الأمين الشابي يكتب: من أقام دولته على جماجم البشرية لا يعطي دروسا في الديمقراطية..


كتب: الأمين الشابي
يبدو أن الإدارة الأمريكية، روّضت كلّ بقاع العالم، أنظمة ودولا ومدنا وقرى وأحياء وشوارع، انهج، أزقّة، وبيوتا و”زنقة زنقة و بيت بيت” كما قال الزعيم الراحل معمّر القذافي، ولم يبق لها إلاّ تونس، تلك الدّرة في شمال افريقيا…
ذلك البلد الإفريقي الصغير في جغرافيته والكبير بإرادة شعبه وقيادته ونخوة انتمائه لعروبته ولدين الإسلام الحنيف. وهي التّي قدّمت دروسا لكلّ العالم في الاتّزان وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم الانحياز. لتجد نفسها موضوع اهتمام الكونغرس الأمريكي حول “إعادة الديمقراطية في تونس” وكأن تونس في نظر بعض الطغاة “عزبة” خاصة على ملك هذا العضو أو ذاك في وله شهادة ملكية فيها؟
دموع التماسيح عن الديمقراطية
‘إعادة الديمقراطية في تونس’ موضوع جميل وجذّاب في ظاهره وخاصة لدى من يكيلون بمكيالين لهذه “الديمقراطية، التي يراد تصدير للغير حسب الأهواء” وكذلك لدى الخونة وبائع ذممهم وأوطانهم.
أمّا باطنه فهي عبارة على هدية مسمومة، تخفي نوايا خبيثة، باعتبار وأنّ هذا الكلام يتقاطع مع سندان الوصاية ومطرقة الاستبداد الذي تحاول أمريكا فرضه على كلّ العالم وخاصة على من تراه غير خاضع لإرادتها وشطحاتها وازدواجية مواقفها ومزاجها. هنا، يستحضرني تساؤلا “بريئا”، براءة النوايا الأمريكية، ومفاده، هل أمريكا هي جمعية خيرية توزع الديمقراطية على الشعوب أم هي لمساومة السلطة التونسية بين الخضوع لإرادتها وخدمة مصالحها أو أن تحاصر وتعاقب؟
الكيان أولى بتقويم الديمقراطية لديه..
هنا يبادرني، أيضا، سؤالا مركزيا يقول، أ ليس أحرى بأمريكا توجيه اصلاح هذا الاعوجاج الديمقراطي إلى بعض الأنظمة الدكتاتورية، منها العربية والغربية، – وهي تعلم أنّها أنظمة دكتاتورية بامتياز – ولكن لماذا لم تحرك الإدارة الأمريكية ساكنا تجاهها؟ لأنّها ببساطة لديها مصالح مع تلك الأنظمة “الديمقراطية جدّا”. و بالتالي عن أي توجه نزيه لإرساء الديمقراطية في تونس تتحدث ماما أمريكا؟. وهي التّي تذرف دموع التماسيح على الديمقراطية في تونس؟ أ ليس، كيان الاحتلال، أولى بهذه الدموع وبهذا التقويم لنهجه الدموي في حق الفلسطينيين.
وهو الذي لم يسلم منه لا الشجر لا البشر ولا الحجر. أم لهذا الكيان المجرم معايير مختلفة لتقييم الحريات والديمقراطية بداخله؟ وبالتّالي استعادة الديمقراطية أولى بها هذا الكيان النّازي قبل غيره؟ أم أنّ ذاك الغصن من تلك الشجرة الخبيثة والمجرمة لا يستحق إلاّ التشجيع والمكافأة على الإجرام والقتل وسفك الدماء؟ كفى استخفافا بعقولنا؟ ويكفى استبلاهنا ؟ وكفى تقزيما لمواقفنا المشرفة في كلّ العالم؟
و بالتالي يرفض التونسي الأصيل والأبيّ أن تحشر أمريكا أنفها في الشأن الداخلي و محاولة المس بالسيادة التونسية، فهو خط أحمر لكلّ تونسي أبيّ له شرف الانتماء لتونس العظمة، وتونس النخوة، وتونس الإباء، وتونس الحريات. مقارنة مع أمريكا التي لا تمثّل إلاّ الخط الامبريالي والاستبدادي والعربدة الدولية.
وما الحرب على العراق وما يحدث بغزة إلاّ أدّلة ساطعة على إجرامية هذه الدولة وما ذهبنا إليه من قول. وهنا نذكّر وأنّ تونس ليست العراق ولا سوريا و لا لبنان و لا غيرها، بل ستكون مقبرة للطغاة فاسألوا التاريخ سيجببكم؟ أمّا القول والادّعاء بأنّ أمريكا مهد الحريات والديمقراطية فهو لا يعكس إلا بعض المرض العضال لدى بعض العقول الخاوية من التحليل الموضوعي للواقع، والنفوس المريضة، وبالتالي هذه العقول المريضة لا ترى من الخجل بمكان للاستقواء بالخارج لتقويض استقرار البلاد.
ابليس ينهي على المنكر
من المضحكات المبكيات، أن تدعو ‘ماما أمريكا’ إلى إعادة الديمقراطية في تونس، وهي التي تقود محارق الإبادة في غزة وفي كلّ فلسطين. فمتى كان إبليس ينهى عن المنكر…
والمنكر هنا ليس “غياب “الديمقراطية في تونس كما تدعي أمريكا وزبانيتها. بل المنكر هو استعمال هذه اليافطة وهذا الشعار للمواقف المشرفة لتونس من القضايا الإنسانية والقضايا العربية، وتحديدا من موقفها تجاه القضية الفلسطينية لثنيها عن ذلك. وهي مناسبة لدعوة كلّ مواطن شريف، في تونس الصمود، لتقوية الوحدة الداخلية لتكون صمّاء تجاه هذا التدخل السافر في شؤوننا الداخلية. وقد بادر بعض أحرار تونس، بالصوت العالي، استنكار وشجب ما تقترفه من جرائم الولايات المتحدة تجاه تونس هذا البلد الأمين والمحب للسلام والداعي إليه.
تونس برجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها
ويكفي التذكير ببعض مواقف الشعب التونسي من هذه القضية وما صدر عنهم من مواقف مساندة لوطنهم ومؤازرة لبلدهم ورفضهم لكلّ تدخل في الشأن الداخلي للبلاد. ولكم أن تتصفحوا مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على هذه المساندة العارمة. كما سعدت شخصيا بعض مواقف أعضاء مجلس نواب الشعب لمواقفهم الشجاعة من هذه ‘المراهقات’ الأمريكية. وأكثر ما شدّني ذاك الموقف القوي لأحدى لبؤات تونس حين دعت إلى “مشروع قانون في البرلمان التونسي يهدف إلى إرجاع أمريكا لشعبها الأصلي” باعتبار وأن “قانون حماية الديمقراطية في تونس” قدمه أعضاء في الكونغرس الأمريكي ويربط جزءا من المساعدات الأمريكية لتونس وبشروط سياسية مفادها “انهاء حالة الاستثناء وإيقاف محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين” ومن هذا المنطلق ستتعامل تونس بالمثل وتوازي الإجراءات.
ومثل هذه الشروط لا يمكن فصلها أوّلا عن المواقف المشرفة لتونس تجاه القضية الفلسطينية وموقفها الداعم واللا مشروط لها. وثانيا، لا يمكن فصل مثل هذا التمشي لأمريكا عن بوتقة الصراع والنفوذ الدوليين في شمال افريقيا باعتبار تونس تعتبر بوابة المتوسط وجنوب الصحراء وقريبة من ليبيا والجزائر وما يعنيه ذلك لأمريكا. وبالتالي، فلا تنتظروا من الشعب التونسي خيانة وطنهم والانخراط في العمالة والخيانة والتبعية. ولن تجدوا في تونس من بقبول حكمها وهو يركب ظهر دبابة كما حصل في الكثير من الأنظمة العربية؟
كلمة أخيرة
إن كان المطلوب هو الدعوة لإصلاح منظومة الحريات والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من قبل الكونغرس الأمريكي، فهذا شأن داخلي يخص التونسيين ولا أحد غيرهم.
أما إذا كان الهدف اخضاع البلاد لتكون منصة نفوذ فهذا مرفوض لأن التونسي عموما يأبى ويرفض الوصاية والهيمنة والاستعمار.
فبالتالي حق التونسيين في تقرير المصير هو غير قابل لا للتفاوض ولا للتجزئة. ولكن قد تكون هذه الشطحة الأمريكية أيضا فرصة لمراجعة وترميم نقاط الضعف في بلادنا عبر إقرار حوار شامل ومصالحة اقتصادية واجتماعية…ونكون بذلك أغلقنا كلّ المنافذ التي قد يدخل منها أعداؤنا. أعداء الديمقراطية كـ يافطة للابتزاز السياسي والاقتصادي.




