صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: ومضات من تاريخ مدينة تونس: التوسّع العمراني ما بين الحربين

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

إنّ التوسّع العمراني إنما هو نتاج طبيعي – وحتمي- لعدّة عوامل منفردة طورا ومجتمعة تارة أخرى ومنها النموّ الديموغرافي وتطوّر مستوى العيش والنزوح من الريف والدواخل إلى نحو المدينة.

ارتفاع عدد الأوروبيين

وبالنسبة لمدينة تونس يضاف إلى ذلك توافد الأوربيين نحو بلدنا، فلقد ارتفع عددهم من 17.000 قبل الحماية إلى ما يزيد عن المائة ألف ما بين الحربين وبالتحديد سنة 1936 منهم 50.000 من إيطاليا و45.000 من فرنسا وألفين من مالطا واليونان.
كما يعتبر توفير المرافق من ماء للشرب وطاقة للإنارة وغاز للتدفئة ومدّ شبكة المواصلات مجلبة لطالبي السكن خاصّة إذا تمّ ذلك في إطار تعاونيات أو برامج حكومية أو بلدية.

إنجاز أحياء قريبة من العاصمة

وبالفعل قد بعثت بين الحربين شركة تعاونية لفائدة الموظفين الفرنسيين فأنجز حي Mutuelle ville سنة 1890 وأخرى لفائدة الموظفين التونسيين فتمّ إحداث حي التوفيق سنة 1929 وثالثة لفائدة عمّال السكك الحديدية والبريد، فظهرت سنة 1920 Belle ville ثمّ عام 1930 لاكانيا لفائدة قدماء المحاربين ومن قبل ذلك تأسست شركة France ville.
و بالموازاة أحدثت عمارات Montfleury وباب الفلة ومأوى المحاربين Foyer des combattants بشارع جول فيري (بورقيبة حاليا) عام 1930 و Nationale عام 1938 و الباساج عام 1932 وColisée في نفس العام.
كما انتشرت المجامع السكنية كحي بولاقيا قرب نهج روما وحي Gabison بنهج شارل ديغول.

تشيّيد البناءات العمومية

وتزامنا مع كلّ ذلك شيّدت البناءات العمومية مثل مقر الخزينة العامة سنة 1921 والديوانة سنة 1930 (…التي أضحت أثرا بعد عين) والبيعة اليهودية سنة 1937 وكذلك الفضاءات الثقافية كدار دانت (ابن خلدون حاليا) عام 1926، والتجارية كـ “المونوبري” عام 1933.
أمّا في مجال الترفيه فعلاوة على إنشاء مسبح البلفدير كانت الحاضرة تعدّ سنة 1938 18 قاعة للسينما لم يبق منها اليوم إلا النزر القليل، فأين البلماريوم والكابيتول وChamps Elysées وMidi-Minuit وستيديو 38 وMarivaux وKleber وCiné soir وBiartiz وأين المسارح التي كانت تعج بها المدينة فلقد أحصى عددا منها الصحافي الإيطالي التونسي المنشأ Daniel Passalaqua وهو من مواليد سنة 1920 وهي التي كانت تؤثث جل أنهج “المحروسة” : زرقون الكوميسيون زهمول سيدي البنا محمد علي غانة ومسرح الهواء الطلق بنهج بلجيكا ومثله في الموقع الحالي لوزارة الداخلية إلى جانب مسرحي بن كاملة وبن سلامة في الباساج؟

لعمري إن كل تلك الفضاءات المتواجدة في القرنين الماضيين لا تبوء الحاضرة المكانة الأولى في العالم في مجال الفن الرابح.
إذن تناسلت الأحياء وانتشرت في كلّ الاتجاهات: في الشرق أي باب بحر وفي الغرب مونفلوري وفي الشمال العمران وفي الجنوب باب الفلة ثمّ الوردية.
وكمثل بصمة الزيت التي تكبر فلقد اجتاح العمران المناطق المجاورة للمدينة من ذلك Foch-ville قرب البلفدير وCrémieux ville (المنزه حاليا).
وعلى الرغم من إعداد أمثلة للتهيئة منذ سنة 1929 فإنّ الحاضرة امتدت حسب الأهواء وليس أقلها الجدل الحاصل بين المهندسين المدنيين والمهندسين المعماريين الذين لم تكن لهم نفس الاختيارات ومردّ ذلك طبعا طبيعة تكوينهم الأكاديمي فانتصبت الأحياء أينما اتفق ونمت المضاربة العقارية التي بفضلها تحوّلت بعض الأحياء القصديرية إلى أحياء راقية، فسبحان مبدّل الأحوال !!

لماذا لا نُعرّب الأسماء

وهذا ما نلاحظه اليوم جرّاء قيام حي الأعمال (Mont plaisir) على أنقاض “بورجل”.
وحتى التسمية فهي ملائمة للطبقة الجديدة للموقع فلماذا لا نعرّبها يا ترى؟
إنّنا مثلما ذكرت آنفا ألفنا التعامل مع الأسماء الإفرنجية للأحياء “الراقية”: Mutuelle ville – France ville – Montfleury”.
فهل هذا هو قدرنا في مجال العمران، فحتى إذا عرّبنا فإنّنا نُبقي على الاسم التقليدي ولكن بتحريف يستبطن التميّز. خذ مثلا البِحيرة ـ السبخة ـ أضحت بعد استصلاحها وتعمير ضفافها “البُحَيْرَة”.

طالع أيضا: ومضات من تاريخ مدينة تونس/ انحرافات التهذيب العمراني: باب سويقة نموذجا

طالع أيضا: ومضات من تاريخ مدينة تونس: عندما كان بـ’الباساج’ مسرحان: بن كاملة أوّلا ثمّ بن سلامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى