صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: الحنين إلى التسعينات وفكرة الجيل الـمُلهم

slama
كتب: نوفل سلامة

بمناسبة افتتاح موسمها الثقافي لسنة 2026 -2025 نظمت جمعية تونس الفتاة بالشراكة مع المكتبة العمومية بمدينة الثقافة لقاء فكريا يوم السبت 25 أكتوبر 2025 تناولت خلاله موضوع: ‘الحنين إلى زمن التسعينات من القرن الماضي’…

الفكرة التي برزت بقوة بعد الثورة وتكثف الحديث عنها في السنوات الأخيرة كفترة مرجعية على زمن الاستقرار والأمان الاجتماعي والإقلاع السياسي وفترة القفزة التي عرفها المجال الثقافي والإبداعي عموما، وفتحت نقاشا وحوارا حول فكرة الحنين التي كثيرا ما يتم الرجوع إليها في فترة الأزمات الكبرى التي تمُرّ بها الشعوب والمنعرجات التي تعرفها الدول، حيث كثيرا ما يتم العود إلى فترات زمنية معينة واستجلاب مراحل من التاريخ واستعادتها في حاضر الشعوب لتحقيق نوع من التوازن المفقود واستحضار صورة أجيال كان زمانها ملهما ومبدعا لبلوغ حالة من التصالح مع الذات والواقع في حاضر يعرف عدم الرضا وعدم القدرة على تجاوز الصعاب والعيش في ظل متاهة وعجر قاتلين.

مشروعية العود إلى فترة التسعينات؟

للحديث حول هذا الموضوع تم الاستعانة بالدكتور منير سعيداني أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية والمتخصص في مجال علم اجتماع الثقافة الذي استفتح محاضرته بسؤال حول مشروعية العود إلى فترة التسعينات دون غيرها من الفترات…وطرح سؤال لماذا هذا العود إلى زمن التسعينات بالذات؟

وما هي مبررات هذا الحنين ؟ وكيف ظهرت الفكرة ومن طرحها لأول مرة ؟ ولماذا وقع الاختيار على هذه المرحلة للحديث عن الحنين إلى الماضي واختصار هذا الحنين فيها ؟ وحتى فكرة الحنين هي الأخرى تطرح اشكالات وأسئلة كثيرة مشروعة.

مسألة نسبية

يعتبر الدكتور منير سعيداني أن تركيز الحديث في السنوات التي تلت الثورة عن زمن التسعينات وظهور الحنين في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي إلى هذه الحقبة للحديث عن جيل مميز أو فترة ذهبية هي مسألة نسبية خاضعة لانطباع أصحابها على اعتبار أن كل جيل يعتبر زمانه هو الأفضل، فهناك من يعبر أن المرحلة الأكثر تميزا هي مرحلة الثلاثينات التي ظهرت فيها الكثير من الأسماء والشخصيات اللامعة في مجال الفكر والثقافة…

الجيل البورقيبي

وظهرت فيها الصحافة بقوة وهناك من يعتبر أن الجيل البورقيبي الذي ظهر بعد الاستقلال هو الجيل الأهم في تاريخ البلاد إذ معه بُنيت الدولة الحديثة وتحققت على يده الكثير من الإنجازات التي لا نزال إلى اليوم نفتخر بها وهناك من يرى أن الجيل المميز والمرحلة الأهم هي عشرية الثمانينات التي عرفت بروز القطيعة بين الشباب والسلطة الحاكمة وظهرت قوة الجامعة التونسية والحركة الطلابية في مقابل قوة الدولة في هذه الحقبة تكونت النخبة الفكرية والسياسية التي قادت المعارضة السياسية وهي التي وجدناها مؤثرة بعد الثورة حتى وصلت إلى الحكم.
وعلى هذا فإنه من الناحية العلمية لا يوجد جيل أفضل من جيل ولا مرحلة زمنية لها الأفضلية على أخرى، وإنما لكل حقبة زمنية خصائصها والمؤثرين فيها وهي في نظر من عايشها أفضل من غيرها وهذا طبيعي في الإنسان إذ يحن إلى الفترة التي تربى فيها وعايشها لأنها تمثل جزءا من هويته وذاكرته لكن المشكل الذي يعترضنا يتمثل في تحديد المصطلحات والمفاهيم حيث هناك صعوبة في تحديد مفهوم الجيل هل هو الجيل الذي ولد في التسعينات مثلا أم أنه الجيل الذي ظهر في عشرية معينة ولكنه ولد في عشرية سابقة فإذا اعتبرنا أن الجيل هو مجموعة من الأفراد ظهروا في فترة معينة حددت بثلاثين سنة ولكنهم من مواليد سنوات ماضية يكون الجيل الذي ظهر في التسعينات مثلا هو الجيل الذي ولد في الثمانينات والسنوات التي جاءت بعدها وهكذا وهناك صعوبة أخرى في تحديد معنى الحنين إلى حقبة التسعينات في علاقة بمضمونها وخصائصها… وما يميز هذه الفترة من قيم ومثل ومبادئ ومعارف وانجازات حتى نعدها فترة ذهبية مختلفة على غيرها تستحق أن نحن إليها ونعود إليها ليستلهم منها حلولا لمشكلات العصر الحاضر.

فترة مفصلية

فإذا عدنا إلى زمن التسعينات فإننا نجدها فترة مفصلية عالميا ومحليا ، فعلى المستوى العالمي ظهرت تحولات سياسية وثقافية كبرى أهمها سقوط حائط برلين وانهيار المعسكر الشيوعي وتفكك المنظومة الاشتراكية وبروز الحديث عن نظام القطب الواحد وتوسع نظام العولمة في المجال الاقتصادي والمعرفي، وظهرت فكرة تنميط العالم وعلى المستوى العربي وقوع حرب الخليج ومسمياتها المختلفة من درع الصحراء وعاصفة الصحراء إلى أم المعارك وتأثيراتها على المشهد الإقليمي وهو حدث تزامن مع تداعيات الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية.

مميزات فترة التسعينات

أما محليا فان فترة التسعينات هي الفترة التي عرفت فيها عودة غناء ‘المزود’ بقوة بعد أن تم حظره ومنعه في زمن حكم الرئيس بورقيبة وظهور مسلسلات تلفزية لا تزال إلى اليوم خالدة مع ظهور إنتاج سينمائي أثر في ذلك الجيل والفترة التي عرفت فيها الأغنية التونسية أوج عطائها مع ظهور العديد من الأصوات والملحنين الذين تركوا بصمتهم…
وفي المقابل هي الفترة التي عرفت انحسارا كبيرا على مستوى الحريات ومحاصرة وتشدّدا مع الأحزاب السياسية حتى سُميت تلك الفترة بزمن الجمر جراء كثرة الاعتقالات والمحاكمات في صفوف أحزاب المعارضة خاصة في صفوف الإسلاميين والفترة التي عرفت فيها إمضاء تونس على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ومعها بدأت البطالة تتفشى بعد غلق الكثير من الوحدات الصناعية نتيجة المنافسة التي شهدتها مع المنتجات الموردة من الخارج والتي تحمل علامات تجارية معفاة من الأداء الديواني وبدأ الحديث عن هجرة الشباب السرية إلى بلد الطليان أو ما يُعرف بالحرقة والمرحلة التي تسببت تراجع التعليم وفشل المنظومة التربوية التي تم إقرارها حينها.
إلى جانب ذلك كانت فترة التسعينات هي الفترة التي عرفت ظهور الألعاب الإلكترونية وبداية انتشار التكنولوجيا الحديثة ومختلف شبكات التواصل الاجتماعي والفترة التي عرفت فيها البلاد حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي نتيجة عملية الضبط الأمني التي قامت بها السلطة حيث كل شيء تحت الرقابة وجميع المجالات متحكم بها ويتم التدخل لتعديل كل محاولات الانفلات التي تحصل والعود إلى الانضباط بسرعة ما حقق نوعا من الراحة النفسية و الاجتماعية، وهي صورة سوّق لها النظام القائم حينها في الخارج على أن تونس بلد الأمن والأمان..
ربما كل ذلك كون مخيالا وذاكرة للجيل الذي ظهر في فترة التسعينات على أن هذه الفترة الزمنية هي الفترة الذهبية المتحسر عليها والتي يرجى العود إليها في علاقة ومقارنة بما حصل بعد الثورة من اضطراب وفوضى وفقدان الأمان والاستقرار في كل شيء والأخطر من ذلك ظهور شعور الخوف من القادم وعدم وضوح الحاضر والرؤية للمستقبل.

الاشتغال على الذاكرة

ينتقل الدكتور منير سعيداني للحديث عن أهمية الإشتغال على الذاكرة ويعتبر أن الحديث عن الحنين وعن الماضي هي مسألة مهمة في حياة الشعوب والأفراد ولا يمكن تجاهلها على اعتبار أن الحنين هو مكوّن مهم من مكونات هوية الفرد وذاكرته وتاريخه لكن بشرط أن يتم هذا الحديث بوعي الحاضر لا بمعنى أن يأسرنا ويكبلنا في الماضي ويجعلنا حبيسي مرحلة معينة وهو حديث يظهر كلما برزت مشاكل ومصاعب و حالة من المتاهة وحالة من العجز عن تجاوز مشاكل الحاضر، وهذا طبيعي في حياة الشعوب كما ينبه المحاضر إلى خطورة أن تخرج عملية الحنين إلى الماضي من مجرد الرغبة في العودة إلى حقبة من التاريخ لاستحضار منجزها لاستلهام حلول للحاضر ليتحول هذا الحنين إلى نوع من صناعة الذاكرة وتأثيث الوعي المبرمج وكتابة تاريخ موجه…
خاصة إذا ما اعتبرنا أن العود الى مرحلة بعينها واعتبارها هي العصر الذهبي كما هو الحال مع زمن التسعينات وتكثيف الحديث عن الحنين إلى هذه المرحلة مرتبط بحكم نظام سياسي صورته لم تكن جيدة والثورة قامت عليه ومن أجل انهاء وجوده وهنا لا بد من الانتباه إلي الرأي الذي يعتبر أن تكثيف الحديث في السنوات الأخيرة عن الحنين إلى زمن التسعينات هو نوع من التبييض لنظام حكم قامت عليه الثورة ومحاولة للتطبيع وتلميع جيل من السياسيين قامت عليهم الثورة وعملية مصالحة مع مرحلة اعتبرت في نظر الكثير من الناس أسوأ مرحلة عرفتها البلاد حتى وصفت بزمن الجمر وزمن استيلاء قلة قليلة من النافذين على كل خيرات ومقدرات الشعب.

نحو بناء الوعي الصحيح

ما يمكن أن نخلص إليه من هذا اللقاء الفكري الشيق مع الدكتور منير سعيداني أن الاشتغال على الذاكرة عملية مهمة وأن محاورة فكرة الجيل المميز والجيل الملهم هي محاورة ضرورية وهو نقاش في اتجاه بناء الوعي الصحيح من مختلف الظواهر الاجتماعية التي ترافق الشعوب والمجتمعات في مراحل من تاريخها المفصلية وهو حوار متواصل حول فكرة الصراع بين الحاضر والماضي بين حاضر مرفوض ومغضوب عليه وماض مقبول ومتحسر عليه ومتشوق إليه وحوار حول إشكالية صعوبة تجاوز فكرة الحنين إلى الماضي وتذكر الماضي الذي يعدّه انطباعا جميلا وملهما خاصة في زمن الأزمات والانكسارات والخيبات، وفي كل مفترق طريق تمر بها المجتمعات وهو حالة من حالات الصراع مع إكراهات الحاضر بأدوات الماضي التي تخلف حالة من التوتر والبحث عن طريق الخلاص التي يجدها البعض في الحنين إلى الماضي وإلى جيلهم الذي يعتبرونه ذهبيا وملهما فـ للذات أمكنتها الملهمة وأزمنتها الخالدة لإعادة بنائها وتشكيل وعيها للوصول إلى حالة من الرضا والأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى