نوفل سلامة يكتب: ‘السّيدا’ ظاهرة خطيرة تسير في صمت وتنمو في ظل مقاربات بالية..


كتب: نوفل سلامة
السّيدا أو مرض فقدان المناعة المكتسبة أو الممارسات الجنسية المتعددة غير المحمية، أو الأمراض المنقولة جنسيا جميعها تسميات وتوصيفات تعطى لظاهرة خطيرة متفشية في مجتمعنا وتنمو في صمت…
هي تتكاثر من يوم إلى آخر خارج رقابة المجتمع، ومن دون أن ننتبه إليها وهي ظاهرة لا تقل خطورة عن كل الظواهر الأخرى المتعبة والمرهقة والمكلفة ولعلّ البحث المعمق يدلنا على أن لها روابط وعلاقة مع ظواهر أخرى لا تقل خطورة كظاهرة المخدرات، وكل الانحرافات التي تتسبب في تفكك المجتمع وانحلاله.
أرقام مرض الإيدز
والعود إلى الحديث عن ظاهرة منسية والكلام عنها مُغيّب وربما نسيانها كان مقصودا في ظل اهتمام غالبية الناس بقضايا أخرى يرونها أكثر أهمية والدولة بمشاكلها اليومية مرده والدافع إليه هو ما تم نشره في الآونة الأخيرة من أرقام مُحيّنة صادرة عن جهات رسمية كشفت عن تزايد عدد الإصابات بمرض
‘الأيدز’ في بلادنا حيث تم الإعلان عن وجود 8115 حالة سيدا في تونس خلال هذه السنة مقابل 7700 حالة سنة 2024، بما يعني وجود زيادة في عدد المصابين بهذا المرض يقدر بـ 415 حالة منها 285 في صفوف الرجال و 127 في صفوف النساء و3 حالات في صفوف الأطفال، وهو رقم في مثل هذه الظواهر يعد مرتفعا خاصة إذا ما علمنا أن هذه الأرقام تم ضبطها من خلال الحالات المعلنة والتي تقدم أصحابها بإجراء فحوصات طبية، في حين هناك حالات أخرى وإصابات لم يتم التعرّف عليها مما يجعل من العدد الحقيقي غير محدد بكل دقة أمام تستّر الكثير من المصابين بهذا المرض عن حالتهم الصحية خوفا من وصم المجتمع لهم…
اللافت في الأرقام الأخيرة المصرح بها عن حالة المصابين بمرض السّيدا في تونس هو الإعلان عن وجود علاقة وطيدة بين فقدان المناعة المكتسبة وتعاطي المخدرات عبر الحقن التي يتعدد استعمالها حيث تم ملاحظة أن الكثير من المرضى هم في الحقيقة لم يمارسوا الجنس المتعدّد ولم يُعرف عنهم ممارسة الجنس المنفلت، ومن دون أخذ الاحتياطات اللازمة في مثل هذه العلاقات غير المحمية وإنما العدوى حصلت لهم جراء استعمالهم لحقنة سبق استعمالها عند تعاطيهم المخدرات من قبل أكثر من شخص كان أحدهم مصابا بالسّيدا مما يزيد في تأزم المشكل وتعقد الظاهرة، ويجعل من علاج المصاب أكثر صعوبة..
وضعيات خطيرة
وهذا الأمر يكشف عن وضعيات خطيرة بات يعرفها مجتمعنا، و تتفشى في صفوف الشباب وهي وجود حالات يكون فيها الفرد في الآن نفسه مدمنا على تعاطي المخدرات عبر الحقن ومُصاب بمرض فقدان المناعة المكتسبة أو ما يعرف بالسّيدا من دون أن يكون قد مارس الجنس المنفلت غير المحمي.
واللافت الآخر أن المقاربة المعتمدة في التعاطي مع هذه الظاهرة هي مقاربة مستوردة و مستنسخة من حلول العالم الغربي والقائمة على الاعتراف بالظاهرة وعدم إدانتها والتعامل معها وكأنها ظاهرة عادية، وتطالب بالتعايش معها بل أكثر من ذلك فهي تدعو إلى توفير كل الظروف لجعلها تنمو في ظل حماية المجتمع ورعاية من الدولة وهي مقاربة تقوم على المعطى العلاجي والمعطى التثقيفي.
المعطى العلاجي
أما المعطى العلاجي فهو الدعوة إلى توفير الحقن النظيفة بالنسبة للمستهلكين للمخدرات والمدمنين على نوعية معينة من هذه الآفة التي تتطلب استعمال الحقن وذلك حتى لا يتم نقل مرض السيدا عبر الدم، ومع دعوة الدول والحكومات إلى توفير فضاءات علاجية متخصصة لاحتضان المصابين بمرض فقدان المناعة المكتسبة.
وهذا يعني أنه عوضا أن نعالج الظاهرة من جذورها ونتعامل مع أسبابها الرئيسية ندعو الجميع أفرادا ومجتمعا ودولة للقبول بها كحالة عادية ونذهب إلى رصد اعتمادات وتوفير الأموال لبناء الفضاءات الصحية وتكوين المختصين في الظاهرة وتوفير الأدوية اللازمة للعلاج و الحقن النظيفة عند استعمال المخدرات، وهي نفقات نحتاجها في ميادين أخرى المجتمع يحتاجها لو فكرنا في مقاربات من خارج التوجهات الغربية وحلول المستعمر القديم وحلوله.
أما المعطى التثقيفي فهو الآخر لا يختلف كثيرا عن المعطى العلاجي في تأثره بحلول العولمة وما قرره الغرب لنا حيث انحصرت عملية التثقيف التي تعطى للتلاميذ في المدارس وما يروج في وسائل الإعلام في الدعوة إلى استعمال الواقي العازل عند القيام بعلاقات جنسية وتجنب وصم المصاب بالسيدا والتعايش معه والقبول به في المجتمع كوضعية عادية غير مدانة .
العلاقات المنفلتة
المشكل في هذه المقاربة التثقيفية التي تتبناها الدولة وهياكلها المعنية في كونها لا تقلل من الظاهرة ولا تحد من تفشيها وهي فضلا عن كونها من حلول العقل الأوروبي، ومن أفكار المعرفة الغربية التي يريد الغرب فرضها علينا كنمط عيش عصري وحداثي فهي تشجع على الممارسات الجنسية خارج الأطر الشرعية وتشجع على العلاقات الجنسية المنفلتة والمحررة من كل قيد أخلاقي أو ديني أو مجتمعي وتتساهل مع العلائق غير المنضبطة.
مقاربة قديمة
ما أردنا قوله هو أن ظاهرة السّيدا وتوسع دائرة الأمراض المنقولة جنسيا تعالج اليوم وفق مقاربة قديمة يُعاد استعمالها باستمرار من دون التفكير في تبني حلول أخرى أو مقاربات مختلفة تكون نابعة من بيئتنا وثقافتنا وهويتنا ومخالفة لما أقره الغرب والغرب الأوروبي في التعاطي مع هذه الظاهرة.
ما أردنا قوله هو أننا لا نزال غير قادرين عن الخروج دائرة المركزية الغربية في المعرفة والتحلل من كل ما ترسمه لنا منظومة العولمة الغربية التي تعمل على قولبة العالم وفرض حلولها ومناهجها واستراتيجياتها على الإنسانية.
حلول أم مآزق جديدة؟
ما أردنا قوله هو أنه من دون إعادة النظر في المقاربة التي نتبناها منذ عشرات السنين والتي لم تثمر نتائج ملموسة عدا التعايش مع الظاهرة وإقرار حلول ترقيعية ظرفية لا تقلل من مخاطرها، بل تزيد من أعداد المصابين لتتحول الحلول إلى مخاطر ومآزق، وتتحول مع الوقت هي الأخرى إلى مشاكل تحتاج إلى الحل حيث أصبح عدم توفر الواقي العازل لممارسة الجنس مشكلا وفقدان الحقن لتناول المخدرات مشكلا وتعطل الفضاءات المتخصصة في علاج السيدا مشكلا وفقدان المختصين في مرض فقدان المناعة المكتسبة مشكلا..
حلول جذرية
ما أردنا قوله هو أنه قد حان الوقت حتى نعيد تأثيث أفكارنا ونراجع حلولنا المستوردة ونذهب إلى معالجة الظاهرة من جذورها ومحاربة أسبابها الحقيقية، وهي أساسا المخدرات وممارسة الجنس الممنوع والمحرم دينيا وتربية الناشئة منذ الصغر وفي التثقيف المدرسي على أن هناك محرمات لا يمكن أن نقترب منها كالمخدرات والجنس الحرام..
المشكل الذي نعاني منه هو أن الدين والأخلاق الدينية والتعاليم الدينية وأخلاقنا المجتمعية التي تميزنا بها كتونسيين ننتمي إلى فضاء ثقافي وتاريخي وحضاري نعتز به مُغيّبة من مثل هذه المقاربات التي فرضها علينا المستعمر القديم وقبلنا بها في عملية مواصلة للهيمنة الاستعمارية والكولونيالية المعاصرة التي علينا مقاومتها ومناهضتها حتى نقلل قدر الإمكان من هذه الظواهر الخطيرة التي تزيد من إضعاف المجتمع .
من المهم أن تعتني الدولة بأبنائها المعطوبين وتولي العناية اللازمة بكل من أخطأ الطريق واختار حلولا فردية للهروب من مشاكل تتعبه وما أكثرها في وقتنا وأن تضع لهم الحلول للتخفيف من وطأة التهميش والضياع والشرود وحالة التيه ..ولكن من المهم كذلك أن تربي الدولة أفرادها على القيّم وعلى احترام المثل والمبادئ النبيلة والقيّم التي تميزنا بها كشعب عربي ومسلم.
حتى لا نفقد الحياة
من المهم أن نعالج كل من فقد مناعته المكتسبة من وراء علاقات جنسية متكررة خارج العلاقات الشرعية المحمية، ولكم الأهم من ذلك أن نعلم الناشئة وأبناءنا أن هناك مناطق محظورة وخطوطا لا يجب تخطيها ومخاطر كبرى من الواجب عدم الاقتراب منها حتى نحمي الفرد التونسي من كل موت محدق جراء جرعة مخدرات مجنونة أو ممارسة جنسية عابرة قد نفرح بها حينها ونندم عليها حينما نكتشف أن مناعتنا ضعفت وهزل البدن وضاعت الحياة وتعذر التدارك ….




