عيسى البكوش يكتب/ ومضات من تاريخ مدينة تونس ‘صقليّة الصغرى’ ملاذ الإيطاليين القادمين إلى تونس


كتب: عيسى البكوش
جاء في الذكر الحكيم “وتلك الأيام نداولها بين النّاس”
(سورة آل عمران الآية 140).
بالأمس، أي منذ قرن ونيف كان اتجاه الهجرة عكس ما هو عليه اليوم.
كان الإيطاليون يفرّون إلينا لصعوبة العيش عندهم ولتوفّر فرص الاسترزاق عندنا…
ولقد بلغ عددهم في سنة 1860 حوالي 8000 بينما لم يتجاوز عدد الفرنسيين بعض المئات، فقاربت الجالية الإيطالية العشرة بالمائة من عدد السكان بالحاضرة وهو ما يعدّه علماء الديموغرافيا حدّا ‘مقلقا’ ولقد تضاعف عددهم بعد ذلك مرات…
أصول متعددة
جاء في مقال عن باب بحر نشر بمجلة “مواقع ومعالم” عدد مارس 2009 للصديق خيار الدين العنابي “أنّ الإيطاليين الوافدين على تونس ينتمون إلى أصول عدّة ومن ضمنهم “مزارعون وحرفيون وعملة، هربوا من البؤس السائد بجنوب إيطاليا وصقلية وسردينيا”.
وكان من الطبيعي، والبلد يمرّ بأزمة حكم حادّة أن يفكر حكام روما في العودة إلى “أيّام زمان” وإلحاق المقاطعة التونسية بدولتهم، ولكن ذهبت الرياح بما اشتهاه الوزير مصطفى بن إسماعيل (1850-1909) من استقدام الحماية الفرنسية، وهو الذي سعى لذلك بفضل الوفاق الذي عقده مع قنصل فرنسا Théodore Roustan (1833-1906) ودبّر لذلك في ظهر “سيّده” الصادق باي الذي كان مطمئنا لعلاقة الودّ مع حاكم فرنسا نابليون الثالث الذي أدّى له زيارة في الجزائر يوم 15 سبتمبر 1860.
امتيازات للباي
ولكن فرنسا كان لها رأي آخر وهو ضمّ جناحي المغرب ولو تحت مسمّى “الحماية” إلى الجزائر التي كانت احتلتها منذ 1830.
في كتابه “راسبوتين باردو” الصادر عن دار تونس للنشر عام 2017 يذكر محمد كمال القرداح: ” كان قنصل فرنسا يحثّ ابن اسماعيل للجدّ في استدراج الباي للموافقة على الحماية مقابل امتيازات عدّة وبالخصوص توليه ولاية العهد خلفا للصادق باي بعد وفاته” ص 95 .
كما يذكر القرداح أنّ ” اللغة الأجنبية التي كانت سائدة في باردو – أي مركز الحكم- هي الإيطالية”.
إذن كان الصادق باي أميل ما يكون إلى “العرق” الإيطالي ولذلك تراه يسرع في الطلب الموجّه إليه من السيدة الإيطالية Fasciolti بإسنادها قطعة أرض شرقي المدينة قرب البحيرة وكان لها ذلك بمقتضى دستور 1861 الذي أكّد في بابه الثالث عشر وبالتحديد في الفصل التاسع منه إعطاء الرخصة لرعايا الدول الأجانب ـ هكذا ـ في ملك العقار”. وبما أنّ صاحبنا هو صاحب الإيالة التونسية فلقد وهب لمن لا يملك ملك “البيليك”.
مخطط نهوض بالمعمار
فقامت هذه السيدة بردم هذه البرك حتى تتمكن من تقسيمها والتفويت فيها أجزاءً. وفي الانتظار قامت بكرائها لبني وطنها لإقامة منازل “هشّة” ثمّ من بعد ذلك شرع مئات الصقليين في إنجاز مساكن لائقة.
وقامت البلدية من بعد ذلك مثلما هو الشأن دائما بعد استفحال الأحياء “الفوضوية” بإعادة التهيئة وعصرنة الطرقات.
ولكن مع مرور الزمن تآكلت أجزاء عدّة من هذا الحي الذي تحدّه اليوم شوارع حشّاد وقرطاج والجمهورية والمنصف باي.
وقامت مصالح بلدية تونس بإعداد مخطّط للنهوض بالمعمار الذي يؤرّخ لفترة من الزمن العمراني لهذه المدينة المنفتحة على كلّ الأشكال السائدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
حتى تتألق اللؤلؤة
ولكن وبعد أكثر من أربعة عقود، لم يتحرّك أي ساكن ولعلّه من المتأكد الانطلاق في استصلاح هذا المربّع الثمين من الأرض المشرفة على الميناء العتيق وقد يعيد للحاضرة تألقها كلؤلؤة تطلّ على البحيرة الجنوبية التي تمّ استصلاحها منذ أمد بعيد، وهي أيضا في انتظار تهيئة ضفافها.
وقتئذ سوف يتجلّى أمام أنظار القادم نحو تونس من البحر مشهد تؤثثه توأمتان قُدّتا من ماء وبهاء.




