علمتني الصحافة..

كتب صالح الحاجّة
من الجرائد القديمة التي ارتبطت بها ارتباطا وجدانيا وعاطفيا ومازلت احتفظ ببعض اعدادها جريدة ” القنفود “الهزلية والفكاهية التي كانت تصدر في الستينات من القرن الماضي ..
كانت جريدة خفيفة على كل المستويات فهي تصدر في أوراق محدودة وقليلة جدا ومادتها الصحفية من نوع الطريف والخفيف والظريف وتستعمل أسلوب ” كلمة وقص “..
وقد حاولت ان انتسب اليها ببعض الكتابات المحررة باسلوبها فنشروها بسرعة ..وكررت العملية مرة ومرات ولكنني سرعان ما توقفت عن الكتابة لهذه الجريدة ولا اذكر أسباب هذا التوقف فأنا لم أتجاوز في تلك الفترة مرحلة المراهقة ولم احدد بعد مصيري ولم اختر طريقي ولم ارسم اتجاهي ووجهتي ..
كنت أعيش مرحلة تذبذب فانا احلم بأن اكون مغنيا وممثلا وخطيبا وسياسيا وصحفيا وشاعرا ..
كنت احلم واحلم ..فاعيش مع الحلم بعض الوقت ثم اتخلى عنه واستبدله بحلم اخر .
وذات مرة ذهبت بالليل الى عطار الحومة واشتريت بما كان عندي من ملاليم كمية صغيرة من سكر اسمه الشائع ( سكر نبات ) فلقد قيل لي انه يحسن ويقوي ويجمل الصوت …
وقبل ان اصل الى بيتنا التهمت تلك الكمية وانا في الطريق ورحت انتظر النتيجة بفارغ الصبر …
كنت اتوقع ان يصبح صوتي مثل صوت عبد الحليم حافظ …
وذهبت للنوم على امل ان استيقظ في صباح اليوم الموالي لاجد صوتي صوت فنان ..
ولكن كانت الصدمة او الخيبة …
استيقظت باكرا واخذت اغني بصوت مرتفع …وإذا بكل من في البيت يستيقظون ويوبخوني …ولم يكتف الوالد بالتوبيخ فتقدم مني ورماني على الارض و صفعني صفعة لم انسها ..
وازداد شعوري بالخيبة عندما تأكدت ان صوتي القبيح والضعيف لم يتغير ..ولم يتحسن …فقررت التوقف نهائيا عن الغناء ..
كنت أحب الغناء ولكنني للاسف لا احسن الغناء ..
ولقد كنت اظن بحكم صغر سني ان يكفي ان يلتهم الانسان بعض قطع السكر حتى يصبح عبد الوهاب او عبد الحليم او علي الرياحي ويكتسب القدرة على الغناء والأداء وعلى إطلاق المواويل على طريقة الفنان الرائع محمد عبد المطلب ..
ومما أذكره عن جريدة ” القنفود” انني ذهبت ذات مرة الى مقرها لارى كيف يصنعون الجريدة ففوجئت بأن مقر الجريدة الذي حلمت به ليس الا “حانوت صلاح راديوات ” وان صاحب الجريدة هو ” الصلاح ” نفسه …فسألني عما اريد …ولما قلت له : انا فلان الفلاني الذي كتب معكم وان لدي مقالات أخرى أود نشرها …نظر الي باستخفاف وقال لي : حطها على الكونتوار وبرة على روحك ..
ومن يومها وانا لم اخرج من هذه الدائرة …فلقد سجنت نفسي بنفسي في دائرة ” برة على روحك” ..
لقد نجوت من الغناء …ولكنني لم اعرف كيف انجو من سجن ” برة على روحك ” …
والتقينا بعد أكثر من 40 سنة ..
ذات يوم وانا امر من نهج شارل ديغول بالعاصمة واذا بشخص يستوقفني ..
في أول وهلة ظننته ” حاكم ” ولكن عندما قرات وجهه وبنيته الجسدية وملابسه استبعدت هذا الظن ..
سألني : ما عرفتنيش ؟..
قلت : سامحني شكون سيادتك ؟.
قال : أنا صلاح االراديوات مولى جريدة ” القنفود” ..
وبالطبع لم اكن اتصور ابدا ان التقي بهذا الرجل بعد كل هذه السنوات التي مرت ” زي التواني “..
لم أصدق في البداية ولكن أمام ما رواه لي من ذكريات صدقت ..
والح ان ” نعملو قهوة ” ..
وبالفعل ذهبنا الى اقرب مقهى في نفس النهج ..
سالته :انت عملت جريدة ياخي انت صحفي او عندك علاقة بالصحافة ؟.
قال لي : انا نقرا الجرائد وما نفهمش في الصحافة اما اولاد الحلال اصحابي اقترحوا علي ندبر رخصة انتاع جريدة …واصحابي هاذم ادباء وشعراء ومهبلة انتاع ثقافة يجيو بحذايا كل يوم في الحانوت ونشربو وناكلو اللي كتب من ربي …كنا مجموعة من اللي بايعينها بلفتة ..وفيهم اللي تعرفو مليح وكلهم ناس معروفين ولا فايدة في ذكر الأسماء خصوصا فيهم اللي مات ..
قلت : وعلاش مادامتش ” القنفود ” ؟
قال : فهمت بعد الفاس ماوقعت في الراس اللي الجرايد مافيهمش مصوار …وكنت نخدم على مولى المطبعة …ما صورت منها شيئ وكنت نزيد من مكتوبي ..فسكرت سكرة بوالديها ومشيت في الليل الى مولى المطبعة واعطيتو
اللي يسالني وقتلو : من اليوم لا تعرفني لا نعرفك ..وعلقت الصباط …ومخزن مسكر ولا كرية مشومة ..
وبعد ان تركته مع ذكرياته غادرت المقهى وعبارته ” الصحافة مافيهاش مصوار تزنزن في راسي ” ..
ويبدو أنها ستبقى ” تزنزن “…




