صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: مفهوم العمل ومعنى المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي

slama
كتب: نوفل سلامة

حين ظهر الذكاء الاصطناعي قدمت تفسيرات كثيرة لإظهار منافعه وأهميته في تسهيل حياة الإنسان وتحسين نمط عيشه.. وقُدّم للعالم على أنه أرقى ما وصل إليه العقل البشري وخاصة العقل الغربي في تطوير الآلة العجيبة التي صنعها والتي إسمها ‘الحاسوب’..

بالاضافة إلى تطوير البرمجيات والخوارزميات المرتبطة به…وهي تقنيات قادرة على تقديم الكثير من الخدمات للإنسان بسرعة فائقة.

تعويض العقل البشري؟

قدّم الذكاء الاصطناعي على أنه التقنية الذكية التي بإمكانها محاكاة القدرات البشرية وتعويض العقل البشري والآلة التي بإمكانها أن تحل محل ذكاء الإنسان بالرغم من أن الإنسان هو الذي صنعها وطورها، ولكن رغم التحذيرات الكثيرة التي رافقت الإعلان عن بداية استخدام الذكاء الاصطناعي في جميع ميادين الحياة فإن المدافعين عنه قالوا بأنه قد جعل لتسهيل العيش واختصار الزمن أثناء العمل وربح الكثير من الوقت…

قدرات خارقة

من ذلك معالجة كميات ضخمة من البيانات وتقديم كل ما يطلبه الإنسان من معطيات ومعلومات في وقت قياسي، والتي كان يتطلب الحصول عليها بذل الكثير من الجهد والكثير من الوقت وتقديم الحلول والمقترحات مما يسهّل اتخاذ القرارات وحل المشكلات..
هذا فضلا عن معالجة مختلف الوضعيات الصعبة والمعادلات المستعصية إلى جانب القدرة على صناعة وانشاء المحتويات والصور خاصة في مجال الأدب والثقافة والسينما من دون أن ننسى المجال الصناعي وعالم الابتكارات الذي استطاع الذكاء الاصطناعي أن يقدم فيه إضافات مذهلة في ميدان صناعة الأسلحة والآلات الحربية و صناعة السيارات وكل أجهزة المراقبة التي يحتاجها الانسان.

مخاوف كبرى

هذا الاطراء الذي رافق ظهور الذكاء الاصطناعي لم يخف تخوفات كثيرة أبداها الكثير من العلماء والمفكرين الذين حذروا من توسيع نطاق استعمالاته وتمدد نشاطه وتحويله إلى أداة يعتمد عليها الانسان بالكلية الأمر الذي قد يغيّر كل شيء على وجه البسيطة، ويجعل الآلة هي التي تتحكم في كل شيء وتدير كل شيء مما يفقد البشر الكثير من قدراتهم الذهنية…
وبذلك يتم التخلي تدريجيا عن بذل الجهد البشري وتتوسع دائرة الخمول طالما وأن هناك جهازا أو آلة أو تقنية بإمكانها التفكير مكاننا وتعمل مكاننا وتربحنا الكثير من الجهد والكثير من الوقت الذي لم يعد من المفيد ولا المجدي بذله.

مراجعة مفهوم العمل

اليوم الذكاء الإصطناعي فرض نفسه على العالم وأجبر البشرية أن تعيد النظر في الكثير من القناعات السائدة ومراجعة الكثير من الثوابت من ذلك مفهوم العمل وقيمة الشغل ومعنى التعليم ومعنى المدرسة…

ففكرة العمل التي نظّر لها الكثير من فلاسفة عصر الحداثة وعصر الأنوار ودافعوا على قيمته في تشكيل وعي الإنسان وتحقيق حريته وإنتاج ذاته واعتبار قيمة الإنسان فيما يبذله من جهد ذهني ويدوي في ترويض عناصر الطبيعة، ومع هؤلاء الفلاسفة أضحى العمل هو الفعل الذكي التي يتعامل به الإنسان مع المادة و يهيمن به على الطبيعة وهو المجال الذي يتميز به الإنسان عن الحيوان…

ففي تعريف الإنسان يقدم التعريف الذي يعتبر الإنسان كائنا عاملا وفي المجال الديني فإن عملية الاستخلاف في الأرض ورسالة الإنسان في هذا الوجود تتحقق بالعمل، واللافت أن هذا المعنى الفلسفي الذي أُعطيّ للعمل مع بداية عصر الصناعة، وهذه الفكرة على أهميتها في إعطاء معنى للإنسان قد لقيت في بداية القرن الماضي انتقادات كثيرة، وظهرت تخوفات من أن يتحول العمل كما نظّر له الفلاسفة إلى عبودية جديدة بعد أن تحكمت المصانع وآلة الإنتاج في حرية الإنسان وبدل أن يحقق العمل المزيد من الحرية للإنسان و يعطيه أكثر قيمة ومعنى تحول إلى شكل جديد من أشكال العبودية المقنعة وإلى تبعية دائمة للآلة والمصانع وحددت حريته بساعات عمل مفروضة عليه أن يقضيها في مكان العمل مقابل حصوله على أجر أو مرتب…
ومن هنا أصبح الإنسان خاضعا للطبيعة بدل أن يكون مسيطرا عليها كما تقول الفيلسوفة الألمانية ‘حنة أرندت’..

مهن بأكملها تختفي!

هذه الفكرة تعود اليوم مع الذكاء الاصطناعي ولكن من زاوية أخرى ومن مقاربة فكرية مختلفة، مفادها أنه أمام هذا التطور المذهل الذي حصل في المجال التكنولوجي و الذي انتهى إلى ظهور الذكاء الاصطناعي فإن الكثير من المهن سوف تختفي والكثير من الوظائف سوف تفقد ويتم التخلي عنها وتعويضها بالآلة الذكية، وإلى جانب ذلك فإن الكثير من الأعمال والمهمات التي كانت تحتاج إلى وقت كثير ويستغرق إنجازها حيزا من الزمن قد أصبح اليوم من المتاح إنجازها في حيز زمني قصير مما يجعل من الضروري مراجعة زمن العمل الذي لم يعد يحتاج اليوم إلى وقت مدّد ويفرض إعادة التفكير وتقديم تصور جديد للعمل و لفضاء العمل يتماشى مع ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إمكانيات وقدرات…

فمفهوم العمل الذي تأسس على فكرة وجود حصتين في اليوم وأسبوع عمل بأيام محددة يتوج بعطلة في آخر الأسبوع يحتاج اليوم إلى إعادة نظر ومراجعة طالما وقد أصبح بالإمكان انجاز كمية كبيرة من العمل والكثير من المهمات بفضل الذكاء الاصطناعي في حيز زمني قصير مع اختصار مدة العمل…فلماذا يعمل الإنسان كل هذا الوقت إذا أصبح بمقدوره أن ينجز عمله في وقت قصير؟

تصوّر جديد للمدرسة؟

ونفس الشيء بالنسبة للتعليم ومفهوم المدرسة كما تشكلت في بداية القرن العشرين، وكما نظّر لها الآباء الانجيليون حينما فكروا في معاقبة المنحرفين وتقويم سلوكهم من خلال إجبارهم على تعلم القراءة والكتابة في مكان محدد ولساعات مضبوطة والتطور الذي حصل للمدرسة بعد أن خرجت من فضاء الكنيسة وتحولت إلى الفضاء المدني وأصبحت من مشمولات المجتمع والدولة.
فتصور المدرسة الحديثة كما تم توارثها وتبنيها في مختلف أنحاء العالم والتي تقوم على جملة من العناصر الأساسية، المعلم والمقرر الدراسي والبرنامج التعليمي من أهم ركائزها تعرف اليوم هزة عنيفة مع الذكاء الاصطناعي ورجة مؤثرة مع هذا التطور المذهل الذي حصل في مجال التطور التكنولوجي وعالم البرمجيات الذكية حيث يطرح اليوم أكثر من سؤال حول مستقبل التعليم ومستقبل المدرسة في هذا العالم الذي أصبحت فيه الآلة تتحكم في كل شيء وطرح السؤال حول دور المدرس وقيمة المقرر الدراسي في زمن أصبح من المتاح تعلم كل شيء من دون مدرس ولا موجه ولا برنامج تعليمي محدد وطرح سؤال العلم والمعرفة في سياق الحاسوب الذكي والبرمجيات القادرة أن تعوض المعلم والمقرر والمدرسة وظهر من يتساءل لماذا نذهب إلى المدرسة والحال أنه بالإمكان أن نتعلم كل شيء من المنزل؟
ولماذا نحتاج إلى معلم ومدرس في الوقت الذي نمتلك فيه كل المقدرات وتتوفر لنا كل الكفاءات التقنية للتعلم واكتساب المعرفة المطلوبة؟…

أسئلة مُلّحة

هذه التغيرات الهائلة وهذه التحولات المؤثرة في حياتنا أصبحت اليوم تطرح الأسئلة الملحة وتحولت إلى حالة قلق كبرى أمام هذه الهجمة المستعجلة التي تعرض لها كوكب الأرض وارتدت آثارها على حياتنا.
فاليوم الذكاء الاصطناعي قد تخطى مسألة القضاء على الكثير من الوظائف والمهن وتعدى موضوع الصناعة والتقدم التقني إلى مسألة الوعي والتعليم والمعرفة والعمل والتصور التقليدي للمدرسة الذي يقوم على تخصيص فضاء للتعلم وزمن مدرسي وبرنامج دراسي مضبوط وكل الخوف أن يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة لتسهيل الحصول على المعلومة وطريقة لتبسيط التعلم إلى أداة يُعوّل عليها بالكلية في كسب العلم والمعرفة وتسابق وتنافس على استخدام هذا الذكاء الاصطناعي.

مستقبل مجنون

المشكل اليوم رغم كل التخوفات والتحذيرات من خطورة التوسع والتمدد في استعمال الذكاء الاصطناعي وكل الدعوات إلى تقليص استخدامه وتحديد نطاق نشاطه ووضع ضوابط وشروط لتوظيفه أن يتحول إلى مجال تسابق في استعماله بطريقة مكثفة وموسعة بشكل تصبح كل حياتنا وما هو مركب وما هو بسيط وما هو معقد فيها وما هو عادي يعتمد على هذه الأداة التي تحولت إلى وسيلة تتوقف عليها كل حياتنا و أنشطتنا.
المشكل أنه رغم كل هذا الكلام فإن العالم متجه إلى مستقبل مجنون ومستقبل لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآله أو يعرف عواقبه وأين ومتى يتوقف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى