صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: المرأة ‘البرونزية’ النقّالة

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

لقد تعلقت همّة مجلس بلديّة أريانة منذ انتصابه يوم 7 جوان 1980 بتجديد العهد مع موروثنا في هاته القرية التي كانت وليس ببعيد ترفل في رياض من الورد والرياحين والتي أضحت مدينة مرقدا لعدد وافر من مواطنينا الوافدين من كافة معتمديات الجمهورية.

ومن مظاهر هذا الموروث ملكة الزهور أي الوردة الفوّاحة التي تشرح بأريجها الصدور وتشرئبّ لها الأنفس.
فانطلقنا في إقامة عيد لهذا الرمز المفضّل، والذي حبانا به المولى جلّ جلاله والذي ورد ذكره في سورة الرحمان ففكرنا في استنباط أشكال لترسيخ هذه النبتة في الأذهان حاضرا ومستقبلا، من ذلك أننا أعددنا مسابقة لاستنباط شعار للمدينة يجذّر بالشكل واللون هذا الذي سما زينه فوق كل زين مثلما شدا به شحرور هذا الزمن لطفي بوشناق ‘يا مزيانة آش خليت لورد أريانة’.

1

حسناء تحمل باقة من الورد

و بالموازاة اتصلنا بأحد روّاد الفن التشكيلي في بلدنا وبالتدقيق في بلدتنا إذ أنه من منظورينا وقد سبق له أن تعامل مع البلدية في فترة سابقة عندما أنجز جدار ساحة الشهداء وفيها مشهد يكاد يكون ناطقا يمثل المجاهد الحبيب بورقيبة وهو في منفاه بجزيرة جالطة حيث قضّى وحيدا منفردا مدة عامين (ماي 1952 – ماي 1954) هو الهادي السلمي الذي لبّى طلبنا في انجاز مجسّم للورد في شكل حسناء تحمل في يدها اليسرى باقة من الورد وفي اليد الأخرى تعرض وردة للقادم نحوها من بين القادمين إلى قصر البلدية.

لقد تمّ تصوير الفنان وهو في ورشته في سكرة في نطاق إعداد شريط وثائقي أعدته شركة SATPEC تخلد فيه أعمال سي الهادي، ولقد تمّ اعتماد هذا المجسّم لتحلية الوسائط المطبوعة المعلنة عن عيد الورد في دورته الأولى عام 1982 .

ثم ارتأينا أن نطلب من صاحب الأثر أن يعدّ لنا عددا من نسخ مصغرة له فأهدينا منها ثلاثة: الأولى لدولة الوزير الأول محمد مزالي عند إشرافه على عيد الورد يوم 8 ماي 1982 والثانية لزوجة الوزير الأول الاسباني إبان زيارته لتونس وقدومها إلينا لتدشين مكتبة أنيس للأطفال والثالثة لرئيس بلدية ڨراس عند تحوّلنا إليها.

ثم من بعد ذلك وبعد تهيئة الساحة الجنوبية لقصر بن عياد تم جلب هذا المجسّم وتركيزه قبالة الباب الرئيسي ووقع تدشينه من قبل الأستاذ الحبيب بورقيبة الابن يوم 8 ماي 1985 أي أيام قبل انتهاء المدة النيابية لمجلسنا.

اجتثاث المُجسّم!

وبعد عام ونصف من هذا التاريخ وقبل يوم 7 نوفمبر 1987 بأيام قليلة اجتثّ هذا المجسّم وأرسل به إلى غيابات المستودع البلدي حيث انكسرت إحدى اليدين وتهشم جزء من الرأس.
أمّا يوم 8 نوفمبر فلقد سارع العملة مأمورين إلى ساحة الشهداء حيث ضريح المجاهد عمار المعروفي وقاموا بطمس الجدارية التي أشرنا إليها آنفا لكي يغيب بريقه على الأنظار وهو على قيد الحياة مثلما ستغيب من بعد ذلك يوم جنازته عن مشاهدي الشاشات العالمية.

ردّ الإعتبار

وفي يوم من الأيام اتصل بي أحد من الشبان الراغبين في ردّ الاعتبار لذلك المجسّم راجيا مني الاتصال بصاحبه فاستجبت ولكني وجدت الفنان السهيلي مستاءا لهول الفعلة النكراء فلا المنطق ولا الذوق يسمحان لأحد أن يمسّ عمل فني بسوء فضلا عن الإلقاء به عرض الحيطان.
وعلى الرغم من ذلك فلقد تجاوب مع هذه الرغبة وأصلح ما يمكن في جسد هذه المرأة التي تم تركيزها أمام مدخل منتزه بئر بلحسن بحضور وزير الشباب آنذاك الدكتور حمودة بن سلامة، ولكن امرأتنا لم يطل بها البقاء في هذا المكان إذ أنّ إمام الجامع العتيق لفت الأنظار خلال خطبة الجمعة أنه لا يليق أن توضع علامة التدشين وهي تحمل البسملة تحت أرجل امرأة ولو كانت من مادة حديدية، فتمّ اقتلاعها مرّة أخرى وإدخالها وسط المنتزه.

عوّدوها على الترحال!

فهلا استقرّت هنا، بالطبع لا، فلقد تعوّدت – أو بالأحرى عوّدوها -على الترحال.
انتقلت “عارضة الورد ” الأريانية أخيرا إلى منطقة المنازه وبالتحديد في المفترق الذي يفصل بين الخامس والسادس والسابع والثامن بين شارعي الخليفة عثمان بن عفان وابن جلدته معاوية ابن أبي سفيان الذي انتصر له ووعد بالانتقام ممن أهدر دمه.
صحيح أننا أطلقنا هذين الاسمين على أهم طريقين في هاته الدائرة ولكننا لم نكن نتوقع ولو لحظة واحدة أنهما سيطوّقان بقبضتيهما هذه الحسناء الرهيفة التي شاء لها الزمن أن تعبث بها الأهواء.

هل من مستقر؟

وبالفعل فلم تعمّر في هذا المكان الذي اختفت فيه عن أعين الناظرين بحكم نموّ الأشجار المحيطة بها وعلوّها فاجتثّت من جديد واختير لها من المواقع المفترق الذي يعلو باب الحديد.
وهكذا عودٌ على بدء، فمرحى ثمّ مرحى،
فهلاّ يأتي زمن تعود فيه هذه “التائهة” إلى معينها الأصلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى