالد برونر لم تعد تعني النهاية المادية فحسب، وإنما لتغيرات جذرية في طريقة التفكير وفهم الواقع وإنتاج المعرفة التي لم تعد حكرا على الجامعات والمراكز الفكرية والعلماء التقليديين بل أصبح بإمكان أي فرد وأي جهة إنتاج المعرفة وتوزيعها في سوق مفتوحة الولوج إليها يمكن لأي كان..
وهنا تكمن الخطورة في عملية التأثير والتوجيه وصناعة الرأي فالمعلومات لم تعد حكرا على مؤسسات بعينها، وإنما تحولت إلى سلعة قابلة للتداول والمبادلة والتدفق في سوق مفتوحة مما يؤدي الى تراجع التفكير والنقد العقلاني العميق ويجعل الإنسان محكوما بكم كبير من المعلومات المتضاربة من دون رقابة ولا فحص منهجي دقيق…




