صالون الصريح

علمتني الصحافة..

كتب صالح الحاجة

في الثمانينات من القرن الماضي وجدت نفسي ضمن وفد صحفي تونسي يزور الصين ..وقتها كانت الصين في ‘طمبك’ الثورة الثقافية ..

وهذه الثورة كانت ‘مرمة صعيبة’..
كانت عبارة عن عملية ولادة وامتحان وتحديات وتربية وكفاح وصبر ..
الصيني تحمل أثناء كل سنوات الثورة العذاب والحرمان وقلة ذات اليد ..

ولعل ما تعرفه الآن الصين من قوة وازدهار وتقدم تكنولوجي مذهل يعود فيه الفضل الى تلك السنوات العجاف ..
وخلال الزيارة كنت امر يوميا أمام مقر جريدة ” الشعب ” لسان الحزب الشيوعي الذي يحكم البلاد بحزم وثبات ..
كنت امر امامها واقف قليلا لارى بنايتها الضخمة ولكن مدخلها الخارجي الذي يقع على شارع رئيسي لا يبعد كثيرا عن أشهر ساحة في الصين التي جرت فيها مظاهرات تاريخية وهي ساحة ‘تيانانمن’ الشهيرة، وتحتضن في موقع بارز منها صورة كبيرة للزعيم ماو، وحذوها شعار «لتعش الوحدة الكبرى لشعوب العالم».
ولكن المدخل الخارجي للجريدة لا يوحي باهمية الجريدة ولا بدورها الكبير ..
انه مدخل صغير كأنه نهج الكبدة في باب سويقة ..
وقد قيل لي ان الجريدة تطبع في اليوم الواحد ملايين النسخ ولكنني على كثرة ما تنقلت سواء في بكين أو في شنغاي لم ار من بيده هذه الجريدة بينما لاحظت الآلاف في محطات ” الكيران ” يتدافعون على شراء وريقات صغيرة ..
سألت : ماذا تحمل هذه الوريقات ؟
قيل لي انها عبارة عن جريدة صغيرة الحجم محدودة الصفحات تنشر برامج التلفزة وتقدم بعض الحكايات للتسلية ..
يقتنيها المواطن الصيني ليتسلى قليلا ..والتسلية رفاهية نادرة في الصين ..
ان الحياة صعبة جدا …وشحيحة جدا …ويمكن تلخيصها في عمل شاق زائد صحفة روز مرة في اليوم و 8 ساعات نوم في سرير لا حق لك فيه إلا في تلك الساعات ..
ولا يمكن ان تفكر في بذخ اسمه حرية صحافة أو تعددية في عناوين صحفية أو وجود جريدة غير جريدة ‘الشعب’ …
ذلك بذخ زائد عن اللزوم في الصين ولا احد يطلبه أو حتى يفكر فيه ..
الحياة الصينية في ذلك الوقت عمل وبناء وتعمير وإنتاج وزراعة واجتهاد ..
بلد كخلية نحل ..
بل هو خلية نحل بالفعل على امتداد الليل والنهار ..وطوال شهور السنة..ولا تقل لي صيف وعطلة وخلاعة وترفيه و’تبحيرة’ وسهر وسمر ..
كل هذه الكلمات لا وجود لها في القاموس الصيني …
والمواطن الصيني ..كل مواطن عنده قضية يؤمن بها ويعيش من أجلها ..ويضحي في سبيلها ..
هذه القضية اسمها الصين ومضمونها كيف تصبح الصين قوة جبارة تحكم العالم ..
انتم ولا شك تعرفون العبارة العربية القديمة التى توارثناها والتى تقول: ‘لنا الصدر أو القبر’ ..
هذه العبارة نحن نرددها وهي تجري فوق السنتنا ولكننا لا نفعل شيئا من أجل تجسيدها على أرض الواقع ..بينما هم يكدون ..ويجتهدون من اجل تحويلها الى حقيقة ملموسة ..والى واقع يومي ..
وقد تحقق لهم ما يريدون الآن ..
ولكن لم يتحقق بسهولة و”بدقان الحنك ..ودزان البيدق ..والعرك والمعروك …والحكايات الفارغة …وتطييح السراول …والشطيح والرديح …والبطولات الفارغة …والزعامات الوهمية …والمعارك التي بلا معنى’..
تحقق بعبادة العلم والعمل والقيم والأهداف النبيلة ..
واكاد اجزم تحقق بعبادة الصين …
اليوم الصين صارت قوة جبارة تناطح أمريكا العظمة وخلال سنوات قادمة قد تتجاوزها..
اطلبوا العلم ولو في الصين ..
كلام نردده ونحفظه ولكننا لا نعرف الصين ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى