عيسى البكوش يكتب: محمد علي بلحولة (1938-2026) كما عرفته


كتب: عيسى البكوش
لقد غادرنا نحو عالم أفضل يوم الجمعة 6 فيفري الصديق محمد علي بلحولة الذي تعرّفت عليه بالسّماع أوّلا ثمّ بالرؤية مدّة تناهز الستّين عاما..
لقد كنت من المستمعين الأوفياء له من خلال برامج الإذاعة الوطنية التي كان يؤثثها وبالخصوص البرنامج اليومي “يوم سعيد” وكان رابع الثلاثة فرسان: صالح جغام والبشير رجب ونجيب الخطّاب.
ثمّ تعارفنا من قُرب عندما أصبح من منظوري في أريانة حين كنت أتحمّل أمانتها من سنة 1980 إلى سنة 1985 فتحاببنا وتواصلنا وكان يمدّني من حين إلى آخر بإصداراته وخاصّة كتابه المرجعي “الطبيب التونسي”.
ولقد سعدت مؤخّرا بالالتقاء به مرّتين: الأولى في رحاب المكتبة المعلوماتيّة بأريانة عند تقديم كتاب تفسير الشيخ المختار السلامي” نهج البيان في تفسير القرآن ” ثمّ عندما انتقلنا سويّا صحبة الصديق فاخر الرويسي إلى مقر مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية للمشاركة في إحياء الذكرى الخامسة لوفاة الرفيق منصر الرويسي وكان ذلك أيّاما قليلة قبل أن تدركه بدوره المنيّة و’كلّ نفس ذائقة الموت’.
البدايات
ولد محمد علي بالحولة بمدينة قفصة يوم العشرين من شهر أكتوبر من سنة 1938، زاول تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنكو ـ عربية حيث أحرز سنة 1951 على شهادة ختم الدروس، ثمّ نال شهادة الأهليّة ثمّ التحصيل العصري إثر تخرّجه من معهد ابن رشد الذي أتمّ فيه المرحلة الثانية من التعليم الثانوي.
دخل الإذاعة
وعندما كان يتهيّأ للالتحاق بالمرحلة الوسطى بمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بنهج إسبانيا آنذاك، استهوته مجالات أخرى فكانت وجهته الإذاعة حيث نجح سنة 1959 في تخطّي مناظرة الدخول إليها فانضمّ بعد مدّة إلى مصلحة البرامج تحت إشراف اثنين من أعمدة الإذاعة آنذاك: التيجاني زليلة وعبد العزيز عشيش.
ومن بين البرامج التي كان يعدّها ويقدّمها “معالم حضاريّة” و”الجوامع والمساجد” و”مسيرة الخير” و”العاملون بالليل”.
كان يحبّذ العمل على الميدان والاتصال مباشرة بالمواطنين أيّا كان موقعهم في الريف وفي المدينة وحتّى “على الشط”.
كما قدّم للتلفزة برنامجي ” مدن المياه” و”بيوت الله”.
نشاط في الكشافة
كان ذا حسّ اجتماعي رهيف والأمر من مأتاه لا يستغرب فإنّه انخرط منذ صباه في حركة الكشافة التونسية في فوج قفصة فرقة الجوالة بقيادة القائد ذائع الصيت توفيق حشيشة، وفي إقليمها حيث أسندت له خطّة المكلّف بقسم الأشبال.
يقول الصديق المنصف بالحولة في مذكراته الصادرة سنة 2015: ” كانت بداية حياتي في مرحلة الطفولة بين أحضان عائلتي ودخلت بعدها المجتمع بانخراطي في العمل الكشفي بقيادة الأستاذ الإعلامي محمد علي بلحولة الذي ألهمني العمل التطوّعي من أجل الغير وعشق العمل والتضحية من اجل الوطن” ص16.
التأليف
لقد شغف محمد علي قبل وبعد أن غادر مؤسّسة الإذاعة عام 1993 بالتأليف فأصدر علاوة على الكتاب المشار إليه آنفا كتاب “الجهاد التونسي في الشعر الشعبي” وهو كما يقول عنه المنعّم أبو القاسم محمد كرّو في مجموعة “شعراء قفصة” من نشر جمعيّة صيانة مدينة قفصة عام 2005: ” إنّه أوّل كتاب عن الأدب الشعبي ألفه أحد أبناء قفصة: محمد علي بلحولة وهو كتاب ضخم تمّ طبعه عام 1978″.
ويضيف: ” ولأنّه مشهور بحبّه وعنايته بموطنه، فقد أصدر سنة 1990 كتابا عن “قفصة قديما وحديثا” ص27.
أمّا واسطة كتبه حسب اعتقادي فهو كتاب “زمن العسر: 1930-1940 : صفحات مطويّة من تاريخ تونس” الصادر سنة 1981، وهو كما يقول في التقديم: ” هديّة متواضعة لشباب اليوم والغد حتّى يذكر الجيل السابق الذي عاش زمن العسر ورفض الإذلال والاستغلال”.
وصدّره بالآية الكريمة: ‘وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ’.
رحم الله الفقيد ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.
ربّنا ارحم موتانا واجعل الجنّة مثواهم ومثوانا.




