نوفل سلامة يكتب/ تناقضات هالة وردي: الرسول محمد بين الأسطورة والتاريخ أو الشك في حقيقة وجود النبيّ؟


كتب: نوفل سلامة
تواصل هالة الوردي المتخصصة في الأدب الفرنسي والتي تُقدم نفسها على أنها باحثة في التاريخ الإسلامي، وفي السيرة النبوية حواراتها الإعلامية المثيرة للجدل وترويج أفكارها المهزوزة المشككة في الإسلام المبكر وحديثها المتهافت عن حقيقة الإسلام الأول..
سردية أخرى..
وخصوصا تشكيكها في شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فبعد كتابها ” الأيام الأخيرة لمحمد” وكتابها ” الخلفاء الملعونون ” والتي قدمت من خلالهما سردية عن حياة الرسول مخالفة تماما للسردية المعروفة، والتي تداولتها كتب السيرة والتاريخ الرسمي المعتد به بالاعتماد على ما صحّ من أقوال وما اتفق عليه الرواة والمؤرخون الثقاة من صحيح النقل ومتين الرواية، اعتمدت فيها على الروايات الشاذة والأقوال الضعيفة وما هو متروك لم يصح من حديث منقول عن الفترة المكيّة المحمدية…
جمع للروايات الضعيفة
حيث أعلنت في كل أعمالها المكتوبة وحواراتها التلفزية والاذاعية أنها سوف تترك جانبا كل ما كُتب وصُنّف من مؤلفات عن التاريخ الإسلامي بالاعتماد على الروايات التاريخية الصحيحة المتفق عليها وتقوم بعملية جمع لكل الروايات الضعيفة والشاذة والمتروكة والأقوال غير المعتمدة والنصوص الأجنبية غير الإسلامية القديمة المعاصرة للإسلام المبكر، وتعيد تركيبها لتصل بها إلى سردية تاريخية أخرى عن كل الحقبة المحمدية وتقدمها على أنها هي السردية الحقيقية وقصة الإسلام الحقيقية.
بين الحقيقة والخيال
وحيث أن هذا النهج في البحث التاريخي وهذه الطريقة في تحليل أحداث الماضي قد قمنا بالردّ عليها ومناقشتها في مقالات نُشرت بجريدة الصريح من حيث صدقيتها وقيمتها العلمية في التعامل مع التاريخ وشخوصه والأحداث التاريخية وصحتها، وقام غيرنا بالرد عليها ودحضها وتفنيد كل ما توصلت إليه هذه الأستاذة في الأدب الفرنسي من استنتاجات…
ورغم أن المرحوم هشام جعيط قد ترفّع عن مناقشتها والرد عليها واعتبر أن ما تقدمه هالة وردي لا يعدو أن يكون رواية أدبية يختلط فيها الخيال بالحقيقة، ومن قبيل الروايات التاريخية التي لا ترتقي إلى البحث التاريخي ولا تحترم الصرامة المنهجية في البحث العلمي التاريخي إلا إننا نعود في كل مرة للردّ عليها ومناقشتها كلما وجدنا لها سقطة تاريخية لا يمكن السكوت عنها.
من هذه السقطات التي وقعت فيها هذه الباحثة مقطع فيديو يتم تداوله منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي لندوة فكرية قديمة التأمت بمدينة طنجة المغربية قدمتها هالة وردي حول أفكارها التي ترددها باستمرار حول حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في هذه الندوة في ردّها على سؤال أحد الحاضرين هل كان محمد رجل دين أم رجل دولة ؟ بطرح سؤال آخر تقول أنه مستفز لعموم المسلمين والمؤمنين هل كان محمد حقيقة أم كان أسطورة؟
وهل وُجد فعلا شخص في التاريخ إسمه محمد؟ وهل وجد فعلا شخص عند العرب كان رسولا وما هو اسم محمد الحقيقي؟
وأين ولد؟ وهل مات فعلا في المدينة؟
نصوص مختلفة
بعد كل هذه الأسئلة الإنكارية تقول حينما انجزت بحثي حول وفاة الرسول محمد وجدت مصادر بيزنطية وقبطية وأخرى إغريقية معاصرة تقريبا لفترة الرسول تحتوي على معطيات مغايرة عما نعرفه عنه، وهناك نصوص عثرت عليها غير عربية تروي حقائق مختلفة عن فترة الإسلام الأول، ومن هذه النصوص التي لا يجب إهمالها وتحدثت عن حياة محمد نص وجدته يعود إلى الفترة الاغريقية هو عبارة على رسالة بعث بها تاجر من مدينة غزة إلى أخيه من ساكني مدينة قرطاج يسأله فيها عن أحواله ويعلمه أنه جاءهم رجل يسمى محمدا يدعي النبوة ويريد أن يحتل القدس وكان ذلك خلال سنة 634 ميلادي وهذا يفيد – حسب نظرها – أن الرسول وفق هذه الرسالة مازال حيا في حين أن وفاته الرسمية حسب المصادر الإسلامية تقول أنه توفى قبل هذا التاريخ و كان ذلك في سنة 632 ميلادي ويحارب في غزة وهذه الوثيقة تثير السؤال حول حقيقة الرسول وحول شخصيته المليئة بالغموض والتناقضات.
وثيقة مجهولة!
هكذا وبكل بساطة وبالاعتماد على وثيقة مجهولة وغير معروفة ولا ندري ما هي قيمتها التاريخية ولا صحتها ومن دون مراجعة تاريخية علمية لها والتدقيق حول الظروف التي كتبت فيها ومن دون تحليلها ومقارنتها بوثائق تاريخية أخرى أكثر صحة منها وهل تصلح دليلا لمعرفة التاريخ الإسلامي القديم، تعلن أن شخصية الرسول حولها شكوك وأن وجودها كشخصية تاريخية وجدت حقيقة محل شكوك عديدة..
وهكذا وبكل سهولة ترفض أن يكون الرسول محمد شخصية تاريخية حقيقية لأنها عثرت كما تقول على رسالة كتبها تاجر إغريقي من ساكن غزة إلى أخيه كان يقطن في مدينة قرطاج يعلمه فيها أن رجلا يدعى محمدا يدعي النبوة و يريد غزوهم.
أين الصرامة العلمية؟
في الحقيقة ماذا يمكن أن نقول في مثل هذه الأفهام وهذه التصريحات الفاقدة للصرامة العلمية والمنهجية العلمية في التعامل مع التاريخ وخاصة حينما يتعلق الأمر بأعظم شخصية في التاريخ وأعظم رجل غيّر وجه العالم في زمانه، ولا يزال إلي اليوم مؤثرا بقوة ويجد الاحترام والتقدير من كل الأقوام والأمم حتى من أعدائه من أصحاب الديانات الأخرى..
تناقض واضح
المشكلة في تحليل هالة الوردي أنه مركب بكم كبير من التناقضات وبضعف منهجي فادح تحكمه عقلية انتقائية تنتقي من التاريخ والوثائق كل ما هو شاذ من الروايات التاريخية والغريب من النصوص وما هو متروك من وثائق، ومن هذه المصادر تحاول بناء سردية مختلفة تقدمها على أنها هي الحقيقية التاريخية المغيبة.
المشكلة فيما تقوم به هالة وردي وما تنشره من تصريحات حول حياة الرسول والشك في شخصيته والتشكيك في وجودها أنها تقول الشيء ونقيضه وتصرح بالفكرة ثم تتراجع عنها وتطرح أسئلة تثير بها الشكوك وتدخل بها البلبلة في أذهان الناس ثم تتولى الإجابة عنها بنقيضها…
فلو أخذنا مثلا شبهتها حول شكها في وجود شخصية حقيقية إسمها محمد وما تقوله من أن الرسول محمد شخصية وهمية غير موجودة، كما جاء في مقطع الفيديو الذي انطلقنا به في هذا المقال فإننا نجد إذا تركنا جانبا كل ما كُتب من أبحاث تاريخية جادة عربية وأجنبية إسلامية وغير إسلامية عن الرسول والتي اثبتت من خلال الكثير من الأدلة الأركيولوجية والنقوش التاريخية والوثائق المكتوبة التي تعود إلى فترة الإسلام المحمدي والكثير من الرسائل التي بعث بها إلى ملوك زمانه في بيزنطة وفارس والممالك المتاخمة للجزيرة العربية للتعريف بالإسلام يدعوهم فيها لاعتناق الإسلام وهي وثائق كثيرة لم ينكرها أحد، وكذلك الوثائق المكتوبة التي وُجهت إلى القبائل العربية إبان انتشار الإسلام من ذلك وثيقة المدينة التي تُعرف بدستور المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود والطوائف الأخرى و معاهدة الحديبية وهي وثيقة شهيرة كتبت في تاريخ مبكر من الإسلام في السنة السادسة للهجرة 628 ميلادي تصالح بها الرسول مع قريش وذكر فيها إسمه كاملا وغيرها من الوثائق التي اثبتت وجود الرسول وصحة النبوة والتي لم ينكرها أحد من علماء التاريخ قديما وحديثا.
وإذا تركنا القرآن الكريم جانبا الكتاب الذي ذكر فيه الرسول بالإسم وهو الكتاب الذي على أساسه تغيّر وجه الجزيرة العربية وبفضله ظهرت حضارة جديدة غيّرت وجه العالم من خلال حروب خاضها المسلمون في عهد الرسول وبعده ومن خلاف علوم ومعارف وتاريخ جديد للعرب حتى وصلنا إلى اللحظة الراهنة بعد المرور بمرحلة حكم الخلفاء والحقبة الأموية ثم الخلافة العباسية والكثير من الحكم الإسلامي حتى الخلافة العثمانية وهو كله تاريخ أساسه الأول شخصية الرسول محمد ودعوته الجديدة التي فتحت ممرا فاصلا في تاريخ البشرية.
فصل بين الصفة المقدسة والشخصية التاريخية
إذا تركنا كل ذلك جانبا وهو تاريخ ثابت مكتوب وأحداث وذاكرة حقيقية تؤكد جميعها صحة تاريخنا وحضاراتنا وثقافتنا وديننا وصحة نبينا وتمعنا فيما يصدر عن هذه الباحثة من تصريحات متناقضة فإننا نجدها بعد أن صرحت في هذه الندوة أنها تشك في صحة وجود شخصية ظهرت في التاريخ تدعى محمدا تتراجع عن ذلك وتقول في حوار أجرته معها قناة BBC سنة 2021 في برنامج ” بلا قيود ” حول سؤال محاورتها فيما تقوله عن نزع القدسية عن الرسول تجيب هالة وردي بأن هذا انطباع خاطئ لأنها تفصل بين صفة النبي المقدسة بالنسبة للمسلمين والشخصية التاريخية لمحمد وأن اهتمامها منصب على الشخصية التاريخية لمحمد فحسب من دون صورته الدينية فما يهمها هو التفاصيل المادية التي يمكن أن تدلنا على تفاصيل حياته الحقيقية لأن أي شخصية تاريخية مقدسة – حسب رأيها – فيها جانب اسطوري وآخر حقيقي، وأنها كباحثة ترى أنه ليس لدينا دليل مادي ملموس على وجود الرسول ما عدا قبره الذي بني تقريبا مائة عام بعد وفاته وكان ذلك في العهد الأموي.
وحول سؤال المحاورة حول هل يمكن أن نعتمد على الروايات التي تشكك في حقيقة وجود الرسول محمد تقول الوردي أنه لا يمكن أن نعتد بهذه الروايات وهي موجودة عند بعض المستشرقين وكانت نظرية منتشرة في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولكن بعد الاكتشافات التي حصلت لنصوص غير إسلامية تعود الى حضارات أخرى معاصرة للرسول تؤكد أنه كان موجودا وبالنسبة لها فإن الرسول محمد كان موجودا ووجد فعلا، ولكن ما لا نعرف عنه هو تفاصيل حياته؟ وما هو الجانب الأسطوري وما هو الجانب التاريخي في شخصه؟
هل يوجد تناقض أكبر من هذا التناقض؟ وهل هناك توتر معرفي أكثر من هذا التوتر؟ وهل هناك تخبط أوضح من هذا التخبط؟ والأهم من ذلك أن كل ما كتبته عن شخصية الرسول يؤكد أنه شخصية حقيقية فهي تبحث في تفاصيل حياة شخصية وجدت فعلا في التاريخ وهذا يعني أن كتبها تجيب عن انكارها وشكها وحيرتها وإلا فإنه من العبث أن تهدر هالة وردي كل هذا الجهد في الحديث عن شخصية وهمية غير موجودة ومن وحي الخيال.
غياب الأدلة التاريخية
يتبيّن من خلال تحليل طرْح هالة وردي القائل بـ” أسطورية الرسول محمد” أنه رأي محكوم بموقف أيديولوجي ناكر للتاريخ الديني للمسلمين ولا يستند إلى أدلة تاريخية أو نصية متماسكة، بل يقوم على منهج شكيّ مفرط في التأويل يفتقر إلى الضبط العلمي.
أما من حيث البحث الأكاديمي المحايد، فإن الوجود التاريخي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ثابت بالأدلة النصية والأثرية والمصادر المستقلة، وأن تأثيره الحضاري والسياسي والديني يؤكد أنه شخصية واقعية ذات حضور مركزي في تاريخ الإنسانية مما يستدعي إخضاع منجز هالة وردي للمساءلة النقدية والمحاججة العلمية واعتبار ما تردده هنا وهناك من قبيل التهافت الذي يظهر في كل عصر…




