صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ علي بن سالم (1910-2001): رائد فن المنمنمات في تونس

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

“يعدّ علي بن سالم أحد أبرز روّاد الفن المعاصر بتونس. تتميز أعماله بخصوصية عوالمها الفردوسية الرائعة والبديعة التي تحضر فيها الحوريات والطيور والغزلان على بساط شفاف من الورود. عوالمه تذكرنا بالمنمنمات الفارسية”…

هكذا ترجم المنعم محمد بوذينة لهذا الفنان في كتابه “مشاهير فنّ الرسم” الصادر عام 1995.

البدايات

ولد علي بن سالم يوم 25 ديسمبر 1910 بمدينة القلعة الكبرى حيث كان والده يعمل مديرا بمدرسة ابتدائية.
درس بمعهد كارنو ثم التحق سنة 1928 بمدرسة الفنون الجميلة، فانحاز إلى رسم تفاصيل الحياة التقليدية وتأثر بالمنمنمات الفارسية.
تخرّج سنة 1932 وانضمّ إلى مؤسّسي متحف الفن التونسي وسرعان ما ذاع صيته فتحصل سنة 1936 على الجائزة الكبرى للدولة في الرسم وجائزة شمال إفريقيا في المنمنمات إثر مساهمته في معرض بالكوليزي، وانخرط منذ بواكير شبابه في الحراك الوطني وكان بحسب رواية الزعيم المنعم الباهي الأدغم في مذكراته أحد المحاضرين على منبر الشبيبة المدرسية “كان ذلك يوم 05 نوفمبر 1932 ومن بين المحاضرين أذكر الصادق المقدم وعلي بن سالم الذي اكتشفناه آنذاك ونظمنا له أوّل معرض للرسم”.
الزعامة الهادئة من نشر دار نيرفانا عام 2019 ص94.

رحلات إلى أوروبا

ارتحل إلى باريس سنة 1937 بصفته مصمّما لجناح تونس في المعرض الدولي هناك واغتنم الفرصة للتعامل مع متحف الإنسان وإقامة معرض للوحاته تحت رعاية وزارة التربية الفرنسية بقاعة “L’union latine”.
ثم عاد إلى أوروبا سنة 1939 مبتدأ بمدينة Stockholm عاصمة السويد حيث عرض أعماله وأهدى البعض منها إلى متحفها.
عاد من بعدها سنة 1941 إلى تونس لتدريس الخط بمعهد صفاقس، وفي سنة 1944 يؤسّس هناك مدرسة الفنون المستظرفة.
ثم يعاوده الحنين إلى السويد فيقيم المعارض في أكثر من 40 مدينة وفي القصر الملكي.
وفي سنة 1950 يتزوج بالسيدة نلسون كريستين Nelson Christine وأقام معها في السويد عشرين عاما ليحمله الحنين من بعد ذلك إلى وطنه ليختار الحمامات مقرا لإقامته، وكانت انطلاقة جديدة للاستلهام من البحر المتوسط ومن خليج الحمامات بالخصوص.
عام 1972 أقيم له معرض بالمتحف الوطني الفنلندي بهلسنكي.
عام 1973 يتحصل على الميدالية الذهبية بمدينة باريس.
عام 1973 يعرض في المتحف الإثنوغرافي بـ Oslo.
ثم يعرض سنة 1982 في باريس وفي ألمانيا.

جولة أمريكية

سنة 1983 يحمل لوحاته إلى أمريكا ويتجوّل معها في عدد من المدن وخاصة فيلادلفيا وواشنطن ونيويورك، وقد خصّصت مجلة Washington-Times صفحتين للحديث عن هذا الحدث.
سنة 1984 يعرض في رحاب اليونسكو بباريس وقد أشادت مجلة Jeune Afrique بهذه التظاهرة وبرائدها.
سنة 1986 يصدر علي اللواتي كتابا يهتم بحياة الفنان وآثاره.
وكذلك فعل المنعم عبد الرحمان أيوب عام 1997 فأصدر كتابا أولا تحت عنوان “علي بن سالم رسام الحب”، وثانيا بالتعاون مع الفنان تحت عنوان “فسيفساء” شارك فيه أيضا الأساتذة الهادي سليم وليليا السبعي ورشيدة التركي.
كما أصدر بادي بالناصر سنة 1998 ترجمة لـ علي بن سالم تحت عنوان “ذكريات حقب”.

عبقرية مُبدع

في شهر مارس من سنة 2000 انتظم بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات معرض احتوى على اثنين وأربعين عملا من إبداع علي بن سالم وتمّ بالمناسبة عرض شريط وثائقي عن سيرة الفنان أعدّته التلفزة الوطنية وصدر كتاب تصدّرته هذه الكلمات من رسم” المنعم عبد الباقي الهرماسي وزير الشؤون الثقافية وقتئذ.
“لوحات علي بن سالم تبدو قطعا مفككة من لوحة واحدة لا حدود لمساحتها، وبين التفكيك المادي والتكامل المشهدي تبرز عبقرية هذا المبدع”.
ويضيف: “تتجلى التراكمات وكأنها خارجة لتوّها من دهاليز الذات وتجاويف الذاكرة فتحتضنها الألوان الزاهية التي يغلب عليها اللون الأزرق الهادئ، فـ علي بن سالم ككل أهل الصبابة لا يرى السماء إلا زرقاء صافية”.
علي بن سالم كان أوّل رسام عربي تحتفي به المجامع الدولية ابتداء من المعجم السويدي.

الرحيل

توفي رحمه الله يوم 20 فيفري 2001 بالسويد ودفن يوم 24 من الشهر نفسه بمقبرة الحمامات.
يقول عن نفسه في كتاب “فسيفساء” :”لما كنت طفلا كنت معجبا بما يأتيه الحرفيون بكلّ صبر وأناة من تصفيف حجيرات يصنعون بها لوحات عجيبة وكان والدي يفسّر لي الطريقة التي كانوا يتوخونها، ولما كبرت قلت هذا الفن هو قدري واليوم وقد حان وقت الغروب أنا أعبّر بدوري عن عرفاني لهذا الفن وما هو إلا ما يتنفس به الإنسان هو يرنو إلى عظمة الخالق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى