نوفل سلامة يكتب: العالم ينتقل من سياسة الاحتواء الناعم إلى استراتيجية القوة العارية


كتب: نوفل سلامة
استفاق العالم خلال الأيام الأولى من العام الجديد 2026 على وقع حدث غير مألوف خطف الأضواء وشغل الرأي العام العالمي وكان محط أنظار الصحافة الدولية ودوائر القرار السياسي في مختلف العواصم..
استهلت الإنسانية عامها الجديد بعملية اختطاف تعرض لها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قبل قوات أمريكية خاصة بعد إنزال جوي طال مقره السري بطائرات حربية اقتحمت المجال السيادي للبلاد في عملية نوعية شبيهة بالعمليات التي نراها في الأفلام الهوليودية.
موقف الشعب الفنزويلي؟
اللافت في هذا الحدث في الموقف السلبي للشعب الفنزويلي تجاه عملية الاختطاف الذي تعرض لها الرئيس مادورو، وفي غياب ردة الفعل الطبيعية في مثل هذه الأحداث والحماسة المطلوبة للدفاع عن رئيس البلاد في حركة فهم منها أن الشعب لم يكن راضيا على حكم الرئيس مادورو وغير مبال بمصيره بعد عملية اختطافه ما رسخ القناعة بأن الأنظمة التي تحكم بالتخويف والترهيب ولا تعتني بشعبها هي أنظمة ترفضها الشعوب في صمت وتفقد القاعدة الشعبية وتضعف شرعيتها وتتهالك وتصبح عارية من كل سند شعبي…
مهما ادعى هذا الحاكم أنه يقاوم الإمبريالية العالمية والهيمنة الغربية، فالذي يهم الشعب في المقام الأول هو قوته وعيشه وهو غير مستعد للدفاع عن رئيس لا يعبر عن مشاغله اليومية ولا يحقق له العدالة الاجتماعية ولا يستفيد من ثروات البلاد وخيراتها الطبيعية بالعدل والانصاف.
وهذا يعني أن نظام حكم نيكولاس مادورو لم يسقط كما يروج له الإعلام الغربي المساند لأمريكا نتيجة العملية العسكرية الاستعراضية التي قامت بها أمريكا والاختطاف الذي تعرض له وإنما انهيار حكمه كان سببا داخليا بالأساس اختراقا غير مسبوق لأجهزة أمنه وكان لفقدان الحاضنة الشعبية وعدم انسجامها معه، ونتيجة للحكم الفردي الذي مارسه والانفراد بالسلطة ومصادرة حقوق الشعب وحرياته وتحويل الانتماء إلى شخص الحاكم بدل الوطن واختزال الوطنية كلها في شخص الحاكم، وحينما يحصل ذلك نجد الشعب يقبل بكل الحلول والبدائل حتى وإن كانت مفروضة عليه ومن وراء تدخل أجنبي في سبيل التخلص من الاستبداد والديكتاتورية…
علاقات قوة
المهم في حدث الاختطاف الذي تعرض له الرئيس مادورو فيما يعكسه من رؤية نجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفرضها اليوم بالقوة لتنظيم العلاقات الدولية في المستقبل وفي الاستراتيجية الجديدة التي يتوخاها لحماية ما يدعيه أنه أمن قومي أمريكي والنظرية السياسية التي يتبناها لتحقيق مشروعه ووعوده الانتخابية القائمة على فكرة ‘أمريكا أولا’ وهي فكرة مبنية على جملة من الثوابت والقناعات تسعى أمريكا على أساسها إعادة تنظيم العالم.
فأهداف أمريكا اليوم واضحة وهي تأمين الموارد الطبيعية الاستراتيجية التي يحتاجها الاقتصاد الأمريكي من نفط وغاز وكل المعادن الثمينة التي تم التوقف عن الاستفادة منها نتيجة سياسة سلفه ‘الفاشلة’ ـ على حد قوله ـ ووجود حكومات في أمريكا اللاتينية معادية للنهج الليبرالي وتنتمي إلى المعسكر الشيوعي الاشتراكي وتركت لعقود تفعل ما تريد، وكذلك من أجل مواجهة نفوذ الصين وروسيا المتمدد في العالم وخاصة محاولة توسعهما في القارة الأمريكية التي تعتبرها العقيدة الأمريكية مجال نفوذ حيوي لا يمكن لأي دولة غير أمريكا الاقتراب منه.
حرب المخدرات
ويضاف إلى هذه الأهداف مسألة مكافحة الاتجار بالمخدرات التي ترعاها حسب البروباغندا الأمريكية حكومات معادية لأمريكا تعمل على إغراق السوق الأمريكية بهذه المواد السامة في استراتيجية تتبناها بعض أنظمة أمريكا اللاتينية في حربها معها، وفي هذا السياق عاد دونالد ترامب إلى عقيدة مونرو نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو( 1758/ 1831) القائمة على فكرة المجال الحيوي لأمريكا المؤسسة على توسيع رقعة الهيمنة الأمريكية لضمان ما اعتبر أمنا قوميا للشعب الأمريكي ويصل هذا التوسع في المجال الحيوي إلى نصف الكرة الأرضية إن لزم الأمر وهذا يقتضي تكوين حلف يتكون من مجموعة حكومات حليفة لواشنطن.
صعود الشعبويات
والهدف الآخر الذي تقوم عليه الرؤية الأمريكية الجديدة في الأهداف المعلنة للسياسة الخارجية هو فك الارتباط مع النظام العالمي الحالي والعودة إلى سياق ما قبل الحرب العالمية الثانية وسياق التحالفات الأيديولوجية أو ما يعرف بنظرية ‘القرب الأيديولوجي’، وهذا التمشي بدأ يتحقق مع صعود الشعبويات واكتساحها الكثير من المحطات الانتخابية بما في ذلك أنظمة حكم في أمريكا اللاتينية كانت إلى وقت قريب تعرف بميولها إلى المعسكر الاشتراكي أصبحت اليوم حليفة لأمريكا مثل الأرجنتين والإكوادور.
استراتيجية الصدمة
المهم الذي نخرج به من كل التداعيات الخطيرة لعملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن العالم في اتجاه تبني سياسة جديدة للعلاقات الدولية ورؤية غير معهودة لطبيعة الروابط الخارجية بين الدول تقوم على الانتقال من عالم تحكمه سياسة الاحتواء والضغط التدريجي من دون استعمال للقوة المباشرة إلى عالم مبني على استراتيجية الصدمة أو ما يسمى بـ ‘نظرية القوة العارية’ التي تغيب فيها كل القيم والمبادئ والحقوق الشرعية للدول والأعراف الدبلوماسية والقوانين العالمية وكل ما تم الاتفاق عليه ضمن النظام العالمي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية واستبدالها بمنطق القوة الخالية من كل الأقنعة التي سمحت لدونالد ترامب أن يعلن أن النصف الغربي للكرة الأرضية هو مجال حيوي خاص بأمريكا و يخضع لنفوذ البيت الأبيض وبالتالي فإن أزماته وتوازناته وأولوياته تدار
وتُحسم من خلال القرار الأمريكي والوسيلة الوحيدة المتبعة هي استعمال القوة العسكرية والخطاب العنيف والتخويف والتهديد بالخطف والمحاكمات وافتكاك ما عند الآخرين بالقوة…
في تجاهل تام لسيادة الدول على أراضيها وما اتفقت عليه البشرية من معاهدات واتفاقيات لضبط العلاقات الخارجية والعلاقات الثنائية وإرساء عالم يسوده الاحترام المتبادل والاعتراف المتبادل.
عالم متغيّر متحرّك
ما حصل للرئيس الفنزويلي ليس إلا عينة وصورة لهذا العالم المتغير والمتحرك والذي تريد أمريكا أن تبقى القوة فيه لها وحدها وهو تمرين أول لمسار آخر ينتظر الكثير من قادة الدول في هذا الظرف الذي تمر به الإنسانية، والذين يعتبرهم دونالد ترامب يمثلون تهديدا جديا لأمن بلاده القومي نجد من ضمنهم رئيس دولة بوليفيا، البرازيل، المكسيك، كولمبيا، والشيلي وغيرهم.




